بين الفاشلة والمارقة

مفهوم “الدولة الفاشلة” مفهومٌ متحرك، له مؤشرات ومعايير يصعب حصرها بدقّة، باعتباره مصطلحًا يأخذ بالحسبان جملةً كبيرة من المؤشرات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لكن تبقى الخلافات حول هذا المفهوم هامشية، فالدول التي تقع على أطرافه هي عمليًا دولٌ فاشلة.

أبسط تعريف للدولة الفاشلة هو الدولة التي فشلت حكومتها في القيام بمسؤولياتها، والتعريف الأكثر عمقًا هو الذي وضعه صندوق دعم السلام الذي حدد الدولة الفاشلة بأنها تلك التي فقدت السيطرة الفعلية على أراضيها، وضعفت السلطة الشرعية فيها، وباتت غير قادرة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة، وغير قادرة على التفاعل كعضو فعّال في المجتمع الدولي.

وفق الأدبيات السياسية، الدولة الفاشلة هي “الدولة التي لا تستطيع أن تؤدي دورًا، ككيان مستقل”، وهي “الدولة التي تحكمها الميليشيات المسلحة”، أو “التي تفقد السيطرة على وسائل العنف الخارج عن الإطار القانوني”، أو “التي تكون عاجزة عن تحقيق السلام والاستقرار لشعوبها”، أو “التي تفشل في فرض السيطرة على أراضيها أو جزء منها”، وغالبًا ما تتميز -وفق هذه الأدبيات- بانعدام المساواة الاقتصادية، والمنافسة العنيفة على الموارد.

تندرج ضمن الدول الفاشلة أيضًا تلك الدول التي لا تستطيع تقديم الخدمات البلدية والصحية والتعليمية الأساسية بشكل كامل، وتلك التي لا تستطيع أن تفرض شرعية الدولة، كراعية لمصالح جميع سكان البلد وليس مصالح فئة أو فئات محددة منهم، وتلك التي لم تعد قادرة على تأمين اعتراف الأسرة الدولية بها.

معظم التعريفات السابقة تتمحور حول قدرة المنظومة الحاكمة على القيام بواجباتها السيادية على ما تملك بأكمل وجه، وكلما ضعفت وتفككت هذه المنظومة وكانت على وشك الانهيار؛ باتت الدولة أقرب إلى الفشل.

جميع التعريفات السابقة، دون استثناء، تنطبق على سورية في الوقت الراهن، وفيها إضافة إلى كل ما سبق، التغيير الديموغرافي، والتهجير والنزوح، والجماعات الانتقامية، والنزيف البشري، وانعدام التنمية، والسقوط الاقتصادي، والسلطة المتآكلة، وفقدان الشرعية، وفشل الخدمات العامة، وانتهاء سيادة القانون، وانتهاك حقوق الإنسان، وصعود النخب المتحزّبة، والتدخل الخارجي، والجهاز الأمني الذي يعمل كدولة، والأسرة التي تعمل كنظام، ورأس النظام الذي يعمل كإله؛ ما يؤكد -دون مجال للشك- أن سورية باتت، بفضل نظامها أولًا وأخيرًا، دولة فاشلة.

حوّل عنف النظام السوري سوريةَ إلى دولة فاشلة، بالمفهوم الدولي والسياسي والإنساني والأخلاقي، دولة فاشلة كاملة الأوصاف، لا أملَ يُرجى منها على المدى المنظور، ورغم فداحة المصاب، إلا أن جوهر المصيبة ليس بتحوّل سورية إلى دولة فاشلة فقط، وإنما بخطر تحولها -بمعيّة الروس والإيرانيين والأميركيين والنظام، وميليشيات كل هذه الأطراف، والطائفيين من أنصارهم، والانفصاليين العرقيين، والمقاتلين الأجانب من عرب وأوربيين وأكراد، ومعارضين انتهازيين، وأمراء الحرب- إلى دولة مارقة؛ عندها، يمكن القول، بثقة وبكثير من الحزن: على الدنيا السلام.