صفحات من تاريخ الديمقراطية المغدورة

1- مقدمة صغرى
كنهج حيوي ديناميكي، تفسح الديمقراطية المجالَ للنقد والتجريح والتعديل، وذلك لأنّ نجاح إقامة التجربة الديمقراطية وبلورتها وترسيخ قيمها، يرتبط بمدى توفيرها لمناخ الحرية للمواطن وقدرتها على إشراك المجتمع المدني والنخب الثقافية والمهنية، في المراقبة والمحاسبة، وصولًا إلى إمكانية تغيير النخبة الحاكمة؛ إذا ثبت فشلها أو أخلّت بشروط العقد الاجتماعي، أو إذا دبّ في أوصالها الفساد، ولم تعد مركز الإجماع الوطني ومجسدة للهوية الوطنية. لذا كان توفر الركائز القانونية والسياسية والأخلاقية، للحكم الرشيد القائم على الشفافية والمحاسبة ودورية الانتخابات ونزاهتها وتأمين المصالح والخدمات الحيوية للمجتمع ولمشروع التنمية الوطنية الشاملة، معيارًا حقيقيًا للسلطة الحاكمة، ولمدى مقدرتها على تحقيق التوازن بين قوة تأثير المجتمع المدني ودور السلطة السياسية، وصولًا إلى الاستقرار السياسي والمجتمعي، وهذا ما لم تُقدّمه لا المجتمعات العربية ولا السلطات الحاكمة إلا بأشكال جنينية مشوهة، أُقيمت في منطقتنا العربية، كتجارب شكلية في فترات متقطعة منذ القرن التاسع عشر، وحتى الآن لم تزل المنطقة تترنح في أنظمة الاستبداد وتداعياتها المدمّرة.
2- التجارب الديمقراطية الجنينية
حين كنا لم نزل تابعين للسلطنة العثمانية، ذهبت سلطات إسطنبول نحو الإصلاحات الدستورية في الدولة العثمانية عام 1878، عبر تأمين قدر من التمثيل النيابي في “مجلس المبعوثان”، ولكن الولايات العربية التابعة ظلت بعيدة جدًا عن روحية هذه التنظيمات، ولم يشترك إلا عربي واحد (عراقي) في لجنة إعداد الدستور الأول سنة 1876، على حين رأى معظم العرب في هذه الإصلاحات مشروعًا مريبًا لأوربة السلطنة ولتخليها الضمني عن شرعيتها الإسلامية، ولم يبد أي اعتراض يوم تخلّى السلطان عبد الحميد الثاني عن نهجه الدستوري، وعاد إلى تسلّطه واستبداده، على الرغم مما ألحقه بهم من مظالم، أما في مصر، فقد أقام الخديوي إسماعيل “مجلس للمندوبين” سنة 1866، ولكنه لم يفعل ذلك امتثالًا لرغبة شعبية، بل لأنه كان بحاجة إلى موافقة كبار الملاكين على جمع المزيد من الضرائب، بينما ظلّت عمليًا سلطته مطلقةً؛ لذا كان من الصعب أن يتذكّرها المصريون “إلا مرتبطة بالنظام الضريبي الذي كان علّة وجودها، وبسبب من تدخلات الدائنين الأوربيين الذين كانوا يدفعونه بفظاظة إلى اعتمادها”، كما يقول غسان سلامة، أما بعد الاستقلال فقد حدثت فترة ليبرالية ثانية، كانت قد بُنيت على قواعد دستور عام 1923، ولكن حزب (الوفد) الذي كان يفوز بالانتخابات في كل مرة “لم يتسلم الحكومة فعلًا إلا فترات متقطعة، لم تدم أكثر من ثماني سنوات من أصل ثلاثين سنة”، وبما يتناقض مع روحية الملكية الدستورية والنظام البرلماني المعلن، وكان واضحًا أن لا تأثير فعليًا للانتخابات ولا لنتائجها، على حكم الخديوي أو نفوذ الإنكليز، فاستهان المصريون بها، وانخرطوا في متابعة مسار الجيش والقوى السياسية المعارضة الصاعدة كـ (الإخوان المسلمين) البعيدة عن أي تبن للديمقراطية