هل تتحول سورية القادمة إلى سويسرا الشرق؟

لم تقم دولة في المشرق العربي، بما في ذلك سورية، يمكنها منافسة دول الجوار الثلاث: إيران وريثة الحضارة الفارسية، وتركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية، و(إسرائيل) المزروعة بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب/ بحجة الاضطهاد النازي لليهود، وهي الأقوى بين دول الجوار الثلاث. لا بل إنّ الهوة ما انفكّت تتّسع بين مجموع دول المشرق العربي ودول الجوار الثلاث هذه، بخاصةٍ بعد التطورات الدراماتيكية الأخيرة، وما يصاحبها من تصاعد نزعات الفدرلة، وحتى الانفصال عن مراكز دول المشرق الضعيفة، كما في سورية والعراق، فكيف يمكن مواجهة هذه الوقائع السياسية التي أضحت حقيقةً، وتسير في اتجاهٍ قد يجعل من خارطة (سايكس بيكو) نسيًا منسيًا؟

لو أنّ دول المشرق كانت دولة واحدة أو أن إرادةً ما تلوح في الأفق لإعادة توحيدها؛ لكان ثمة قول آخر، بخاصة أن الحزب الذي دعا لتوحيدها تائهٌ، بين سنابك المتحاربين على اقتسام “مملكته” التي لم ينل منها سوى خارطةٍ على الورق (للحق، كانت فرضية الحزب القومي الاجتماعي السوري حول سوريا الكبرى أكثر واقعية من تهويمات البعث القومية العربية، المترامية الأطراف)، فهل تبقى دول المشرق على حالها، وفي القلب منها سورية، أم ستتشكل من جديد؟

قام استقرار الأردن على ضمانات دولية منذ تأسيسه عام 1921، بمساعدة بريطانيا، ولم يتغير الأمر حتى تاريخه. لبنان مستقر بصعوبة من خلال التعديل الذي أجراه “اتفاق الطائف” عام 1989 على صيغة 1943 الطائفية، وما زال لبنان مستمرًا من جرّاء تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، مع أنّ قاعدة إيران “الإلهية” أحدثت صدعًا عميقًا في البنية السياسية الهشة لهذا البلد. كما “استقر” العراق على فدراليةٍ، يهدد الأكراد بتجاوزها إلى الاستقلال الكامل، بعد الاستفتاء الأخير في كردستان العراق، وما زال هذا البلد مسرحًا للتنافس بين الولايات المتحدة وإيران. أما سورية فتسير في طريقها الخاص والأكثر تعقيدًا، مع تعدد في الجهات المتنافسة على أرضها، في سياق الحرب على الإرهاب ومن دونه.

ربما كان من الخطأ التاريخي أن تعتمد دولةٌ، لها هذا الموقع الجغرافي مثل سورية، سياسةً منحازة، فضلًا عن المزايدات التي وسمت السياسات المعلنة للحكم المطلق فيها، على أمل دوام حالة الاستبداد داخليًا، واستمرار سياسة اللعب بالأوراق الخارجية؛ بهدف تبرير الشعارات والمواقف المتبناة على نحو غير واقعي، واللعب بعواطف جمهور جاهل ومجهَّل، بعيدًا عن مصالحه الملموسة. لم تكن سياسة العمل على حافة الهاوية هذه ناجعةً على المدى الطويل، وإنّ فقد التوازن كان سيحصل، عاجلًا أم آجلًا.

إنّ ما يُميّز سورية عن غيرها من دول الجوار هو كثافة المصالح والصراعات الخارجية، والتي تبدّت بوضوح منذ عام 2011. انطلاقًا من ذلك؛ قد تحتمل الصيغة السياسية القادمة فيها التفكير جديًا في موضوع حيادية الدولة السورية في علاقاتها الخارجية، وذلك للحدّ من هذا التنافس المدمِّر، وإعادة صياغته تعاونًا شاملًا مع جميع الأطراف المتورطة في الشأن السوري، على نحو مباشر أو غير مباشر، علاوة على باقي دول العالم. إنها محاولة التفاف على مسار التاريخ السائد، فهل هذا الاحتمال ممكن وواقعي بالفعل؟

الدولة الحيادية -بالتعريف- هي تلك التي لا تشارك في النزاعات والحروب، وتقف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة، مع وجود اعتراف دولي بحيادها. ومع ذلك، فإن الحيادية ليست صفة دائمة أو ثابتة، فقد تتحول دولة حيادية ما إلى دولة غير حيادية، على سبيل المثال، إذا اجتاحت دولة أخرى أراضيها. أقدم الدول الحيادية في العالم هي السويد، منذ عام 1814، وسويسرا، منذ عام 1815. تكرّس حياد الدول قانونيًا في مؤتمر السلام الثاني بمدينة لاهاي عام 1907. يعتمد الجيش المحترف في الدولة الحيادية استراتيجية دفاعية، في حين تقع مهمات الأمن الداخلي على عاتق جهاز أمن وطني مهني، لتطبيق القانون بحزم.

