عن أي انتصار يتحدثون؟

عن أي “انتصار” يتحدث النظام السوري، والبلاد محتلة ومدمرة، وسط مئات الآلاف من القتلى، ومثلهم من المفقودين وملايين المهجرين والنازحين! هل سأل النظام السوري نفسه، قبل أن يحتفي بذلك الانتصار المزّيف، كيف سيحكم البلاد في ظل هذه الأوضاع، مع تزايد واتساع نفوذ الاحتلالين الإيراني والروسي على الأراضي السورية؟ هل سيتقاسم معهم حكم سورية، وإلى أيّ مدًى يمكن أن يصل مع حلفائه في تقاسم  النفوذ والسيطرة في سورية؟

في الحقيقة، لا يمكن توقّع كيف سيتمكن النظام من إدارة سورية مستقبلًا، في ظل هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات، وكلّ ما يمكن توقعه هو أن الوضع في سورية لن يعود كما كان سائدًا قبل العام 2011، فكل المؤشرات الحالية تدل على أن النظام لن يستطيع أن يحكم سورية ويديرها بمفرده، ومن المرجح أن يتشارك في الحكم مع جهات خارجية، دعمته بشكل مباشر وحالت دون سقوطه، أي روسيا وإيران تحديدًا، وهذا يفترض -حكمًا- استمرار الوجود العسكري الإيراني والروسي، هذا الوجود الذي لا يرى فيه النظام السوري حاليًا أي مشكلة، طالما أنه يؤمن له الاستمرار على كرسي الحكم، ولكنه مع مرور الوقت سيشكل تحديًا كبيرًا له.

إن تقاسم إدارة البلاد لن يكون التحدّي الوحيد أمام نظام الأسد، بل ستعترضه تحديات كثيرة، داخلية منها وخارجية، وهي ستظهر أمامه فور الانتهاء من القضاء على تنظيمي (داعش) و(النصرة) وحلفائهم، إذا تم ذلك فعلًا، فعلى الصعيد الداخلي ستبرز أمامه مسألة تعويض الطائفة العلوية عن الأثمان الباهظة التي دفعتها من دماء أبنائها، في ظل محدودية قدراته، ولا سيما المادية منها، على التعويض وإسكات أو إرضاء الأصوات التي بدأت ترتفع مطالبة بمكافأتها على التضحيات الكبيرة التي قدمتها في معركة النظام؟ وهناك أيضًا مشكلة الأكراد التي لن يكون التعامل معها سهلًا، في ظل ارتفاع منسوب طموحاتهم بعد سيطرتهم على ربع مساحة سورية، ومنافسة النظام في السيطرة على آبار النفط، وتعزيز تحالفهم مع أميركا التي تدعمهم بشكل مباشر، بعد أن أنشأت لها قواعد عسكرية في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد؟ كما لن تكون مسألة إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين مسألة سهلة أمام النظام، وإن كان -ظاهريًا- لا يُبدي أي اهتمام بها، لأنه يُدرك أن البدء بإعادة الإعمار سيفتح الباب أمام إمكانية عودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم، وهذا ما لا يرغب فيه نظام الأسد أبدًا، لأنه يرى في عودتهم ضربًا لمفهوم “التجانس” الذي طرحه الأسد مؤخرًا، في رؤيته الجديدة لما يجب أن تكون عليه سورية مستقبلًا؟

كذلك ستظهر أمام الأسد معضلة كبيرة، من شأنها أن تُساهم أيضًا في تحجيم نصره المزعوم، وهذه المعضلة تتمثل بوضع الطائفة السنّية التي تُمثّل -عدديًا- أكثر من سبعين بالمئة من سكان سورية، كيف سيتعامل معها بعد أن أعلن انتصاره على السنّة الذين سينظرون إلى النصر المعلن من قبل النظام وحلفائه الإيرانيين على أنه احتلال؟ ما قد يهدد بنشوب نزاعات طائفية جديدة، ربما قد تكون أشد وأقسى مما شهدته سورية.

في موضوع التحديات الخارجية التي تنتظر الأسد، تبرز هنا قضية اللاجئين السوريين في لبنان بشكل خاص، فحلفاء النظام، وفي مقدمهم ميشال عون وجماعته الذين يعملون بكل قوتهم على عودة اللاجئين السوريين إلى سورية، سيكتشفون أن من يُعطّل عودة اللاجئين هو حليفهم نظام الأسد، وهذا بدوره سيخلق مشكلات جديدة أمام النظام في خاصرته الرخوة.

كذلك التواجد التركي في بعض المناطق في شمال سورية ولا سيما في إدلب، والذي تم برعاية روسية وإيرانية رغمًا عن إرادة النظام، وكذلك التحركات الأردنية في الجنوب المدعومة أميركيًا، كلها أمور من شأنها أن تزيد من التحديات التي  تقف في وجه النظام.

وأخيرًا الموقف الإسرائيلي المتربص والمتحفز لضمان نصيب “إسرائيل”، بعد انتهاء المعارك في سورية، وأهمها منع أي امتداد للنفوذ الإيراني المتزايد داخل الأراضي السورية باتجاه حدودها في الجولان المحتل، بأي شكل من الأشكال، وهو تحد كبير أمام النظام السوري، لا يستطيع أن يتجاهله، فضلًا عن أنه لا يعرف كيف سيعالجه، فالثمن سيكون كبيرًا بلا شك.

كل هذه التحديات التي سبق ذكرها، ومما قد يظهر من مشكلات وتحديات أخرى في المستقبل، ستجعل خطابَ النصر الذي يروّج له النظام وحلفاؤه من الروس والإيرانيين، خطابًا بلا أي معنى، هذا على الأقل ما يؤكده واقع الحال الذي آلت إليه الأمور في سورية. فسورية اليوم أصبحت مدمرة من جميع النواحي البشرية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وفضلًا عن ذلك، فهي محاصرة أيضًا بملايين اللاجئين على حدودها، في لبنان وتركيا والأردن، وكذلك المنتشرين في دول العالم، يضاف إليهم ملايين النازحين في داخل سورية نفسها، كما تحاصرها الكلفة الباهظة التي ستفرضها إعادة بناء ما دمّرته الطائرات الروسية والسورية ومعها طيران التحالف، والتي يقدرها بعض الخبراء بما لا يقل عن 800 مليار دولار، والأخطر من كل ذلك تعدد الاحتلالات العسكرية للأراضي السورية، وفي مقدمها الاحتلال الروسي والإيراني، والأميركي والتركي، ولا يجب أن ننسى المحتل الإسرائيلي المتربص بأي حلّ يتعارض مع مصلحة “إسرائيل”.

هذا المشهد المُعقّد والمأسوي يجعل ادعاءات النظام بالانتصار جوفاء، بلا أي قيمة فعلية على الأرض، وسيبقي الباب مفتوحًا أمام استئناف القتال، وتبديد تلك الانتصارات العسكرية التي حققها النظام بمساعدة حلفائه في ظل استمرار السياسة المدمرة لنظام الأسد.