البرلمانية، بوصفها أكثر تماسًا مع مشاعرهم وثقافتهم، ولم يحزنوا كثيرًا يوم وضع عبد الناصر نهاية تلك التجربة الملتبسة”. وفي العراق استقدمت حكومة الاستقلال الأولى الوجهاء الذين كانوا قد شاركوا في التجارب الدستورية العثمانية المتقطّعة، ليكتبوا دستورًا وقانونًا انتخابيًا، وجرت فعلًا 16 دورة انتخابية خلال الـ 33 عامًا من الحكم الملكي، ولكن اشتراط بريطانيا فرض معاهدة دفاعية على العراق، ذات وزن يفوق قوة الدستور وتلاعب وجهاء المرحلة العثمانية وكبار الملاكين بنتائج الانتخابات بالتواطؤ مع القصر، وشراء النخبة الحاكمة للنواب بما يعزز مصالحهم ماليًا وعقاريًا، كلها شكلت قطيعة بين العراقيين والتجربة الديمقراطية؛ ما سهل على دبابات عبد الكريم قاسم أن تطيح الحكم الملكي والتجربة البرلمانية المشوهة التي واكبته من 1925 إلى 1958.
أما في سورية، فقد انتهت سلسلة الانقلابات التي افتتحها حسني الزعيم عام1949 باستقالة الشيشكلي في 25/ 2/ 1954 مع حكومته المؤلفة من كبار الإقطاعيين والرأسماليين، فأعادت النخبة الليبرالية الحاكمة التجربة الديمقراطية التي غدر بها انقلابه المذكور، لتشهد سورية بين 1954 و1958 التجربة الديمقراطية الأفضل في محيطها العربي، وربما الآسيوي آنذاك، فما إن قامت الوحدة المصرية السورية 1958 حتى تناست الحشود الجماهيرية الشعبوية الواسعة مسألة الديمقراطية والحريات، وهزجت مع الوحدة وخلف شعاراتها التحررية، بينما انكفأت عن هذه الوحدة النخب البرجوازية والواجهات الاجتماعية المدنية ولا سيما في دمشق، وحين سقطت تجربة الوحدة عام 1962، لم تنجح حكومة الانفصال، ببنيتها البرجوازية المدنية التقليدية في استعادة الدولة الدستورية، على الرغم من زجّها بأسماء ذات تاريخ وطني معروف، كخالد العظم وناظم القدسي وغيرهما، بل ظلت سلطة معزولة جماهيريًا ودولة ضعيفة؛ ما سهّل على مجموعة من ضباط بعثيين وناصريين، استغلال هذه العزلة وهذا الضعف، والانقضاض عليها في 8 آذار/ مارس 1963، قبل أن تتمكن من تثبيت دعائم تلك التجربة، والوصول إلى الاستقرار السياسي المطلوب، أو استعادة التجربة الديمقراطية الرائدة 1954 و1958، فكيف حدث ذلك؟
في عام 1954 وفرت حكومة سعيد الغزي التي أعقبت خروج الشيشكلي من البلاد مناخًا غير مسبوق من الحياد والنزاهة لإجراء الانتخابات النيابية، فاتسعت الأجواء إلى قيام تحالفات ومنافسات وصراعات سياسية داخلية حقيقية، عكست بشكل جليّ موازين القوى السياسية والاجتماعية، التي أعقبت الصراع مع الديكتاتوريات والإدارات الفاسدة السابقة، حيث برز بشكل أكبر إلى جانب الحزبين التقليديين (الوطني، وحزب الشعب) قوى شعبية تقدمية ناهضة، تمثلت بحزب البعث والحزب الشيوعي السوري، وشخصيات وطنية مستقلة أبرزها خالد العظم، وذلك بعد أن تصاعد دور هذه القوى وتضاعف وزنها في معركتها مع ديكتاتورية الشيشكلي، وما لاقته من دعم ومساندة من قيادات عسكرية وطنية، بعد أن أخذت دورها الأكبر نتيجة للتغيرات الأخيرة، وعبّرت عن التزامها بالحركة الشعبية والنهج الوطني المستقل؛ فاستطاعت هذه القوى مجتمعة التصدي للضغوط الخارجية