الانتقال البيئي والطاقوي من منظور الأمن العالمي

اعتقدَ الإنسان طويلًا أن محيطه البيئي نظامٌ بسيط؛ وتعامَل مع استخدام الموارد انطلاقًا من هذا المعتقد، معتمدًا مبدأ إدارة النظم البسيطة باتجاه واحد استهلاكي؛ لتلبية احتياجاته، غير مدرك للتبعات التي سيخلقها في الوسط الذي يؤثر فيه، وغير مدرك لمحدودية هذه الموارد على مقياس زمن امتداد البشرية، وليس بمقياس الاحتياجات الآنية، إضافة إلى تجاهله للوظائف غير الظاهرة التي يقدمها المحيط، والتي اتضحت أهميتها مع حصول الخلل البيئي.

المحيط البيئي نظامٌ مركب مترابط بجميع آلياته وجزئياته التي يشكل الإنسان طرفًا واحدًا فيها، يجعل هذا التعقيد النظمَ البيئية متماسكةً في حالة استقرار، لكن أي اختلال للتوازن يقود إلى اختلال تابع له، وهنا مكمن الضعف؛ ذلك أنّ البشرية، بعد أن أصبحت قوة مؤثرة قادرة على إحداث تغييرات على مستوى كوكب الأرض، لم تأخذ بالحسبان كافةَ العوامل المؤثرة والمُتأثرة بهذه التغييرات، فقد أدار الإنسان المواردَ حسب حاجته، بين المصدر والمستهلك، بينما يتطلب الأمر آلية إدارة نظم مركبة.

لم يكن انعكاس هذا الخلل البيئي، المرتبط باستهلاك الطاقة بشكل رئيسي، مقتصرًا على الكوارث الطبيعية ومظاهر التغييرات المناخية، بل أدى بشكل مباشر إلى تأثيرات تُخلُّ بالأمن العالمي، ومنها الهجرات المناخية والتوتر الناجم بين الدول، بسبب الحاجة المتزايدة إلى مصادر المياه ومصادر الطاقة.

حيث تُعدّ مصادر الطاقة، كالنفط والغاز، مُنتجة للسياسات العالمية المستندة إلى ارتباط علاقات القوة بين البلدان بالارتباط الاقتصادي فيما بينها، وغالبًا ما تكون البلدان التي تتركز فيها مصادر الطاقة الأحفورية غير مستقرة على الصعيد السياسي، وبعيدة عن الديمقراطية، وتنحصر السيطرة على منابع الطاقة بيد شركات تابعة للحكومات، وهي كذلك لضمان التحكم باستمرارية الإنتاج وثبات الأسعار؛ كل ذلك يجعل البحثَ عن الطاقة مصدرَ صراع شبه مستمر، لعقد التحالفات والحفاظ على الاستقلالية، وبناء على ذلك؛ فإن الانتقال الطاقوي هو خطوة تحوّل في الأمن العالمي أيضًا الذي قد يأخذ في المستقبل شكلًا جديدًا تابعًا لهذه التغيرات.

مستقبل الأمن العالمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية الانتقال البيئي والطاقوي، حيث يعتمد على إيجاد حل للكوارث الحالية، عبر العمل والتوافق على المستوى العالمي والسياسي، من أجل ضمان الأمن الطاقوي، مع الحفاظ على البيئة التي أصبحت قيمة إنسانية عليا، على أن يضمن هذا الانتقال استمرار نمو البلدان المتقدمة، وتطور البلدان الناشئة، من دون تخريب المحيط الحيوي.

يأتي كل ذلك بصيغة التحدي في مواجهة الصراع والتنافس بين الدول، في هذا المجال الاستراتيجي، وإيجاد حلول للانتقال من النطاق المحلي إلى النطاق العالمي، في مجال السلم الطاقوي الذي لن يتم على مستوى حكومة واحدة، بل عبر التعاون والتعاضد بين الحكومات وعولمة الطاقة، من دون المساس باستقلالية كل بلد. يضع ذلك الحكومات أمام صعوبات تتجلى بالحفاظ على الاستقلالية، عبر إيجاد منابع طاقة متجددة كاستجابة على تراجع مخزون النفط عالميًا، وعلى تدمير البيئة، ومن جهة أخرى إيجاد قواعد عالمية جديدة، لتحافظ على السلم الطاقوي، وحالة التوازن والأمن التابعة له.

هذا التحول الذي ابتدأ بشكل تدريجي، منذ عقدين من الزمن، بات اليوم، ونحن في الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين، واقعًا، وإن مسار البشرية قد توجه نحو مرحلة جديدة، بعد أكثر من قرنين على انطلاق الثورة الصناعية التي تمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ علاقة الإنسان بمحيطه، والتي تزايد من بعدها عدد سكان العالم من مليار شخص إلى سبعة مليار.

بدأت مؤشرات هذا التحول في الدول المتقدمة تظهر، عبر رجحان كفة المصادر المتجددة للطاقة في الأعوام الأخيرة، وهي بداية للانتقال الطاقوي العالمي، وأدى ذلك إلى إمكانية عقد اتفاقات سياسية وتوقيع معاهدات المناخ، وسيؤدي ذلك مستقبلًا إلى الإفراج عن اختراعات متعلقة بإنتاج الطاقة المتجددة، وخفض تكلفة الخلايا الشمسية، وغير ذلك من الخطوات التي ستؤدي إلى حصول طفرة في استراتيجيات الطاقة في العقود القادمة، والتي سيكون لها تأثير مباشر على الأمن في العالم.

ختامًا، علينا التساؤل: ما دورُ حكومات الشرق الأوسط، في بناء هذه الاستراتيجية العالمية الجديدة، وهي منطقة تحتوي ثلثي احتياطي العالم من النفط، وثلث احتياطي الغاز تقريبًا؟ وما الآليات التي وُضِعت لدمج هذه المنطقة في مرحلة الانتقال البيئي والطاقوي، ومواجهة ما يتهدد شعوبها من مشكلات التصحر ونقص المياه والتغييرات الاقتصادية المستقبلية؟ ثمّ هل ستبقى صراعات الماضي والأيديولوجيات تغطي واقع الحياة، وتحتل المستقبل، مبتعدة به عن مسار تقدم الشعوب؟!