سلطة الأسد: مافيا تعمل “بالشيفرة”

منذ أن ظهرت ملامح انهيار سلطة بشار، في العامَين 2012 و2013؛ شرعت أصواتٌ تدّعي انتماءها إلى النخبة المثقفة، وقدّمت نفسها على أنها معارضة للدكتاتورية غير أن “قلبها” على مؤسسات الدولة، حرصًا منها على وحدة البلد ومنع انتشار الفوضى؛ شرَعت تحذر من سقوط “النظام”.

في أسوأ خطابات صدرت عن دول كبرى، وأميركا في طليعتها، تلقفت صحافتها ودبلوماسيوها هذه “المقولة”؛ لتبرر تقاعسها عن الوقوف إلى جانب ثورة الحرية التي أقدم عليها السوريون، بشكل عفوي وسلمي ومدني. وصارت تُردد، وهي تتداول واقع سورية ومستقبلها، أنها حريصة على عدم انهيار “مؤسسات الدولة”، حتى يتسنى إقامة “النظام الديمقراطي”، ومنع الانهيار الشامل، وإغلاق الطريق على “الحرب الأهلية”، والحفاظ “على وحدة البلاد”. وكانت النتيجة أن السلطة الدموية القاتلة استثمرت في هذا الوهم، وراحت تغذيه، فوجدت في “الإرهاب” ضالتها، ووجد الآخرون الذين أحجموا عن دعم الشعب السوري فيه “فرصتهم”، لإدارة الظهر للحقيقة، ولتظهير المشهد في سورية على أنه “حرب على الإرهاب”، وهو الذي يجب هزيمته أولًا لحماية “الدولة” و”المجتمع”.

خلف هذا الستار من التزييف، مضت سلطة الاستبداد الهمجية في طريق إغراق سورية بالدماء، وتحويل حواضرها ومدنها إلى ركام، ومضى معها قادة العالم لبث مقولات “القلق”، وهم يتفرجون على أنهار الدماء كل يوم، ويتباكون على الهاربين من الموت إلى المنافي، وفي المفاوضات حول المرحلة الانتقالية، أغرقوا الرأي العام بكل التبريرات، وأهمها وأكثرها ضلالًا وزيفًا: “الخوف على الدولة، وحماية وحدة سورية”! ليكون تمرير بقاء بشار رئيسًا، ضرورةً لحماية الدولة، ومنع الفوضى، والحفاظ على المؤسسات.

أين هي الدولة؟ وأين هي وحدة سورية “الأرض والشعب”؟ بالأساس، قبل انطلاق الثورة 2011، لم يكن في سورية دولة، مقارنة بمفهوم الدولة الحديث.

بعد استقلال سورية، جرى تأسيس بناء فوقي جنيني للدولة الوطنية (برلمان وقضاء وحكومة)، تحكمها قوانين مستمَدة من دستور ينشد المواطن والمواطنة، وما لبث أن تم تدميره أولًا بأول، وكان مجيء حافظ الأسد بداية التأسيس لسلطة تجهض جنين الدولة، وتُلغي العمل بالدستور، وتستبدل به قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، فتحولت البنية الفوقية للدولة المفترضة (القضاء والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية) إلى مومياء، يتذكرها الناس في المناسبات التي يقررها الدكتاتور وسلطته البوليسية العسكرية. وأشهر قرارَين صادق عليهما “مجلس الشعب”، في تاريخ سلطة المافيا هما: وضع النفط السوري بتصرف حافظ الأسد، وإخراج عائداته من الموازنة الرسمية، وفي العام 2000، تفصيل بند في الدستور على مقاس بشار الأسد، ليصبح “رئيسًا شرعيًا لسورية”. وقس على ذلك سلطة الحكومة، وسلطة القضاء.

أين هو القلق على “الدولة”، وعلى الأرض والشعب، بعد أكثر من ست سنوات، ارتكبت فيها العصابة الحاكمة الفظائع، فالشعب لم يعد على أرضه، فمن قُتل صار تحت ترابها، ومن بقي على قيد الحياة غادر أرض البلاد، لينجو بحياته وحياة أسرته، والبقية الباقية تعيش تحت وطأة العسف والجوع والإهانة، ذلك ما وصفه رأس المافيا بـ “سورية المتجانسة”. وفي غضونه قامت أدوات المافيا الفاشية بتدمير مؤسسات “الدولة” كافة، من مدارس ومستشفيات ومصانع وآثار ومحاصيل زراعية، وأطلقت يد الرعاع “لتعفيش” ممتلكات الناس، وبيعها بأبخس الأثمان. تلك هي فضائل وحسنات الدولة الموهومة التي تخشى “النخبُ” على انهيارها، حين تزايد على الجميع بحرصها على وحدة البلد والشعب، وفوقهما “السيادة الوطنية”! ومعهم زعماء الدول الكبرى الذين تركوا الشعب السوري يغرق في بحر من الدماء، وهم يكررون تلك المصطلحات المبتذلة (الوحدة، ومؤسسات الدولة، ومنع انتشار الفوضى)!