الكبيرة ومحاولة تأثيرها على نتائج الانتخابات أو إفشالها، سواء تلك المحاولات القادمة من جهة العراق ومن خلفه بريطانيا، التي لم تتخل عن محاولات بسط نفوذها في المنطقة العربية عبر مشروع (حلف بغداد)، وبالاعتماد على بعض القادة العسكريين السوريين والسياسيين التقليديين، أو تلك الضغوط الأميركية المتصاعدة بسبب تخوّفها من ضياع سورية وذهابها، إلى خصمها الاتحاد السوفيتي في ظلّ الثنائية القطبية للحرب الباردة، فلقد أقدمت الحكومة الأميركية على الاتصال برئيس الحكومة سعيد الغزي، في هذا الشأن وطلبت منه الوقوف في وجه المرشحين الشيوعيين، وفق ما نشرته صحيفة (الرأي العام) في 7/ 9/ 1954 التي جاء فيها: “إنّ السفير الأميركي استوضح من حكومة الغزي عما إذا كانت هناك تدابير خاصة، يمكن اتخاذها ضد مرشحي الحزب الشيوعي، فكان جوابه إنّ قانون الانتخابات قد كفل تكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين”، ولكن هذا الواقع الصحي لم يستطع أن يمنع التدخل المصري في انتخابات رئاسة الجمهورية في البرلمان المنتخب فيما بعد، والذي أدى إلى فوز شكري القوتلي في معركة الرئاسة، وهو العائد من منفاه في مصر منذ أقاله الشيشكلي من رئاسة الجمهورية بانقلابه عليه، وظلّ فيها حتى بداية التحضير للجولة الانتخابية الجديدة، حيث دخل إلى سورية بوساطة وضغوط مصرية، في ظل رفض سوري سياسي عام لعودته إلى البلاد، ورفض أكبر لمحاولة ترشحه لرئاسة الجمهورية، ولقد استهجنت الصحافة والقوى والشخصيات الوطنية مظاهر الاستقبال الاحتفالي له في المطار، من قبل رئيس الأركان شوكت شقير على رأس وفد عسكري وقابلته باستنكار شديد، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عمل شوكت شقير بالتنسيق مع مصر وسياسيين آخرين بشكل تآمري، لإعادة ترشحه وفوزه بالرئاسة، وخسارة خالد العظم المرشح الأكثر حظوة وشعبية حينذاك، بينما كان شكري القوتلي يواجه معارضة كبيرة، وذلك لتحميله مسؤولية نكبة 48 مع الحكام العرب ومسؤوليته عن قمع التظاهرات الشعبية التي عمت البلاد، والتي قادته إلى إعلان الأحكام العرفية وتكليف الجيش بحفظ الأمن وإطلاق يد حسني الزعيم قائد الجيش ونائب الحاكم العرفي بقمعها؛ ما مهد إلى تقوية نفوذ الجيش لأول مرة سياسيًا، وتهميش السياسة والمجتمع المدني وقيام الشيشكلي بانقلابه، إضافة إلى بعض ما راج من تهم، تشير إلى علاقته الملتبسة مع الحركة السلفية (الجمعية الغراء) التي اتهمت باغتيال الدكتور المعارض والوطني الكبير عبد الرحمن الشهبندر 1940 والتي راحت تتجاوز على القوانين والأنظمة، وتهدد السياسيين وتقتحم وتتسلح، كل ذلك في عهد رئاسته الأولى 1943 التي نجح بتمديدها في 1947 وقطعها انقلاب الشيشكلي عليه.
شهدت دمشق أجواء معركة انتخابية حقيقية حامية، تنافست فيها مجموعة من القوائم والكتل ومرشحين مستقلين، فإذا نظرنا إلى قائمة المرشحين التالية عن دمشق حينذاك؛ أدركنا سعة هذا التمثيل وحدة التنافس وسلامة أجوائه:
الحزب الوطني: صبري العسلي، عفيف الصلح، بشير القضماني، ظافر القاسمي، سهيل الخوري. أنطوان شلهوب، والدكتور حقي.
