ثلاث حكومات لشعب يحلم بوطن

تعرف الحكومة، كشكل من أشكال ممارسة السلطة، لها وظيفتها في إدارة المجتمعات الإنسانية، وتدبير شؤون الدولة حسب الوثيقة الدستورية، وتستخدم للدلالة على السلطات الثلاثة: “التشريعية والتنفيذية والقضائية”. تختلف الحكومات بناءً على كيفية ممارسة السلطة، فالدول الاستبدادية الديكتاتورية تتنصل من القانون، وتبقى السلطة محصورة بيد شخص أو مجموعة تتحكم بكافة مفاصل الحياة، وتستند إلى مواد دستورية تنص على الصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية؛ ما يجعل وجود سلطة تشريعية وتنفيذية وجودًا ظاهريًا، على الرغم من وجود نصوص قانونية حول الوزارة ودورها، وهو ما ينطبق على الدولة السورية ونظام الحكم القائم، حيث تُنتهك السلطة التشريعية وتخضع للسلطة التنفيذية المحمية بأجهزة أمنية تمنع إمكانية المساءلة المستقلة، وتحتضن كافة التجاوزات السافرة  لما تم التوافق عليه في الدستور السوري، وتعطل نصوصه ليبقى السوريّ مجردًا من أي سلاح قانوني، يرفعه في وجه الانتهاكات المستمرة لوجوده.

الحكومة السورية: بغض النظر عن تشريح الحكومة السورية ونظام حكمها، فإن ما عرفه السوريون عن الحكومة ووظيفتها في تدبير شؤون الدولة والسمة الأكثر تداولًا هو تلازم ثنائية “الولاء للنظام والفساد”. فالعملُ الحكومي -منذ بداية تشكيلته في طريقة اختيار الوزراء وترشيحهم- يتجاوز عواملَ الكفاءة والنزاهة والاختصاص، كشعارات مرحلية، إلى الإخلاص والولاء للنظام، كشرط لازم لأي مرشح لمنصب وزاري، ومع غياب النصوص القانونية لتوصيف صلاحيات الوزراء، أو سياسة واضحة معلنة ومقرّة من رئيس الدولة لآليات عملهم؛ تكون هذه المؤسسة معطلة، ويُسيّر الوزراء حسب رغبة ورضى رئيس الوزراء المُعيّن بشكل مباشر من قبل الرئيس الذي يقوم أيضًا بتعيين الوزراء وباقي أعضاء الحكومة، بناءً على توصيات رئيس الوزراء الجديد، وبهذا فإن رئيس الوزراء يمتلك صلاحيات مفتوحة، حسب مدى قربه ومعرفته بشخص الرئيس، وقدرته على مدّ شبكة علاقات قوية مع الأجهزة الأمنية؛ ما يجعل المواطن فريسة تشكيلة حكومية مشجِّعة على الفساد واستغلال المنصب العام لخدمة المصالح والمنافع الشخصية، تمدّ أذرعها الطويلة لتصل إلى كافة مفاصل ومؤسسات الدولة التي تحوّلت إلى مرتعٍ مخيف للرشوة واقتناص العمولات.

هذا الفساد المتأصِّل تمّت ترقيته؛ ليتخذ أشكالًا متنوعة تتطور يومًا بعد يوم، من قِبل الفاسدين الذين ازدادوا شراسة وكثافة مع  الحرب، وصاروا الشريحة المتحكمة بكافة الأمور، غير عابئين بما يترتب على المواطن الذي خنقته رائحة الفساد على كافة المستويات. أما طرق علاج الفساد التي يتم اللجوء إليها، كلما تفاقمت الأوضاع السياسية والاقتصادية، فتقتصر على إقالة بعض المديرين أو إحالة عدد من الموظفين الحكوميين إلى القضاء بتهمة الفساد، ويرافقها تصريحات لمسؤولين عن معالجة الفساد والقضاء على جذوره، والتي تحوّلت إلى مادة للسخرية لدى المواطن السوري الذي اعتاد عدم التفاؤل لا بالتصريحات ولا بالحكومات ولا بالمعالجات الهشّة، وبات -كلما تشكلت حكومة- يُعِدُّ نفسه لأسماء جديدة من الفاسدين، وكلما ارتفعت الدعوات لمحاربة الفساد؛ وطّن نفسه على استقبال آليات جديدة ومتجددة للفساد.

