أعظم ضحكاتنا تُظهر شرّ بلايانا

داخل بلدان غلّفها الخوف، وانتصب فيها الصراع بتدرّجاته المختلفة وتعدّد هوّياته؛ يتدافع اليأس، وتكثر المآسي في حياة الأفراد والجماعات. وبين كثرة المآسي، هناك من يختار طريقًا آخر يكافح الأحزان بالضحك منها وعليها، بنكتةٍ سريعة الحضور تكثّف مفرداتها الساخرة الواقعَ وارتباكاته، وتجعل الابتسامات غريزةً دفاعية عن الوجود والبقاء، وكأنها إعادة تأهيل لتقبّل الواقع وردم لحظات التعاسة. وللنكتة قدرتها الفريدة في التغلّب على كافة حدود الرقابة الذاتية والسلطوية، وتجاوز المحرّمات بكافة تبريراتها وتجلّياتها لانتزاع الضحكة، في أقسى الظروف.

مهما اختلفت سياقات حياة البشر من عصر إلى آخر ومن منطقة لأخرى، واختلف معها سياق النكتة؛ فإن النكتة تبقى -بكافة اختلافاتها- قاسمًا مشتركًا، وخطابًا اجتماعيًا يجمع البشر، يلغي فروقات ألوانهم وتفاصيلهم ومشاربهم، داخل مملكة الضحك الذي ولّدته الحاجة الاجتماعية؛ ليصير سلاحًا للشعوب ضدّ ما تعيشه من مكبوتات، ينسج مفرداته من كافة الأوضاع التي يعيشها الأفراد والمجتمعات من ضيق وقهر وفقر، ويلاحق بسهامه الأحداث بكافة تجلياتها، ويتجاوز الكوارث الطبيعية والنكبات والحروب، ويتهكّم على المحرمات الدينية ورجال الدين (سكّير سأل الشيخ: وين رايح شيخي.. والله رايح حلّل بول.. معقول يا شيخي تحلّل البول وتحرّم الخمر؟)، ويطال التهكّمُ رجالَ السياسية وعموم الناس، وقد ينال البعض قدرًا أكبر من الضحك نتيجة صفات محدّدة كالبخلاء، أو موروث اجتماعي يبرز مقدار التناقض بين الرغبة والمحرّم، كالنساء: (وحدة قالت لزوجها: يا ريتني تزوجت شيطان وما تزوجتك.. ردّ عليها: ما بيصير الأخ يتزوج أختو)، ويسخر من الأحكام الجائرة للسلطات مسقطًا قدسيتهم، حتى أشدّها تعسّفًا لم تسلم من تحايل العقل الجمعي للبسطاء، باختراع نُكتٍ سياسية تطال سلطويتها وتسخر من قراراتها، في عالم تتداخل فيه السياسة ولعبة الكلمات التي لا يمكن إيقافها أو إخماد انتقاداتها (سوري قالولو إحكي اللي بدك إياه عن الديمقراطية، بلّش يحكي: وين حرية الرأي؟ وين المساواة؟ وين مصاري الشعب؟.. وين آخذينّي؟ وين أنا؟).

في سورية، شكّلت النكتة استراتيجية بديلة ونوعًا من أنواع التعبير عن اللاشعور، وعن الأفكار غير المعلنة القادرة على معارضة السلطة؛ فطالت النكتة السلسلةَ الحاكمة، من أعلى هرمها الرئاسي في “الأب والابن”، إلى تشكيلتهما الحكومية، في “عبد الرؤوف الكسم” و”عماد خميس” وغيرهما، لتصل إلى أسفل فروعها من وزراء وموظفين ومجنّدين، وتناقلتها الأفواه لتدخل من بيت إلى آخر، بلا تفريق بين “موال ومعارض”. هذه “الصيغة” التي تحكّمت بالسوريين بعد الثورة، قسمت فضاء الضحكة إلى شقين نسبيًا، فهي لم تردم أطياف الابتسام لموالٍ أو لمعارض على نكات تطال القيادات “الحكيمة” وأوامرها، لكلا الطرفين أو الأطراف جميعًا، واستطاعت بأثرها جمع ما صار يصعب جمعه إلا على مضض، فالنكتة بخفة أثرها أبقت على أصول السخرية المعتمدة في ابتعادها عن المفاهيم السياسية التقليدية وعدم امتلاكها طريقًا للتغيير أو حلولًا للمشكلات، وأن لا أحد فوق النقد، فالجميع دوائر حمراء لسهام السخرية الدائمة الحضور بمخزونها الثقافي العميق، ومن ذلك: (سمع شخص أنو رامي مخلوف رح يوزّع أمواله على الجمعيات الخيرية: فسأله وماذا ستترك لعائلتك؟ ردّ رامي مخلوف: تركت لهم: الله.. سورية.. بشار وبس).