حزب الشعب: علي بوظو، رشاد جبري.
كتلة خالد العظم: خالد العظم، سامي كبارة، نوري الحكيم، جورج شلهوب، وديع صيداوي.
حزب البعث: صلاح البيطار، رياض المالكي، عبد الرحمن المارديني.
التعاون الاشتراكي: فيصل العسلي، سيف الدين مأمون، ومنير الريس.
المستقلون: سيد حيدر، حسن الحكيم، نوري إبش، محمد آقبين، منير العجلاني، محمد المبارك، مأمون الكزبري، خالد بكداش، صبري العسلي، حبيب الكحالة، وآخرون.
وقد كان الفوز الكبير والفارق الهائل بعدد الأصوات، بين كل من خالد العظم وخالد بكداش مع الآخرين مؤشرًا كبير الدلالة على التغيّر الذي طرأ على المزاج والموقف الشعبي في دمشق وفي سورية كلها، حيث بلغ عدد الذين استقطبتهم كتلة خالد العظم والمتعاونين معه ثمانين نائبًا في الجولة الثانية، وما إن برزت نتائج هذا التقدم الكبير للتيار التقدمي، وما لاقاه من فوز كاسح لأكرم الحوراني في حماة أيضًا؛ حتى استنفرت القوى الداخلية والخارجية المعارضة لهذا الفوز، وراحت تضغط على أصحاب المواقف الوسطية، فضمنت انفضاض حوالي نصفهم عن كتلته.
3- تداعيات إعلان الوحدة السورية المصرية 22 شباط/ فبراير 1958
لقد عُدّت تلك السنوات الأربع التي سبقت إعلان الوحدة، عن حقّ، من أخصب الفترات السياسية وأكثرها حيوية في سورية وفي عموم المنطقة العربية، وعلى ضوء هذا النموذج المميز للديمقراطية الوليدة، باتت القوى السياسية والتقدمية تحديدًا، بما تملكه من قوى وحشود شعبية على طول البلاد وعرضها قادرة على فرض إرادتها وإحكام حصارها على بيروقراطية السلطة المتحكمة، حتى ضاقت ذرعًا بها، وبما تستند إليه من قاعدة اجتماعية كاسحة، وأمام ضعف يد السلطة وحصارها، واستمرار الضغوط والتدخلات الخارجية ولا سيما الأميركية منها، يمكننا أن نبحث عن سبب اتجاه شكري القوتلي إلى الموافقة على اقتراح طلب الوحدة مع مصر، والظروف التي أدت بجمال عبد الناصر إلى القبول المفاجئ بالوحدة الاندماجية، بعد أن رفضها في البداية بقوة، مقدرًا حسب تصريحاته السابقة، إنّ أي اتحاد يحتاج إلى ما لا يقلّ عن خمس سنوات من التحضير قبل إعلانه، وهذا ما يؤكده خالد العظم، بقوله: “إنّ النتيجة التي توصلت إليها من مباحثاتي مع الرئيس عبد الناصر وجماعته 1955 هي أنهم كانوا بعيدين عن فكر الوحدة أو الاتحاد الفيدرالي أو عن أي فكرة تربط مصر وسورية برباط وثيق” ثمّ ينقل عن رئيس الوزراء صبري العسلي، أنّ عبد الناصر قال له: “إنّ الشعب المصري لا يزال بعيدًا عن تقبّل الاتحاد أو الوحدة، وإن من الخير تمهيد السبيل بعقد اتفاقات عسكرية أو ثقافية أو قضائية أو اقتصادية من شأنها، أن تقرّب بين البلدين في هذه النواحي، حتى إذا سارت الأمور تدرجًا نحو التقارب؛ عمد البلدَان إلى درس الإمكانات”.
