رهانات بناء جيش وطني حر

قد يبدو المشروع خارج الأوان والمعطيات، لكنه ضرورة حيوية يجب بذل المحاولة في سبيله، مهما كانت الظروف والصعوبات، وككثير من نواقص وسلبيات الثورة والمؤسسات التي قامت لتمثيلها، لم تستطع الثورة بناء جيش وطني حرّ يُمارس دوره المأمول، ويكون الذراع العسكري المتناغم مع السياسي والمدني، وفق برامج ومهمات محددة.

كانت البداية عفوية، عبر حركة متنامية لانشقاق أعداد متلاحقة من الضباط والعسكريين بسبب رئيس هو رفض هؤلاء توجيه السلاح إلى صدر الشعب، والتعبير عن انفجار حالة الاحتقان، في مؤسسة الجيش التي كانت المرآة الأكبر للفئوية والطائفية والتمييز.

ولأن النظام تعامل مع تظاهرات الثوار بالسلاح الثقيل، وأقحم الجيش لتصفية الثورة؛ تصدّى هؤلاء لحماية المتظاهرين، بما يملكون من وسائل متفرقة، وبما حصلوا عليه من أسلحة معظمها فردي، ثم حدث الانتقال إلى العَسكرة وغلبتها.

كان الحراك السلمي هوية الثورة وأداتها لإنهاء النظام، وقد نجح -عبر انتشاره الكاسح- في تهديد بنية النظام وخلخلته، بدءًا من تصدّع أهم ركيزة بقاء له: تعميم الخوف، إلى نقل أزمته إلى داخله وكشفِها حتى على عدد من المقربين منه؛ فكان الانهيار وشيكًا، كما دلّت عليه معطيات عام 2012 وبدايات عام 2013، وقوفًا عند تدخّل إيران القوي، واستدعاء ذراعها الميليشياوي (حزب الله)، لإنقاذ النظام في معركة القصير، وما تلا من أحداث قلبت الموازين، ومكّنت النظام من التقاط الأنفاس.

إن افتقار الثورة إلى قيادة مركزية من صلبها، وانتشار آلاف التنسيقيات وأشكال الحراك الثوري المتعددة والمتنافسة في عدد من المناطق والقرى، كان له آثاره ونتائجه السلبية، ومنها عدم وجود جهة واحدة، تتولى احتواء حركة انشقاق العسكريين وإيجاد صيغة للتعامل معهم، وتكوين نواة جيش حر مُوحّد بقيادة واحدة، وتابع لقيادة سياسية قادرة على توحيد مختلف الأنشطة والفعاليات، لتصبّ في تحقيق الهدف.

كان ذلك بداية الشرذمة والعفوية والفوضى، ثم إجهاض محاولات بناء مؤسسة عسكرية موحدة، فانتشار الفصائلية ودخول الدول على خطها أوجد حالة غريبة من التشتت، ووصول الفصائل إلى أكثر من 1500 تشكيل برايات مختلفة، يغلب عليها الطابع الإسلاموي، وتراجع دور الضباط المنشقين، بل تمّ حصارهم وعزلُ معظمهم، في مخيمات اللجوء وبعض الأماكن في تركيا والأردن، ثم هجرة الكثير منهم إلى أوروبا، بحثًا عن لقمة العيش وبعض الاستقرار.

حاول المجلس الوطني -ولو متأخرًا- المبادرةَ إلى بناء نواة الجيش الحر، وعقد عدة لقاءات مع عدد كبير ومهم من الضباط المنشقين، وبعد اتفاق أوليّ على وضع مشروع الجيش الحر؛ جاءت التدخلات الخارجية من جهات متعددة لتمنع ذلك، وتُجهض تلك الخطوة الضرورية، بينما كان الرهان، على تدخل خارجي فاعل يُنهي النظام، أحد الأسباب المهمة لعدم بذل الجهود المتواصلة في هذا المجال، ومواجهة الضغوط الخارجية الرافضة.

حين قام الائتلاف، كان في صدر أهدافه الثلاث وحدة العمل العسكري بقيادة الائتلاف، وبعد أقل من شهر ونصف على قيامه، رعت دول شقيقة وإقليمية قيام ما يُعرف بـ “هيئة الأركان”، حين دعت أكثر من 650 مندوبًا، من العاملين في المجال العسكري، إلى مؤتمر في أنطاليا التركية من دون علم الائتلاف، أو مشاركته المباشرة، وكان ذلك أول مسمار قوي في جسد الائتلاف، يبعده عن أهم القطاعات الثورية.