إنّ احتمال أن تصبح سورية دولةً محايدة، بضماناتٍ دولية، قائم على استحالة أن تتحكم جهة واحدة في مجريات أمورها، فبما أن النفوذ الروسي هو الأكبر حتى الآن؛ فلن تنسحب الولايات المتحدة من بلدنا خالية الوفاض، وستستثمر حربها ضد تنظيم (داعش) في المستقبل، فضلًا عن كونها شريكةً للجهود السياسية الروسية الحالية، ولو من تحت الطاولة. النفوذان الروسي والأميركي ليسا وحيدين أيضًا، وتشاركهما جهات إقليمية مهمّة. جميع هذه الأطراف لن تقدّمَ مصلحة السوريين على مصالحها في أي حال، ومع ذلك، فإنّ التوافقات الخارجية، مضافةً إليها مصلحة السوريين في استقرار بلدهم، قد تحدث فرقًا واضحًا خلال وقت قصير، وذلك حتى تتبلور قوى سورية تمتلك من الحكمة والعقلانية ما يؤهلها لأداء دورها التاريخي المنتظر في رسم صورة سورية القادمة. كما تفسح حيادية سورية وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الدول المجال لتدفق الاستثمارات إلى بلدنا، والإسراع بجدولة المهمات العاجلة، وأهمها إعادة الإعمار والتنمية، مع التنويه إلى أنّ حجم التمويل المطلوب يحتاج إلى تعاون دولي فعال، لا يمكن أن توفِّره جهة واحدة، وهذا ما يعزّز، أيضًا، حيادية الدولة السورية القادمة.

يتم بناء جيش وطني في سورية الحيادية، من عناصر مختارين بدقة من الجيش النظامي ومجموعات المعارضة المسلحة، بعيدًا عن أي عقيدة تتجاوز حدود الوطنية، ويتم تحديد مهمات الجيش الجديد بالدفاع عن حدود البلد المعترف بها دوليًا، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن يقوم به في الأزمات السياسية الداخلية والكوارث الطبيعية. يمكن بهذا الصدد أخذ حالة الجيش اللبناني، كجيش وطني محترف يتجاوز، نسبيًا، أسوأ حالات الانقسام السياسي والتوازن الهش. كما يتم بناء قوى الأمن الداخلي بالطريقة ذاتها أيضًا، ووفقًا للمعايير الدولية الحديثة؛ ما يضع الأسس الصحيحة لأمنٍ مستدام.

عقبة الحياد الأولى هي حالة الهدنة المزمنة في الجولان المحتل، ولا بدّ من إحياء مفاوضات السلام مع الجارة العدوة، لإنهاء هذا الملف. للمفارقة، ستحصل هذه المفاوضات والطرف السوري في أضعف حالاته، لكنه ليس مهزومًا في حرب، وليس مضطرًا إلى الاستسلام؛ إنه يحمل راية السلام، ويشهرها في وجه العالم كله هذه المرة، وبلا مواربة، فقد قرر، أو يفترض ذلك، أن ينتصر على نفسه، أولًا، ويغلق باب النزاعات الخارجية ثانيًا. مع ذلك، ليس السلام بلا أثمان، بعد كل هذه الانهيارات، وضمان تدفق المياه إلى بحيرة طبرية قد يكون على قمة جدول هذه الأثمان، لكن استعادة الأرض -ولو بشروط- أمرٌ مفروغ منه لتحقيق حلّ واقعي، فمن الصعب حصول استقرار سياسي في سورية، مهما كان نظام حكمها، وكابوس الاحتلال موجود.

أعطوا السوريين الأمنَ والسلام والأموال وحكمًا رشيدًا، يستند إلى قانون عصري في دولة محايدة ولا مركزية، وقد لا يطول الوقت قبل أن نشاهد ملامح “سويسرا الشرق”، في مركز العالم القديم هذه المرة. الطريق إلى ذلك ليست قصيرة ولا مستحيلة، لكنه الحلم الذي يمتلك شروط تحقُّقه، والنتيجة الوحيدة التي يمكن أن تُقايَض بكل هذا الدمار المادي والمعنوي.