كما نقل محمود رياض محاذير وتخوفات عبد الناصر منها “لن يرضى الشرق ولا الغرب عنها”، بل ستتعاظم المؤامرات ضدها، وفي الاجتماع الثلاثي بين عبد الناصر والملك سعود العائد من واشنطن برسالة من الرئيس الأميركي (أيزنهاور) إلى عبد الناصر وقد انضمّ إليهما شكري القوتلي “لم يأت بحث الاتحاد على لسان أيّ من المندوبين، سواء في الاجتماعات الرسمية أو الأحاديث الخاصة وراء الكواليس”، وفي بداية كانون الثاني/ يناير 1958 أبلغ حافظ إسماعيل مبعوث عبد الناصر إلى المجلس العسكري السوري أنه “يجب العمل على تذليل الصعوبات الكبيرة في طريقها”، وفي تصريح عبد الناصر إلى صحيفة (الشعب الكويتية) قال: “إنّ الإجراءات المتعلقة بتحقيق الاتحاد بين سورية ومصر، تتخذ صورتها النهائية، وقد كان رأيي أن ندخل الاتحاد على مراحل، كالوحدة العسكرية والوحدة الثقافية، وقد قطعت هذه المراحل شوطًا بعيدًا، واتخذت شكلها الإيجابي، عندما أرسلت مصر قواتها العسكرية إلى ميناء اللاذقية في 13/ 10/ 1957 أمام أعين وتحركات الأسطول السادس الأميركي”.
ثمّ كانت المفاجأة في مطلع كانون الثاني/ يناير 1958 حين استدعى عبد الناصر ملحقه العسكري في سورية (عبد المحسن أبو النور) وحمّله تبليغه إلى المجلس العسكري السوري بقبوله بوحدة اندماجية، تؤدي إلى الاستقرار السياسي، فوضع المجلس مذكرة تضمنت ثمانية بنود أساسية، متجاوزين على رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه صبري العسلي، وهي:
– دستور واحد يعلن إنشاء الجمهورية العربية المتحدة، ويرسم نظام الحكم فيها، ويفسح مجال الانضمام لبقية الشعوب العربية.
– سلطة تشريعية واحدة.
– سلطة تنفيذية واحدة.
– سلطة قضائية واحدة.
– علم واحد وعاصمة واحدة.
– توحيد القوانين المنظمة لحقوق المواطنين وواجباتهم في الدولة الجديدة.
– الدستور الواحد.
– الوحدة الدفاعية برئاسة رئيس الجمهورية.
ثمّ أبلغ عبد الناصر الرئيس شكري القوتلي. بعد الاجتماع مع عبد الناصر، استقرّ الوضع على شكل الوحدة، وقد أصرّ الوفد العسكري على الوحدة الاندماجية واستعدادهم للدفاع عنها، ووافق عبد الناصر على الوحدة الفورية، تقديرًا للوضع الخطير المحيط بها، وتلبية لرغبة الشعب السوري، مشترطًا:
– أن تترك قيادة الكتل لا سياسية الجيش كي لا يدخل الجيش في السياسة.
– أن توافق الأحزاب على أن تحلّ نفسها.
– أن يجري استفتاء شعبي في مصر وسورية على الوحدة.
ثمّ أعلنت الوحدة وفق هذه الشروط في 22 شباط/ فبراير 1958 على أساس (نظام رئاسي مركزي تناط كامل الصلاحيات الدستورية والسلطات الثلاث برئيس الجمهورية)، وهكذا تمّ القضاء على النظام الديمقراطي الأمثل في تاريخ سوريا كله!
وهنا لا بدّ من ذكر ملاحظتين: أولاهما تتعلق بتجاوز المجلس العسكري السوري برئاسة عفيف البزري رئيس الأركان آنذاك على صلاحيات الدولة ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس وزرائه، مما أعطى لاتفاقية الوحدة طابعًا عسكريًا، لم يلبث عبد الناصر من إنهاء صلاحياته وفرض على رؤساء الكتل الاستقالة من الجيش لإبعاد الجيش عن السياسة. والملاحظة الثانية، تتعلق بما ذهب إليه كثير من السياسيين السوريين، على رأسهم (أكرم الحوراني وخالد العظم) من وجود أدلة قاطعة، على أنّ الأميركيين هم الذين شجعوا عبد الناصر على قبول الوحدة، وذلك للتخلص من الديمقراطية السورية التي عجزوا بمؤامراتهم المتكررة عن تصفيتها، وهذا لا يتعارض مع إلحاح المجلس العسكري السوري وموافقة شكري القوتلي ورئيس وزرائه اللاحقتين على اتفاقية الوحدة واستعدادهم لحمايتها ومبايعتهم لرئيسها، المتألق على امتداد الساحة العربية بعد قراره الشجاع بتأميم قناة السويس، ومواجهة العدوان الثلاثي وتوجهاته العربية التحررية اللافتة!
