ظواهر جهادية.. عن التزامن والتخاطر السلفي الأميركي

شهد أيلول/ سبتمبر تطوراتٍ عدة، على صعيد الحرب الدائرة في سورية، منها ما كان متوقعًا ويمكن التنبؤ به بالنسبة إلى المراقبين، وهو ما يتعلق بالتفاهمات الأميركية الروسية، وما نتج عنها من تقدم النظام في البادية وصولًا إلى دير الزور، وضم إدلب وريف حماة إلى اتفاقات خفض التصعيد، ومنها مفاجآت خارجة عن الحسابات، كانت من نصيب السلفية الجهادية بكافة تدرجاتها على منحنى التشدد، ويمكن تسميتها بالسلفية “الدونكشوتية”، نظرًا إلى طبيعة المعارك غير مفهومة الهدف والتوقيت، والتي لا تحقق أي إنجاز ما خلا مئات القتلى من المدنيين.

هذا ما حدث في ريف حماة الشمالي وريف دير الزور الغربي وحمص الشرقي، حيث عاد “إخوة المنهج” في (هيئة تحرير الشام) و(داعش)، إلى واجهة الأحداث عبر فتح معارك، تُشكل ظواهر عصيّة على التفسير، نظرًا إلى الواقع العسكري على الأرض والمناخ السياسي الإقليمي والدولي المائل للتفاهمات حول الحلّ في سورية وليس الصراع. لذا لا بدّ -في محاولة تفسير ما يجري- أن يتبع منهج شامل، يقوم على ربط الخارطة السورية ببعضها، وتفكيك المصالح والتفاهمات الأميركية الروسية، ولنبدأ بما حدث في دير الزور، بعد أن تمكن النظام من دخولها وفك الحصار عن قواته المحاصرة فيها عبر البادية السورية، حيث تقدم من خلالها، بعد تفاهم أميركي-روسي قضى بفتح الطريق أمام قوات النظام والميليشيات الرديفة لها للتقدم نحو المحافظة، ومنع الولايات المتحدة الفصائل المدعومة من قبلها في البادية من اعتراض تلك القوات، وبالمقابل جرى اقتسام معركة دير الزور بين أميركا وحليفتها (قسد)، في الضفة الشرقية للنهر، وروسيا وحلفائها من قوات النظام والميليشيات الإيرانية، في الضفة الغربية للنهر؛ وعليه كان (داعش) ضحية لتلك التفاهمات، حيث توالت خسائره على الضفتين.

لكن ما إن نقضت موسكو الاتفاق، عبر دعم عبور قوات النظام إلى الضفة الشرقية، في 18 أيلول/ سبتمبر؛ حتى فتحت (هيئة تحرير الشام) معركةً مجهولة الأسباب في ريف حماة الشمالي، وهي ليست المرة الأولى التي تفتح فيها معركة في ريف حماة الشمالي، بالتزامن مع السباق بين قوات النظام وقوات (قسد)، على مناطق (داعش)؛ ففي 21 آذار/ مارس الماضي، فتحت المعركة ذاتها بالتزامن مع تقدم قوات النظام من ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الطبقة، في سباق مع قوات (قسد) للوصول إلى المدينة، ونتيجة لمعركة حماة، فازت (قسد) بالسباق، وعلى الرغم من أن (هيئة تحرير الشام) تذرعت يومئذ بأن المعركة هي نصرة لمعركة دمشق التي تخوضها الفصائل في جوبر، إلا أن تلك الحجة تبدو غير منطقية، لكون قوات النظام في دمشق ثابتة ولا يتم تحريكها إلى باقي الجبهات، ولكن القوات التي كانت متقدمة باتجاه الطبقة (قوات النمر) هي المسؤولة عن جبهة حماة، وبالتالي فإن المعركة ستؤدي إلى عرقلة تقدمها لصالح (قسد)، وكلا المعركتين في الريف الحموي لم تعط أي نتائج، بل تسببت في دمار كبير واستشهاد عشرات المدنيين من جراء الغارات، وسيطرة النظام على مزيد من الأراضي خلال هجومه المعاكس، من ناحية أخرى كان توقيت معركة حماة الأخيرة، بعد ثلاثة أيام من اجتماع أستانا الذي تضمن ضم ريف حماة الشمالي وإدلب إلى اتفاقات خفض التوتر، الأمر الذي يُرجَّح أن يكون رسالة أميركية لروسيا صاحبة هذا المسار، حول إمكانية تقويض جهودها لفرض الحل في سورية، إذا ما خرجت عن التوافقات في دير الزور، وهو ما يبدو أقرب إلى المنطق من تحليلات وفد المعارضة لأستانا التي اعتبرت أن معركة حماة تمت بالتواطؤ بين النظام وإيران و(النصرة)، لتكرار سيناريو حلب، فالنظام وإيران اليوم ليسا بوارد فتح أي معركة جديدة، ريثما تتم السيطرة على دير الزور، واتفاقات خفض التصعيد هي من أتاحت له فرصة تركيز جهوده وقواته على تلك المعركة، فالأولى به وبحليفه الإيراني أن يحافظ على مناطق خفض التصعيد ومسار أستانا، لا أن يقوضه، ويدعم هذا التحليل استخدامُ موسكو للقوة المفرطة في الرد على معركة حماة، وارتكاب مجازر في ريفها وفي ريف إدلب؛ ما يشير إلى أن الرد الروسي كان على الرسالة الأميركية أولًا بعدم اللعب مع موسكو ومحاولة استنزافها في إدلب وبعبارة أخرى: إن أردتم تحويل إدلب إلى أفغانستان؛ فسنحولها إلى غروزني. كما حمل الرد الروسي رسالة ثانية للفصائل العاملة في إدلب، حول ضرورة محاربة (النصرة) ومنعها من فتح معارك أخرى تقوض اتفاق خفض التصعيد، وهو ما طلبه الروس صراحة من الفصائل في أستانا، بحسب تصريحات وفد المعارضة.