الحكومة المؤقتة: مع انقسام الشارع السوري بين “المعارضة والمولاة”؛ شجّعت دول “أصدقاء سورية” مجموعةً من المعارضة والائتلاف الوطني لقوى الثورة على نيل الاعتراف الدولي لتشكيل الحكومة المؤقتة، وأُعلن عنها في اجتماع إسطنبول بتاريخ 19 آذار/ مارس 2013، تمهيدًا لتشكيل حكومة انتقالية يتفق عليها الجانبان: “النظام والمعارضة”، تكون بداية طريق لوضع إطارٍ لعملية الانتقال نحو قيادة جديدة، ينتخبها الشعب صاحب السلطات الأول والأخير في سورية، ومعالجة الآثار الناتجة عن الحرب وتأمين الخدمات الأساسية وغيرها، لكن هذه الحكومة المؤقتة التي استبشر بها البعض، بوصفها حكومة تتشكل من شخصيات وطنية ملتزمة بأهداف الثورة السورية، ما لبثت أن غرقت في مشكلات خارجية وداخلية عديدة، لتكون مجرد هيئة إدارية توافقية، لها عملها الخدمي داخليًا والمترقب للمواقف الخارجية، ولتواجِه، من قبل أطياف معارضة عديدة، سيلًا من الانتقادات تركزت حول نقاط عدة، أولًا: شرعيتها في ظل عدم الاعتراف القانوني الدولي بها، ثانيًا: وجودها في الخارج وضعف الامتداد الشعبي في الداخل والخارج، وانعدام القدرة على تمثيل الإرادة الشعبية السورية، ثالثًا: الاستقلالية الوطنية وعدم الخضوع لتوجيهات أي دولة أجنبية أو تنفذ أجندتها. ولم يمضِ وقت قصير حتى بدأت تنتشر تُهم الفساد الإداري والمالي والاختلاس، وتوظيف الأشخاص بشكل مناطقي، ودفع رواتب خيالية لموظفين لم يروا مبنى الحكومة. ومع شح التمويل؛ بدأ يضعف دورها في الداخل، وهذا كله جعل سمات الحكومة المؤقتة، في أذهان السوريين، مشابهة نسبيًا لما عرفوه عن الحكومة الرسمية.

حكومة الإنقاذ في المناطق المحررة: تزامنًا مع محاولات (هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة) السيطرة على كامل المفاصل الاقتصادية والخدمية في إدلب، وانضمام إدلب إلى اتفاق “تخفيف التوتر”، أطلق مجلس مدينة إدلب في 15 آب/ أغسطس 2017 مبادرةً لتشكيل هيئة تأسيسية لـ “حكومة إنقاذ”، تنبثق عنها إدارة مدنية مستقلة لا تخضع لأي جهة عسكرية أو فصائلية، وذلك خلال اجتماع حضره ممثلون عن الحكومة المؤقتة، ومعظم مؤسسات المجتمع المدني في إدلب وما حولها، على أن تحدد مهمات الهيئة بتسمية رئيس الحكومة والمصادقة على الوزارات وتشكيل لجنة لصياغة الدستور، وأعلن “المؤتمر السوري العام” الذي عقد في 17 أيلول/ سبتمبر الماضي في إدلب، عن تشكيل مجلس تأسيسي، لتسمية رئيس حكومة جديد، واتفق الحاضرون في المؤتمر على أن “الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع”، إضافة إلى “إسقاط النظام اللاشرعي القائم بكل رموزه وأركانه ومحاسبته على جرائمه”. هذه المبادرة التي تمّ ردّها إلى الفوضى التي تعمّ المناطق “المحررة”، وإلى عجز “الحكومة المؤقتة” عن تأمين أدنى مقومات الحياة، تواجه العديدَ من المشكلات، أهمها القدرة على الحدّ من تسلط “هيئة تحرير الشام”، وتواجه رفضًا مسبقًا، فالحكومة المؤقتة رفضت مُخرجات المؤتمر، وقد وصفه رئيسها جواد أبو حطب بأنه إعلان لمشروع “إدلبستان”، كما فعلت (قوات سورية الديمقراطية) في القامشلي وعفرين، وعدّه كثيرون التفافًا على ما أعلنته “الحكومة المؤقتة”، في مطلع أيلول/ سبتمبر الفائت، عن تشكيل “هيئة أركان” كنواة لـ “جيش سوري موحد”، ورفضه آخرون باعتباره حكومة مناطقية دينية لإدلب، وزيادة تشتت في صفوف مؤسسات المعارضة بوجود الحكومة المؤقتة. فمشروع حكومة الإنقاذ الذي لم يكتمل بعد ما زال قيد تباين الآراء حولها، ريثما تتحدد سماتها العامة في الأذهان، وتزيد في الطنبور نغمًا.

السوريون الذين حلموا بتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام مبدأ سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات الفردية، والتأسيس لدولة القانون التي تحتضن أبناءها كلهم، صار لديهم بدل الحكومة ثلاث حكومات، ولم ينالوا سوى التيه، بعضهم تاه في الشتات، وبعضهم تاه داخل جدران البلد بحثًا عن قوت يومه الذي تنهشه مافيات الفساد المتأصل، وظلّوا يحلمون بوطن.