4- مآل التجربة الديمقراطية الليبرالية
من خلال قراءة موضوعية لتلك التجارب الديمقراطية الجنينية المبكرة ولرموزها، نخلص إلى أنّ هذه التجارب قد تشابهت في الفصل بين الآلية الانتخابية وحاضنها الليبرالي أو ضعفه، ورغم التميز النسبي للتجربة السورية 1954 – 1958، فقد تساوت جميعها، بأنها ديمقراطية “أسسها الوجهاء ثمّ قوّضها العسكر”، وقد كانت ثمرة لاعتماد النخب القليلة العدد من وجهاء المدن، حين وجدت في آليات تطبيقها سبيلًا “لإشراكها الدوني في السلطة والاستفادة من فتات موائدها”، بينما ظلت علاقتها بها (الديمقراطية) كنظام سياسي متكامل في أحسن الأحوال متذبذبة وملتبسة وشكلية، تتشبه ببعض ما عرفوه في الغرب، لذلك غالبًا ما اقتصرت ممارسة فعالياتها على المواسم الانتخابية، من دون أن تبني لها مؤسسات ديمقراطية، تنبثق من الشرعية الدستورية وتعود إليها، وتوقّفت عند حدّ ما أهّل رموزها من قطف ثمارها أو الاستئثار بها، لذا لم يتسن لها أن تتحوّل إلى ثقافة مجتمعية، تفرض نفسها كحلول خلّاقة في مسار التطوّر الطبيعي لمجتمعاتها، ولم تعمم خيراتها وتراكم ثقافتها، ولا سيّما في ظلّ أمية سياسية واسعة في أوساط المجتمع الأهلي التقليدي الذي سار خلف هذه الرموز الليبرالية ودعم حملاتها الانتخابية، من دون أن يغدو جزءًا مكونًا من بنية الحياة المدنية السياسة؛ ما يفسر سبب الاستخفاف الجماهيري بها، وإدارة ظهره لها من دون أن تشعر تلك الفئات الشعبية الواسعة، بأنها افتقدت شيئًا من حقوقها، لتسير في حشود شعبوية كبيرة، ألهبها حماسها للوحدة وشعاراتها الكبرى ورئيسها (الأسطوري) عبد الناصر، في عوام المدن والأرياف، وهي الحشود التي ستجدد تنكّرها لميراث الديمقراطية، بعد تجربة الوحدة لتسير خلف شعارات البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية، بينما انكفأت عنها النخب البرجوازية المدنية ولازمتها الحسرة والحنين إلى الليبرالية المغدورة، وقد عبّر كثير من رموزها عن تخوّفهم من هيمنة العسكر الريفي وأبناء الريف عامة على مقدرات البلاد، وزادت من تنكرها وأزمتها تلك القرارات المبكرة والارتجالية في التأميم والإصلاح الزراعي الكارثيين، مما دفع بالكثير من رؤوس الأموال إلى المغادرة والهرب بعيدًا، إضافة إلى ما جرّت هذه الإجراءات المتعسفة من انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني ومشاريع التنمية ورأس المال الذي كان في طريقه إلى التراكم والتطوّر والتنمية، وهذا ما لم تفهمه السلطات الانقلابية، ولم يشعر به أبناء الريف والفئات الشعبية الصاعدة التي ظلت خارج فهم آليات السوق تمامًا، فانساقت خلف سلطة العسكر بغلافها الأيديولوجي البعثي القومي معتقدة أنها السلطة التي قد حررتها من تابعيتها للنخبة البرجوازية وكبار الملاك، وفتحت أمامها المجال للترقي الاجتماعي واحتلال الوظائف والمواقع في نظام الحزب الواحد، على حين تعمقت القطيعة بين هؤلاء القوميين الكلاسيكيين وأنصار الإسلام السياسي الذي اشتدّ ساعده، بعد نجاح ثورة إيران بإقصاء القوى الليبرالية والتقدمية وهيمنة قوى التشدد الديني المذهبي، وبرز في مصر بعد اغتيال السادات 1981 وفي سورية في حركة ما سمي بـ (الطليعة المقاتلة).