أما عن هجوم (داعش) المعاكس والقيامة المفاجئة للتنظيم من تحت الرماد في دير الزور، فلا يخلو أيضًا من أسئلة حول التوقيت المتزامن مع التصعيد الروسي الأميركي في معركة دير الزور، فموسكو -التي يبدو أن رسائل ريف حماة وإدلب لم تكن كافية بالنسبة إليها- قصفت في 25 أيلول/ سبتمبر مواقع (قوات سورية الديمقراطية)، في معمل غاز (كونيكو)، في إشارة إلى أنها لن تتنازل عنه، وهو أمرٌ أثار حفيظة الولايات المتحدة؛ فأتى الردّ على يد تنظيم (داعش) الذي شن في 28 أيلول/ سبتمبر هجومًا واسعًا، استهدف مواقع النظام على طول 300 كم في البادية، وكبّد قواته أكثر من 120 قتيلًا، وأدّى إلى وقف محاولات النظام للتقدم في الضفة الشرقية لنهر الفرات باتجاه حقول النفط والغاز المهمة، واستمرار تقدم (قوات سورية الديمقراطية) الهادئ والخالي من المنغصات “الداعشية”، على عكس ما يحدث في الضفة الأخرى لقوات النظام، فلماذا يركز (داعش) ثقل هجومه المعاكس ضد قوات النظام فقط؟ ولماذا لم يتدخل طيران التحالف لوقف هجومه المعاكس ضد قوات النظام؟ يُضاف إلى هذه التساؤلاتِ التصريحاتُ الروسية، حول عدم رصد معارك حقيقية بين (داعش) و(قسد)، في أثناء تقدم الأخيرة في دير الزور، ومقتل الجنرال الروسي فاليري أسابوف بقذيفة واحدة موجهة، استهدفت مقره في دير الزور بتاريخ 24 أيلول/ سبتمبر.

تلك المناقشة تضعنا أمام احتمالين، لا ثالث لهما، إما أن ما يجري من تزامن بين معارك إخوة المنهج والسياسة الأمريكية هو محض مصادفة قدرية، وتأييد إلهي لترامب في سورية، أو أنه تحريك لأسهم الولايات المتحدة في الشركات الجهادية العاملة في سورية، مما يستلزم تحريكًا مقابلًا لأسهم موسكو وطهران، قد نشهده في الأيام القادمة، وما بين هذين التحريكين تُشكّل دماء السوريين في دير الزور وإدلب وحماة حبرًا للرسائل المتبادلة بين الكبار.