انتصار الخرافة!

عام 1982، عدتُ فارًا ومطرودًا من بيروت، ليس من اللبنانيين، ولا من حكام لبنان السوريين، وإنما من الغزاة الإسرائيليين. كان بيتي في حي (الفاكهاني)، وكنت ليلة فراري “المنظم” أنام في منطقة “الحمرا”، وبالتالي صعدت في السيارة الذاهبة إلى دمشق برفقة الشاعر والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي، والمرحوم الكاتب سعد الله ونوس، وطفلة فلسطينية، وكان المرحوم إلياس مرقص قد تخلى عن فكرة العودة إلى دمشق عن طريق الحواجز الإسرائيلية، كنت عاريًا إلا من ثيابي التي أرتديها، وأحلامي المكسورة كانكسار المقاومة، وانكسار “بيروت”؛ عاصمة “العرب” وعاصمة “التنوير”. وكان لا بدّ من العمل كي أعيش، فتقدمتُ بطلب تدريس ساعات لغة عربية، وكان نصيبي ثانوية “بابا عمرو”.

كان نظام التعليم يسمح للطالب بالوصول إلى الصف السابع، دون أن يعرف قراءة الحروف؛ لذلك كنت أرسل وراء أولياء الطلاب، كي أضعهم بصورة وضع أولادهم التعليمي، وأنصحهم أن يجدوا مهنة لأولادهم قبل فوات الأوان، وخسارة المزيد من أعمارهم دون فائدة. ولكن غالبية الأهالي كانوا يريدون لأبنائهم البقاء في المدرسة، إنما دون بذل الجهد اللازم لمساعدتهم في التعلم، وربما لعدم إمكانية القيام بذلك، فالأهل بدورهم شبه أمّيين. كان الحي فقيرًا وريفيًا وزراعيًا ومكتظًا بالسكان، وملاصقًا لأحياء المدينة، وكان الأهالي يعتقدون أن معجزة قد تحدث ويتعلم أولادهم، ولم تحدث “المعجزة” إلا عام 2011، إذ أدت إلى تدمير الحي وقتل آلاف الشباب وتهجير من بقي حيًا من سكانه، كانت تلك معجزة نظام الأسد.

في كتاب القراءة للصف السابع، نص من جزأين، عن حرب تشرين “التحريرية”، كتبه الشاعر سليمان العيسى. جوهر النص يتحدث عن “شجاعتنا” و”جبن” العدو، تلك الشجاعة التي اكتسبناها من تاريخنا ومن “القائد”، وأدت إلى انتصارنا واستعادة الكرامة المهدورة، في الخامس من حزيران/ يونيو 1967. وكان الشاعر قد استفاض في شرح أنواع الشجاعة التي نملكها، وأنواع الجبن الذي يميز الإسرائيلي عنا. فنحن أولًا أصحاب حق، نُقاتل من أجل استرداد أرضنا، ولسنا معتدين على أرض الآخرين، كعدونا، لذلك نحن سلاحنا الحق، نواجه الدبابة بصدورنا العارية بلا خوف، بينما الإسرائيلي يدفعه جبنه إلى الاختباء في الدشم المحصنة، ووراء دروع المصفحات والدبابات، ومع ذلك فدبابات العدو لا تتقدم إلا بعد أن يقوم طيرانه بعمليات قصفٍ جبانٍ لجنودنا.

خلاصة النص أن العدو جبان، ويستخدم العلم والتكنولوجيا في حربه، بينما نحن شجعان، ونواجه رصاصه بصدورنا العارية وإيماننا بحقنا وثقتنا بقيادتنا الحكيمة. يعني ببساطة -وهذا استنتاج بعض طلاب الصف السابع- أن علينا الموت لإثبات حقنا والبرهنة على شجاعتنا، ورفض العلم والتكنولوجيا، لأنها أدوات الجبان في الاستيلاء على أرض الآخرين.

لا أعرف متى كُتب هذا النص، ولكن أعرف أنه قبل أربعة أشهر من تاريخ وجودي في ثانوية بابا عمرو، كنت على الحدود السورية-اللبنانية، وكان معنا في السيارة التي تقلنا إلى دمشق طفلة فلسطينية، عمرها بحدود 12 عامًا، كان والدها المقاتل قد أرسلها مع السائق كي تعيش مع أمها وأخوتها الذين سبقوها إلى دمشق: عاصمة “العروبة”، وعندما اكتشف رجال الجمارك أن الفتاة فلسطينية/ لبنانية؛ منعوها من الدخول إلى سورية، واضطر السائق إلى العودة بها إلى لبنان، بعد أن تم نقلنا إلى سيارة أخرى، ولم تُفلح كل محاولاتنا لتذكيرهم “بشجاعتنا”، وكلام القيادة “الحكيمة” عن واجبنا في الدفاع عن قضيتنا “المقدسة”: قضية فلسطين.

هذا عن الخرافة التي كان يروج لها نظام الأسد تعليميًا وواقعيًا، فماذا عن الخرافة التي يمارسها رجال المعارضة، ووسائل “الإعلام الثوري”، وفي كتب المدارس في المناطق المحررة، أو المدارس السورية في تركيا؟

الخرافة الكبرى هي في محاولات طرد “العلمنة” من كل مستويات التعليم والتفكير، لأنها هي الشيطان الرجيم، وسبب خسائرنا، وحتى إنها سبب انحسار الأمطار عن أراضينا. والخرافة الثانية هي في تحميل نظام الأسد كل عيوبنا، لا لكي نعمل على تلافيها، وإنما كي نخفي تقصيرنا وفشلنا في إدارة شؤون حياتنا، ولعل خير مثال على ذلك هي التغطية الإعلامية السيئة لما يحدث من عمليات قتل وتصفيات للثوار من قبل الفصائل “الجهادية”، والتهرب من الإدانة الواضحة لهذه الفصائل. الخرافة الأخرى التي تتكرر كل يوم، بأشكال متعددة، هي في طريقة التعاطي مع الأحداث، ومنها -على سبيل المثال- تغطية مقتل المعارضة عروبة بركات وابنتها حلا، فعلى الرغم من إلقاء القبض على القاتل القريب، واعترافاته، إلا أن هناك من يصر على أن أمر القتل قد صدر عن نظام الأسد. إن هذا النظام معروف بإجرامه وقتله للسوريين وتدمير مدنهم وتهجيرهم، ويمارس هذه الجرائم يوميًا، فلن يزيده قتل معارضةٍ وابنتها إجرامًا، ولكن تحميله مسؤولية قتل المعارضة السورية وابنتها يعني الصمت عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الجريمة، وعدم المعرفة يعني تكريس الخرافة والجهل في أوساط المعارضة السورية. إن وجود خلافات شخصية وراء عملية القتل لا يؤثر على احترامنا للمغدورة وابنتها، فهما بشر يصيبان ويخطئان، ولكن معرفة الأخطاء ونقدها تجنب الآخرين الوقوع فيها.

أخيرًا، كي لا تنتصر الخرافة في حياتنا الخاصة والعامة؛ علينا أن نعتمد الشفافية الكاملة التي تتيح للجميع نقد الأخطاء وتجاوزها، وهذا لن يتم إلا في نظام ديمقراطي تعددي، يمارس فيه السوريون حريتهم في التفكير والحكم، وقبل ذلك في بناء نظام تعليمي علماني وديمقراطي.