لقد بدا لهذه النخب العسكرية القومجية والملكية على حد سواء، أنّ المشاركةَ السياسية ونقد الاستبداد، المعزز بالشرعية الثورية وحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية، نوعٌ من الترف السياسي، بينما الأولية المطلقة يجب أن تتمركز على التصدي للاحتلال الإسرائيلي ومؤامرات الاستعمار، تلك المهمة التي حصرتها أنظمة البعث في يدها، وأبعدت وخونت ما عداها، حتى إذا كانت هزيمتها المذلة في حرب حزيران/ يونيو 1967 أخرجت بالإيحاء من الحليف السوفييتي الحريص على أنظمتها مقولتها (التراكوميدية): “خسرنا الحرب، ولكنّ الأنظمة التقدمية لم تسقط”. وكان من سخرية القدر والتاريخ، أن يعاد تدوير حافظ الأسد المسؤول العسكري عن تسليم الجولان قبل ثلاثة أيام من سقوطها الفعلي؛ ليصبح رئيسًا للجمهورية في انقلابه على زملائه 1970. وتحت شعار التحرير، وبالتوافق مع مشروع (روجز) لإزالة آثار العدوان.
5– في الخاتمة
منذ انقلابه 1963، دشن البعث عملية زحف سياسي شعبوي ريفي المنشأ، عماده تشكيلة طوائفية غير سنية، حظيت الطائفة العلوية بالحد الأعظم منها، بينما تراجع التواجد المديني السني بشكل عام، وقد تدعمت هذه الشعبوية السياسية بأعداد كبيرة من الضباط والقوى الأمنية، مع الترجيح الدائم لأبناء الطائفة العلوية؛ ما أثار حفيظة القوى المدنية السنية من أبناء الشرائح الوسطى، فتحركت المواجهات الأولى بين مروان حديد وأتباعه 1963 – 1964 وسلطات البعث، كانت مدينة حماة بؤرتها الأهم والغارم الأكبر فيها، ثمّ تعددت المواجهات والتصفيات الداخلية في صفوف السلطة البعثية، وظلت الشعبوية الريفية مواظبةً على السير خلف أنظمة العسكر ونظام الحزب الواحد، وقد بدا أنّ هذه القوى الزاحفة خلف البعث والمتحالفة معه، بطابعها الريفي الشعبوي والطائفي (الأقلوي) لم تكن مهيّأة لا فكريًا ولا تنظيميًا، ولم يكن في حساب مصالحها المباشرة أصلًا، أن تكشف الغطاء عن خواء الشعارات ووهن السلطة، كما لم تكن للقوى السياسية الديمقراطية بشعارتها المتطرفة، العابرة للطوائف وللإثنيات بنية تنظيمية، على درجة من القوة والتماسك الداخلي، تؤهلها لمواجهة تسلط البعث وتفرده بالسلطة، أما كل المحاولات الانقلابية التي فشلت أو نجحت، فقد كانت من طبيعة البعث وبنيته العسكرية الفئوية والحزبية نفسها؛ ما وسم عملية تبدّل النخبة الحاكمة بعملية تغيير قشرتها الخارجية، مع الحفاظ على جوهرها الاستبدادي، وكان طبيعيًا لهذه البنية الملفقة أن ينخرها سوس الفساد وداء الاستبداد محمولين على الحامل الاجتماعي الأهلي نفسه، ببنيته التقليدية التي لمّا تقطع بعدُ مع علاقات مجتمع ما قبل الدولة، بينما ذهبت السلطات إلى اعتبارها إحدى أهم ركائز سلطتها، فلعبت لعبتها الماكرة واخترقتها طوائفيًا، مجتمعة وكلًا على حدة، وسياسيًا من خلال ما سمي “الجبهة الوطنية التقدمية” الانتهازية المارقة؛ ما يسّر لحافظ الأسد أن يدشن انتصارًا كليًا لمؤسسته الأمنية والعسكرية على المجتمع السوري، وبالاستفادة الكاملة من الظروف التي وفرها الصراع الدموي مع الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، والذي جيّره الأسد لصالح النواة الطائفية المتجذرة في سلطته، ولتشديد قبضته الأمنية وإلغاء ما تبقّى من حياة سياسية ونقابية ومدنية؛ ما أشعر الجميع بالعجز عن المواجهة، وهيمنت حالة من الركود والسكون المجتمعي القطيعي، وتهيئت الأجواء للتوريث وحكم العائلة!