هذا المسار الذي تراكبت فيه مجموعة عوامل خارجية، أدّت إلى تراجع دور الضباط المنشقين وبروز الفصائلية التي غالبًا ما تولّى القيادة فيها شبانٌ وأناس غير عسكريين، بل إنّ العديد منهم ضد وجود الضباط المنشقين، وينظر إليهم بعين الريبة والشك.

بدأت على الأرض عملية حصار لتواجد الجيش الحر على حساب الفصائل الإسلاموية، وحين شكّل الائتلاف هيئة الأركان، وحاول مركزة العمل العسكري عبرها؛ اجتاحت بعض الفصائل مقارّه، واستولت على مخازنه وعتاده، في حين كانت تعمل على تقويض أي جهد لضبط وتوحيد العمل العسكري.

انتشرت الفصائلية بطريقة مُرعبة، أساءت جدًا إلى الثورة والعمل العسكري ومسار الصراع، ومنحت النظام عدة أوراق، راح يلعب بها ويستثمرها، ومنها تلك الممارسات المسيئة، وعدم وجود غرفة عمليات واحدة، أو استراتيجية واضحة تلتزم بها تلك الفصائل، ولو بأساليبها الخاصة، وبما لا يؤثر على كياناتها، وكان الاقتتال بين بعضها، ثم بروز وطغيان التنظيمات المتشددة (داعش وغيرها) عوامل تشويه، وإضعاف، وموانع ضد أي محاولة للتجميع والتوحيد.

حاول الائتلاف -على مدار سنوات- تشكيل هيئة أركان موحدة، ومجلس عسكري يقود العمل على مختلف الجبهات، وقد قوّضت تلك المحاولات، بما فيها تشكيل وزارة للدفاع في الحكومة المؤقتة، وقبول 15 ممثلًا عن الأركان في الائتلاف، ثم جرت محاولات متلاحقة لتوحيد عمل الفصائل، أو التنسيق فيما بينها، على الأقل، وتكريس صيغة مناسبة للعلاقة مع الائتلاف، وكلما توصل مندوبو الائتلاف إلى اتفاقات تنتظر الإعلان عنها؛ جاءت جهات تحول دون ذلك، وهذا يؤكد خضوع جلّ الفصائل للجهات الممولة، وعدم قدرتها على اتخاذ قرار ذاتي.

بعد حلب، وهزيمة الفصائل على يد الاحتلال الروسي، وما كشفته من سلبيات وحقائق؛ تراجع كثيرًا موقع الفصائل ودورها وفاعليتها، خصوصًا أن الجانب الأميركي الذي يتولى قيادة غرفتَي (الموم والموك) المشرفتين على العمليات العسكرية في الجبهات الجنوبية والشمالية، ويُشارك فيها عدد من الفصائل، حددَ دور أغلب تلك الفصائل، وأوقف الدعم عنها، ومنع بعضها من القتال ضدّ النظام، ووجّه بعضها لمحاربة “الإرهاب”، وما حصل مع “أسود الشرقية”، و”كتائب الشهيد أحمد العبدو”، ومحاولات ترحيلهم إلى الأردن، وتجريدهم من سلاحهم، مثال ساطع.

مع ذلك، وفي الجانب الإيجابي المقابل، هناك أجواء إيجابية أفضل تسود معظم الفصائل، تأكيدًا على أهمية توحيد الصفوف، وبناء جيش وطني حر بقيادة عسكرية مهنية، وعلى هذا الأساس سيدخل الائتلاف 15 ممثلًا عن الفصائل المتواجدة على الأرض، ثم إعلان البدء بمشروع بناء الجيش الوطني الحر، بعد التقاء نحو 44 فصيلًا مع رئيس الحكومة، ثم تشكيل هيئة أركان، وتسمية نائب لوزير الدفاع وعدد من المعاونين، والشروع بوضع الخطط لاستيعاب الضباط المنشقين والفصائل التي قبلت وفق استراتيجية شاملة، تهدف إلى بناء جيش مهني بقيادة عسكرية واحدة، وخطط عمليات واقعية تتلاءم والتطورات.

المشروع حيوي وضروري، والصعوبات كثيرة، لكن لا بدّ من الاستمرار والمحاولة كرهان لا مفرّ منه، ولا بديل عنه، خصوصًا أن الأزمة السورية ستستمر زمنًا ليس بالقصير، وستكون هناك مهمات متنوعة تُناط بالجانب العسكري، بما في ذلك تغيير الأساليب السابقة، واستخدام الوسائل المناسبة التي تواكب التطورات السياسية، والحراك المدني الآخذ بالنمو.