موسكو “اللدودة” “الحبيبة”

يقال إنّ “السياسة فن الممكن”، وإنّ “السياسة ليس فيها مبادئ بل تحكمها المصالح”. جرت وتجري أحداث كثيرة مترابطة في الساحة العربية والروسية، لا نستطيع فهم أبعادها تمامًا.

في بداية الثورة السورية عام 2011، شهدنا سخطًا عربيًا على دعم موسكو للأسد، باستخدامها حق النقض “الفيتو”، ونتذكر عبارات الوزير السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل في مؤتمر القمة العربية، عندما انتقد موقفَ الرئيس الروسي بوتين في دعمه لبشار الأسد، في وقت يرتكب فيه جرائم ضد الشعب السوري. ولا ننسى التصريحات المتكررة واللافتة للوزير “الجبير” بأن الأسد يجب أن يرحل إما بالتي هي أحسن وإما بالقوة!

ذاكرة السوريين لم تمت، ولن تموت، كما هي ذاكرة أي شعب في العالم. ولذلك يتساءل الكثيرون عن تفسيرٍ لما يجري. ما المغزى الحقيقي منه؟ كيف تتحول موسكو، من “لدودة” إلى “حبيبة”! هل تغيرت الوقائع والحقائق؟ أم تغيرت المواقف والثوابت!

تاريخيًا، لطالما كانت موسكو صديقة للعرب، منذ أيام الاتحاد السوفيتي، بغض النظر عن التقويم الدقيق لدرجة تلك الصداقة، فالأمور نسبية في العالم، وحتى بداية الثورة كان السوريون يتمنون دعم موسكو لهم، في احتجاجاتهم المشروعة للتحرر من قبضة المخابرات السورية الخانقة، ولتحقيق كرامتهم وإنسانيتهم. لكن ما جرى هو أن موسكو فضّلت الانحياز إلى المصالح الجيوسياسية؛ فدعمت نظام الأسد، وبررت كل سلوكه الوحشي ضد الشعب. ومع كل ذلك، تحولت موسكو اليوم إلى “حبيبة” للعرب.

هل تغيرت حقائق التاريخ القريب؟ أم تغيرت ثوابت الدول؟ سؤال مشروع يطرحه الناس العاديون والمثقفون، ولا جوابَ كافيًا ومقنعًا. ويقول البعض إن السياسات محكومة بالمصالح، وإنه لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة!

إنّ أي إنسان عقلاني يتمنى تحقيق الأمن والسلام والقانون، بحيث يعيش الناس بكرامتهم. ولكن هل يمكن نسيان الجرائم، وترك مرتكبيها من دون أي محاسبة؟ هل تغيّرُ المصالح حقائق التاريخ؟ هل يمكن خلط السياسة بالأخلاق أم أنهما خطان متوازيان لا يلتقيان (إلا بإذن الله).

يبدو أن ما جرى ويجري في السنوات الأخيرة، في سورية والساحة العربية، وعلاقة موسكو بذلك، يحتاج إلى فهمٍ كوني واسع، يتجاوز مستوى الطموحات الإنسانية للسوريين في العيش بحرية وكرامة.

سيأتي يوم ونشرح مسيرة الثورة السورية، ونوضّح كل ما أحاط بها من تأثيرات، ونبيّن دورَ القوى المختلفة في تشويه وحرف الثورة عن توجهاتها الشعبية الوطنية العفوية الصادقة.

ولا يفارقنا شعور مرير، وهو لماذا انفضّ عنا “الأصدقاء”؟ بل هل كان لدينا أصدقاء حقًا؟ ومن هو الصديق الحقيقي؟ ولماذا انقلب العديد من الأصدقاء والأشقاء، من مؤيدين بحماس لمطالب الشعب السوري المشروعة إلى باحثين عن مصالحهم بالدرجة الأولى؟ أي لماذا تغيرت أولويات البعض بشكل سريع، لم نستوعبه بعد.

تبًا لهذا العالم الذي تسوده قوانين شريعة الغاب. ولا حياة لمن تنادي. لكن ما أنا مقتنع به بالمطلق هو أن شعار “إلى الأبد” أصبح من الماضي. وأن الشعب السوري دفع ثمنًا غاليًا، ليفتح صفحة جديدة في تاريخ الشعوب، ولن تذهب تضحياته سدى. فحسب قوانين “حفظ المادة”: لا شيء يخلق من العدم، ولا شيء يفنى في الكون، بل ينتقل من حالة إلى أخرى. ونحن -السوريين- يجب أن نعرف كيف تحولت المواقف التي تخص قضيتنا، والحالات المرتبطة بها، من شكل إلى آخر، وما هي الحيثيات والدوافع لتلك التغيرات التي قد تبدو مفاجأة وغير مقنعة للكثيرين.