صحيح أن بعض القوى والنخب السياسية والفكرية، منذ السبعينيات، كانت قد تنبهت إلى خطورة غياب الديمقراطية ومدى تأثيره في إضعاف المشروع الوطني التنموي الشامل والمتكامل، ولكن ضعف هذه القوى والنخب الفكرية وتضييق وملاحقة الأجهزة الأمنية، ساهما في عزلها وقلة تأثيرها، وحين زجّ النظام طلائعها في سجونه، لم تجد أي قوى سياسية ولا اجتماعية تدافع عنها، أمام سطوة أيديولوجية البعث القومجية وسلطته الأمنية القائمة على الدفع بأولوية تحرير الأرض والمعركة مع الخارج وثانوية الداخل، للتغطية على فساد السلطة السياسية واستبدادها، ولكنّ مساحة البحث والاهتمام في قضايا الديمقراطية لم تتسع، لتغدو محورًا لمناقشات وحوارات في السياسة والفكر، بل ظلت في برامج معظم الأحزاب خطوة خجولة أو مداورة، ولم ترتقِ لتصبح هدفًا استراتيجيًا، بل ظلت تطرح كوسيلة داعمة للمعركة مع الصهيونية والإمبريالية والرجعية المحلية، واللافت أنّ معظم هذه الطروحات الخجولة للديمقراطية قد تعايشت بشكل غرائبي مع مقولات السلطات العسكرية ذات الشرعية الثورية والقوانين الاستثنائية، ففي مفارقة فاقعة أن خالد بكداش الذي رفض حل الحزب الشيوعي بطلب من حكومة الوحدة عام 1958 حرصًا على الحياة الحزبية، هو الذي وقع بيان “الجبهة الوطنية التقدمية” التي لجمت القوى المنخرطة في صفوفها، وامتدّ تأثيرها السلبي إلى قوى المعارضة كلها، كما وافق على المادة الثامنة من دستور 73 التي كرست قانونيًا الاستبداد البعثي لأجيال لاحقة (البعث قائد الدولة والمجتمع)، وعلى منع العمل في أهم مؤسستين احتكرهما البعث (الجيش والطلبة) وهو نفسه الذي قال في الثمانينيات: “لو انطلقنا من الوضع الداخلي؛ لكنا في المعارضة” ليتضح لنا الآن، كم كانت مواقف تلك الأحزاب المنخرطة في جبهة خلف البعث انتهازية، وكم باعت نضالاتها وعنفوانها لقائد فرد، أسر الجميع في قوانينه، بما فيها حزب البعث نفسه، ولقد تعمقت تدريجيًا القطيعة، بين معسكر القوميين السلطويين الكلاسيكيين وبين الإسلاميين المتنامين صعدًا منذ الثمانينيات، ونجحت السلطات المحلية والأحزاب القومية والتيارات الإسلامية، على الرغم من كل ما كان يفرّقها، في اعتبار كل دعوة إلى مسألة المشاركة السياسية ترفًا فكريًا، أو سابقةً لأوانها أو حتى مجرد إيحاء خارجي. فهل فعلًا: “أنّ شيئًا ما عميق الجذور في ثقافتنا وفي تكويناتنا الأنثروبولوجية سهّل هذا النجاح”، كما يرى غسان سلامة، وأنّ علينا كشف هذه العوامل الموروثة وإعادة بناء مشروعنا الديمقراطي من جديد!