العنوسة تغزو مجتمع السوريات في أوروبا

تعيش (ليان) ابنة الـ 25 عامًا مع أمها في النرويج، بعدَ ما وصلتا صيف العام 2015 إليها، بطريق التهريب البحري، وعلى الرغم من حصولهن على مساعدات معيشية معقولة، وتعلمهما اللغة النرويجية، إلا أن (ليان) تشعر بعدم الاستقرار النفسي والعاطفي، لأنها خسرت مربعها الاجتماعي الذي يُمكّنها من تكوين أسرة.

قالت لـ (جيرون): “أشعر بالوحدة، ولا أستطيع بناء علاقات سليمة مع المجتمع العربي المحيط، وهذا أثّر على فرصتي في الزواج، فمنذ وصولي إلى النرويج لم يُقدِم أي شاب على طلب يدي للزواج، ومعظم السوريات هنا مثلي. لقد أصبح الزواج، الأسرة والأولاد -بالنسبة إليهن- حلمًا صعب المنال”.

يعدّ وضع (ليان) مشكلة عامة، إذ ما يزال الملمح العام، بالنسبة إلى النساء السوريات في أوروبا، متأرجحًا، ويعانين صعوباتٍ كثيرة، ومحدودية في الخيارات، فهن غير قادرات على الاندماج الكلي مع المجتمع الجديد، وفي الوقت نفسه يفتقدن طقوسهن الأصلية.

بدورها، قالت هناء محمد، مُختصة في علم النفس والاجتماع لـ (جيرون): “إن معظم السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا، ولا سيما بطرق التهريب، متواضعو الكفايات، وغير قادرين على الاعتماد الذاتي، لذا اختاروا طريقًا محفوفًا بالمخاطر، ليتخلصوا من واقعهم الصعب، هؤلاء يسهل تأثرهم بالمجتمع الجديد، بخاصة الشبان اليافعون الذين لم تكن شخصيتهم قد نضجت وتبلورت بعد، وأصبحوا بعد عدة سنوات لجوء في سن الزواج، غير أن شخصيتهم ذابت في المجتمعات التي حلّوا فيها”. لافتةً إلى أن الشبان “أصبحوا يميلون إلى النمط الغربي في تأخير الزواج، والتعويض عنه بعلاقات عاطفية أخرى، لم تكن مألوفة في المجتمع السوري”.

أشارت هناء إلى أن نسب الزواج بين السوريين في المجتمعات الأوروبية قليلة جدًا، وتكاد تكون نادرة، بل على العكس ارتفعت حالات الطلاق بين المتزوجين، وازدادت حالات زواج الشبان السوريين من شابات أجانب؛ ما ينذر بتراجع المكانة الأسرية، وتفشي العنوسة بين سورياتٍ كُثُر”.

أما عن أسباب توجه الشبان السوريين إلى الزواج من أجانب، فقد أظهر استطلاع رأي، أجرته صحيفة (عنب بلدي) أخذت فيه رأي 300 مواطن سوري، أنّ سوء الوضع المادي وعدم الاستقرار القانوني للسوريين في بلاد اللجوء، هما السببان الرئيسان في إقدامهم على الزواج من أجانب، وجاء في الاستطلاع  “رأى 32 بالمئة من المستطلع رأيهم أن الظروف المادية السيئة التي يعاني منها الشبان السوريون، إضافة إلى شروط وتعقيدات تفرضها العائلات السورية على المتقدمين لخطبة بناتهم، دفعتهم إلى التفكير بالزواج من فتاة أجنبية، ودفعت السوريات إلى عدم التفكير بالارتباط بشاب سوري”.

فيما “رأى 23 بالمئة من المستطلع رأيهم أن زواج السوريين والسوريات من جنسيات أخرى يعود إلى تراجع تأثير العادات والتقاليد في المجتمع السوري الذي انفتح، نتيجة حركات اللجوء، على المجتمعات والثقافات الأخرى، بعد تحكّم العادات لسنوات بملف الزواج في سورية”.

يُقدّر عدد اللاجئين السوريين في عموم أوروبا بـ 550 ألف لاجئ سوري، معظمهم استقروا في ألمانيا، حسب إحصائية صادرة عن الحكومة السورية المؤقتة عام 2016.

تأمل (ليان) أن تصبح أمًّا، وترى أن الأوضاع الجيدة التي تعيشها في البلد الأوروبي المُضيف، لا تعوّضها عن الأسرة التي طالما حلمت بتكونيها، قالت: “الشبان السوريون هنا تأثروا بعادات المجتمع الأوروبي، وأصبح الزواج بالنسبة إليهم هامشيًا، أقابل العديد منهم في المدرسة، وهم يرون أن الزواج ليس مهمًا”. مؤكدةً أن “فرصة زواج السوريات من شبان أجانب قليلة جدًا، وشروطها صعبة على الفتاة وأسرتها، لعلة الاختلاف الديني والثقافي”.

تقع (ليان) في مأزق الاختيار بين الوحدة واعتماد النمط الغربي الذي يتعارض مع أفكارها؛ ما يجعلها قلقة وغير قادرة على اتخاذ قرارات مهمة في حياتها، كما يؤثر على تقدمها في تعلم اللغة الجديدة واندماجها الاجتماعي.