لم تغب النكتة عن واقع السوريين، بقيت كصيغة خفيفة لابتكار الفرح وعلاج أصيل للتوازن النفسي الفردي، واستعادة التوازن المفقود بين المجتمع وبين القوى الظالمة المحيطة به، فكان للانشقاقات -منذ بداية الأحداث- حيّزٌ كبيرٌ من النكات؛ وتحوّل قَسَمُ رئيس الحكومة أمام الرئيس إلى نكتةٍ ساخرة من المقام والمقال: (أقسم بالله ألا أنشقّ وأن أبقى طرطورًا، كما عهدتني)، ومع ازدياد أهوال الأحداث؛ استبدلت النكتة كوميديا الخيال، بكوميديا سوداء واقعية تنغمس في اليوميات والضرورات الحياتية الملحّة (ويسأل الشعب عن سبب تشكيل وزارات لقطع الكهرباء والماء)، وخاطبت المواقف الأكثر رعبًا والأشدّ يأسًا، من البراميل إلى الموت فرادى وزرافات، وصولًا إلى شيوخ الفتنة وحوريات الجنة وأبواب الله المفتوحة للأموات، كقولهم: (انتحاري وصل عالجنّة، وصار يسأل عن الحوريات.. قالوا له وقف بالدور، سأل واحد.. أخوي الدور طويل.. جاوبه أنا بالدور من غزوة أُحد).

ساهم انتشار الإنترنيت في اتساع الجمهور وتزايد حضور الأحداث الهزلية، وتركّزت حالة ابتكار العبث للاستهزاء بالحياة والمواقف، في كوميديا سوداء تغزل الابتسامات الساكنة في معظم صفحات (فيسبوك) الساخرة، وتغريدات (تويتر)، وصور الكاريكاتير التي احتضنت بلا حواجز مواقع للنكت ومواضيعها المختلفة، لتعطي الناسَ إمكانيةَ الانعتاق من رجم المحرّمات، وإسقاط الحدود التي ترسمها الممنوعات السياسية والدينية والجنسية، وتفتح جناح الابتسامة مع التعبير عن الآراء السياسية، فلكل طرف من الأطراف في سورية حصة من السخرية، متجاوزة رقابة النظام وأجهزته الأمنية، ومتناولة تحليلات بعض المعارضين وحرصهم على مناصبهم، وأرباحهم من “تجارة السياسة”، كصيغة خفية للدفاع عن مشروع معارضة لا يمتّ بصلة إلى الموجود، وقد اشتهرت العديد من الصفحات التي تنتقد الواقع الاجتماعي كـ (الساخر السوري، ونهفات سورية، يوميات طالب سوري)، لتولد من رحم المعاناة بسمة، وتزايدت الصفحات التي تعدّ نفسها موالية لسورية، ومعارضة لكل ما أدّى وسيؤدّي إلى دمار سورية والسوريين، مثل (برازر دعشوك، وحاجز مشترك 18+) التي تنتقد الجميع، بلا تخوين وطائفية وتكفير ديني أو سياسي. واشتهرت مع بداية الثورة العديد من الصفحات المعارضة كصفحة “الثورة الصينية ضد طاغية الصين” (ثورتنا ثورة صينية لا هندية ولا كورية) التي لا ترحب بـ (شبّيحة – مؤيّدين – رماديين – الله يطفيا بنورو..) فهي -كما تقول- لا تملك حلًا وسطًا مع النظام، وصفحة “سيادتو” (لن تنجحوا في تحطيم قدسية سيادته.. سيادته منزّه عن كل نقد) التي ترصد ما يتمّ تداوله من أخبار مرتبطة بالنظام السوري، في وسائل الإعلام، لتقدمه بطريقتها الخاصة، وتقدم كما تقول (تغطية حصرية للثورة التي يقوم بها السيد الرئيس للإطاحة بالشعب السوري…)، أما صفحة “الشوئسمو” (الكل يسأل ما هو الشوئسمو؟ الشوئسمو نمط حياة خاص بنا نحن الشوئسمن) التي تتناول كافة الأخبار الخاصة بسورية والسوريين معارضة ومولاة، فالأمور في هذه الصفحة ليست شخصية، حيث إنهم “يشئسمون” الجميع، وغيرها من الصفحات التي تلاقي رواجًا وانتشارًا، ولها أعداد كبيرة من المتابعين حتى اليوم. ومن جهة أخرى اختفت الكثير من الصفحات من موقع (فيسبوك) مع اختفاء أصحابها، إما بسبب الاعتقال والموت بالقصف العشوائي وانقطاع الإنترنت والكهرباء، أو بسبب اليأس الذي أنشب أظفاره في الواقع السوري ليمنع أطياف الابتسام.

واقعنا -مهما سمّمه اليأس- يُبقي لنا فسحةَ أملٍ صغيرة، ومهما تكاثرت مآسينا فلن تَحول دون مَن يُخرِج من رحم الأسى ابتسامةً، ويحوّل الواقع بكافة تفاصيله إلى ألوان من السخرية والنكات، كمعادل مكافئ لجوع حقيقي للحظات فرح، فالسخرية صارت الوسيلة القادرة على قهر القهر بالضحك منه، حتى لو كانت أعظم ضحكاتنا تُظهر شر بلايانا.