شكّل التدخل الروسي المباشر في الصراع الدائر في سورية وعليها، منعطفًا خطرًا في مساره، وزاد الوضع تعقيدًا، أربك الحلول السياسية المطروحة، وأمدّ في عمر الصراع وفاقم من مأساة السوريين من خلال القصف الهمجي الذي يقوم به الطيران الروسي مستهدفًا المدنيين والتشكيلات المعارضة المسلحة على امتداد الأرض السورية، كما أنه كشف النقاب عن صراع النفوذ الدولي والإقليمي وحروب الوكالة الدموية. فما الذي دفع روسيا نحو هذا التدخل؟ وما قدرتها على تحمل نتائجه السياسية والاقتصادية؟ وما مآلاته؟
خلال ما يزيد على خمس سنواتٍ داميةٍ، دفع السوريون أثمانًا غاليةً، للخروج من حالة العزلة التي فرضتها عليهم سلطةٌ انكمشت عبر نصف قرنٍ من كونها سلطةً عقائديةً محمّلة على بيئاتٍ فلاحيّةٍ، يشغلها توزيع الملكيات الكبيرة عليها، مع المحافظة على انغلاقها وتقاليدها المحلية، وعلى فئاتٍ مدنيّةٍ تسعى للارتقاء الطبقي، في الوقت الذي مزقتها تجربة الوحدة مع مصر بين عقيدتها القومية الجذرية، وإدراكها للضرر الذي لحق بها نتيجة محاولة تطبيقها -إلى أن اكتملت على حالها الراهنة: أقلية سياسية نهّابة منفصلة عن المجتمع، تجتهد لإبقاء محكوميها مقطوعين عن العالم كوسيلةٍ لتأبيد امتلاكهم.
تُشير التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة على صعيد المسألة السورية، أو في الحرب الدائرة في سورية وعليها، إلى أن شبح التقسيم ما زال ماثلًا أمام البلاد، لا بل أخذ يهدِّد أكثر فأكثر مستقبل سورية ومصير شعبها أيضًا.
تدخّلت تركيا عسكريًا في سورية، وحققت مع "المعارضة السورية" انتصارات سهلة، لكن النتائج بعيدة المدى ليست بالضرورة بالسهولة ذاتها، وتبقى السيناريوهات غير محدودة في ظل العدد الكبير من القوى المؤثرة في المشهد السوري.
ما زالت ذكرى مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام السوري بحق السوريين في غوطة دمشق، تُشكّل جريمة كبرى من الصعب أن يتجاوزها الزمن، لأنها لا تسقط بالتقادم، وما زال الشعب السوري يعيشها في كل تفاصيلها، يعتصره الألم، ويعيد تأكيد حقه في محاسبة الجناة
أثارت زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى روسيا، وما فتحته هذه الزيارة من آفاق للتعاون بين البلدين، وبينهما وإيران، شغفَ كثير من المتابعين الذين شطحت تصورات بعضهم؛ فمن المؤكد أن الدول الثلاث المتجاورة، والمتورطة في الصراع الدائر في سورية وعليها، حريصة على تعميق هذا التعاون، كلٌّ لأهدافه وهمومه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا يدور حول السقوف التي يمكن أن يصل إليها هذا التعاون في ضوء المعطيات الجيوسياسية التي تفرضها هذه المرحلة من التاريخ. وهل يمكن لهذا التعاون أن يدفع في اتجاه الحل السياسي في سورية؟
شكّلت معركة حلب -بعنصر المفاجأة الذي توافر لها وبالطريقة التي أُديرت فيها- علامة فارقة في مسار الحرب منذ شهر تموز/ يوليو عام 2012، غير أنه من المبكّر القول إنها غيّرت موازين القوى على الأرض، أو قلبت معادلات الصراع، لكن من المؤكّد أنها أفشلت إستراتيجية النظام، التي عمل عليها على امتداد السنوات الثلاث الماضية، ونسفت حساباته السياسية الراهنة بالذهاب إلى جنيف، بعد أن تكون حلب قد سقطت بين يديه،
في سياق الحديث عن التحركات الدولية المتعثرة، وما يمكن أن يكون قد نتج عن اللقاء الماراثوني الحاصل، عشية الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016، في موسكو بين وزيري الخارجية، الأميركي جون كيري، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، والتصريحات التي واكبت ذلك، وتأخير الإعلان عن نتائج هذه الاتفاقات، والتي يُصرّ مسؤولون أميركيون على وصفها بأنها ليست اتفاقات، بل توافقات، لا بدّ من ربط هذا اللقاء بما يجري في مدينة حلب، شمالي سورية.
أعلنت “جبهة النصرة” في سورية عن فكّ ارتباطها بتنظيم القاعدة العالمي، الذي أسّسه أسامة بن لادن، كما قررت تغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، وكذلك استغنت عن العلم الأسود، الذي تستخدمه التنظيمات المتشددة، واستبدلت به آخر أبيض، وأعلنت أنه لن يكون للجبهة الجديدة، أي ارتباطات خارجية، أي أنها ستتحول إلى تنظيم عسكري إسلامي محلي.
كانت ليلة الخامس عشر من تموز/ يوليو الجاري، ليلًة عصيبةً، ومفصليةً، في تاريخ تركيا الحديث؛ فقد قام ضباط من رتب مختلفة، ومن تشكيلات عسكرية متنوعة، بمحاولة انقلاب عسكري، تركّزت في أنقرة وإسطنبول، وامتدت تداعياتها إلى مدنٍ أخرى،