أين هي وحدة الشعب والأرض اليوم؟ لقد مزقت سلطة المافيا وحدة الشعب، طائفيًا وإثنيًا وجغرافيًا، ووضعت أرض سورية تحت تصرف أدوات عسكرية فاشية وطائفية، تقيم كل منها سلطتها على المساحة المتواجدة عليها، وهو ما حوَّل سورية إلى أرضٍ تتقاسمها جيوش وميليشيات، وتتقاتل عليها بالعلن وبالخفاء. وتنهش بجسد البلاد، كل حسب قدرته وأجنداته. وهي -السلطة- فعلت كل ذلك، وستفعل أكثر منه، من أجل بقائها، ولتذهب البلاد إلى الجحيم.

ماذا ينتظر “الحريصون” على الدولة، والقلقون على وحدة البلاد، ليعترفوا بالحقيقة؟ والحقيقة هنا أنهم يقصدون بكل تلك المصطلحات/ اليافطات، اختزال سورية إلى “سورية الأسد”، فهي الدولة والشعب والمؤسسات والبلد، ولا يجوز المساس بها أو تعريضها لخطر السقوط. ولا تفوت الدولَ الكبرى هذه الحقيقة، فلديهم ما يكفي من الحقائق، ولو أرادوا حلًا يخرج الشعب السوري من هذه الكارثة التي صنعتها الطغمة الفاشية المستبدة؛ لاستطاعوا ذلك.

حتى استخدام مصطلح “النظام”، خلال الحديث عن الوضع في سورية، وبالإشارة إلى السلطة القائمة باعتبارها “نظامًا”، هو استخدام يحتاج إلى تدقيق. أين هو النظام في سلطة الطغيان الأسدي! هل يعرف رئيس الحكومة ماذا سيحل به غدًا! هل الرتب الوظيفية في الدوائر تقوم على المؤهلات التكنوقراطية! ألا يعرف الجميع أن رئيس قسم في أحد الجامعات لا يستطيع تقرير رسوب طالب، إذا تدخَل “الآذن” المعيّن في مكتبه، وفي المستشفيات الحكومية مَن الذي يقرر سير نظام العمليات الجراحية، أو حصول المريض على سرير للعلاج! موظفون صغار أو ممرضات وسكرتيرات بيدهم الحل والربط، والبروفيسورات الكبار ليس بيدهم القرار باختصاصاتهم. من يعرف حركة الأموال من وإلى البنك المركزي؟ كم من جنرالٍ، يُسمى قائد فرقة أو لواء، يتحكم به ضابط صفٍّ من “الأمن العسكري”؟ ما هي صلاحيات وزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان، إذا لم تأتيهما التعليمات من رأس السلطة! ما هي طبيعة المؤسستين العسكرية والأمنية، وكيف يجري تحديد مسؤولياتها ومهماتها. أليس ماهر الأسد شقيق بشار أهم في السلطة من وزير الدفاع أو رئيس الأركان.

في الدكتاتوريات، هناك نظام طاعة حديدي، لكن المسؤولية التراتبية والعلائقية البينية فيه واضحة. ما تمثله سلطة بشار لا يمكن تسميته “نظامًا”، إنها سلطة مافيا، لها شيفرتها الخاصة، بعيدًا عن الرتب والمناصب الوظيفية، الأمنية منها خاصة، ولا يعرف مفاتيحها إلا الرئيس، وربما شخصية أخرى ليس لها وظيفة علنية. ودون هذه التركيبة لم يكن بمقدور الطاغية الاستمرار، ولا القدرة على الإمساك بأدواته العسكرية والأمنية، وزجها بكل حقد ووحشية في أبشع عملية قتل وتدمير في العصر.

وأخلص إلى أن ليس في سورية “دولة”، واستخدام كلمة “دولة” -كمصطلح للتعريف بالوضع القائم- لا يعدو كونه لفظًا معلقًا في الهواء، لا أساس له في الواقع. وأما سلطة المافيا الفاشية المستبدة، فهي تعمل وفق شيفرة خاصة، تجعل ادعاءات الدول الكبرى عن تغيير ضمن “النظام”، حرصًا على “الوحدة” وتداركًا للفوضى والتقسيم، لغوًا فارغًا، وها هو التقسيم أمرٌ واقعٌ غير معلن، والفوضى تشمل أدوات السلطة وحلفائها أيضًا، وهذا ما يجعل الكلام، خلال المفاوضات في جنيف وسواها، عن رحيل بشار، قبل المرحلة الانتقالية أو بعدها أو خلالها، مضيعةً للوقت يدفع الثمنَ فيه السوريون، بتطاول الكارثة التي صنعتها سلطة المافيا للحفاظ على بقائها.