سورية من الصراع عليها إلى الصراع فيها..56 عامًا من الانفصال

(1)

أستعيدُ اليوم تلك المخاوف المبكرّة التي راودتني، صبيحة يوم 28 أيلول/ سبتمبر 1961، في ذلك اليوم لم يكن انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة مجردَ عودة إلى خريطة (سايكس–بيكو)، وإنما كان بداية هجوم مضاد على مشروع التحرر والنهوض العربي، حتى في الأجزاء، لم يكن الانفصال ثأرًا “للسايكسبيكية”، وحسب، ولا يستهدف الحفاظ على “الدول الواقعية” التي أفرزتها مخططات وخرائط قوى الهيمنة الدولية، بل قبل ذلك، وبعده، كان يستهدف تحطيم النسيج الاجتماعي حتى في الأجزاء، وتوجيه ضربة قاصمة لمشروع النهوض حتى في الأقاليم المجزأة، فمن رحم انفصال الإقليم الشمالي، وُلدت نظمٌ استبدادية سادت في الوطن العربي على مدى النصف قرن الأخير، أعادت إنتاج عصبويات تحكمُ بها، وعصبويات تتحّكم فيها؛ ما أدى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي في الأجزاء، وإضعاف حتى الأجزاء، الضعيفة أصلًا، مما أدى إلى هزائم عام 1967، وتبعية الحكام المطلقة لمشاريع قوى الهيمنة الدولية مقابل أن يكونوا حكامًا، ومقابل إطلاق أيديهم في إلغاء دور المجتمع، ومؤسساته، وأحزابه، ونقاباته، بمعنى أدق كانت صفقة بين الطغاة والغزاة، تم بموجبها تصنيع طغيان متوحش منفلت على الداخل، مقابل خضوع واستخذاء مذلّ للخارج، نجد ترجمته الفعلية في صفقات الاستسلام السرية والمعلنة للصهاينة، وإطلاق يد قوى الهيمنة الدولية والإقليمية في استنزاف الثروات العربية ونهبها، بينما أغلبية الشعب العربي تعيش تحت خط الفقر، وعلى الرغم من أنني، بالوعي المتواضع “للولدنة” في تلك الأيام، كنت أتلمّس مخاطر النظام الشمولي على المشروع النهضوي العربي، وعلى الجمهورية العربية المتحدة بالذات، إلا أن ذلك الوعي المتواضع المبكر كان مغلفًا بحلم كبير، تضخم في عقولنا إلى حد تبرير النظام الشمولي للعربية المتحدة، بأنه مؤقت، وأنه ضرورة لمواجهة الرجعية والاستعمار وأعوان الاستعمار، إلى أن ثبت، في ما بعد، أن ذلك النظام الشمولي كان مخلب القط للرجعية والاستعمار وأعوانه، عندما تمّ استخدامه في الانقضاض على العربية المتحدة، وعلى المشروع النهضوي العربي برمته، بعد التخلص من جمال عبد الناصر، ومن ثم؛ بدأ استنساخه بوسائل هزلية وفجائعية في الوطن العربي، عبر نظم استبدادية فردية بالغة الخطورة على الأجزاء، وعلى الكل في الوقت ذاته، وهكذا تحطم الحلم بالتقدم إلى الأمام في الوطن العربي عمومًا، وفي سورية على وجه الخصوص تكشف أن الغاية من الانفصال لم تكن التخلص من النظام الشمولي للعربية المتحدة، وإنما كانت الغاية تفريخ نظم شمولية واستبدادية، تعاقبت أجهزتها المتوحشة على تدمير النسيج الاجتماعي لمجتمعنا، وقطع الطريق على مشروع النهوض والتقدم، وما فعله ويفعله الذين ورثوا، وورثّوا الانفصال حتى هذه اللحظة.. بالغ الدلالة، حيث الذين كانوا يستكثرون علينا حلم الوحدة العربية، باتوا يستكثرون علينا حلم وحدة المجتمع، في الدولة الواقعية “سورية” التي يهددون هذه الأيام بإحداث حروب أهلية داخلها.

(2)

على أي حال، حتى لا تأخذنا أفراح ذلك الزمن وأحزانه بعيدًا، دعونا نعدْ إلى أحزان اللحظة الراهنة، حيث يستغل من يشاء ما يشاء، لاستثمار هذا التخريب الاجتماعي الذي أنتجه الطغاة والغزاة، والبناء عليه عبر مخططات وخرائط غير خافية على أحد، أُعِدّت في مطابخ قوى الهيمنة الدولية والمعادية للوجود القومي للأمة العربية، استنادًا إلى دراسات وأبحاث معمقة في التاريخ العربي، استحضارًا للفتن التي عصفت بالوجود العربي، وحتى لا يقال إننا نتحدث عن مؤامرة، ومخططات سرية، دعونا نقف باختصار عند المخططات التي أعلنها الصهاينة من هرتزل إلى بن غوريون وشاريت، إلى وثيقة “خطة إسرائيل في الثمانينيات”، والمقصود ثمانينيات القرن المنصرم، والتي تتضمن خرائط واضحة لدول الطوائف والأعراق بين المحيط والخليج، والتي ترجمها الصهيوني شمعون بيريز في كتابه الشهير (نحو شرق أوسط جديد) بلغة دبلوماسية، ثم في التشكيلات التي أعلنتها الحركة الصهيونية العالمية في ما أسمته “البحث عن أرض مشتركة في الشرق الأوسط”، خلال تسعينيات القرن المنصرم أيضًا، والذي تم تجنيد أعداد هائلة من الأكاديميين والإعلاميين والكتاب والفلاسفة، نسبة كبيرة منهم يحملون جنسيات “دول عربية”، إضافة إلى مراكز أبحاث ودور نشر وصحف ومحطات إعلامية، تبحث في أرومات الجماعات البشرية في هذا الذي يسمونه “الشرق الأوسط”، عن أممٍ غير عربية في الوطن العربي، تحمل هويات طائفية ودينية وعرقبة وإقليمية. ثم، لطمس الهوية العربية نهائيًا، تمّ تطوير ذلك الشرق الوسط القديم إلى الشرق الأوسط الكبير، بعد أن ضاق الشرق الأوسط التقليدي بمخططاتهم؛ لتكون النتيجة أن هذا “الشرق الأوسط” يضم أقليات قبلية وقومية وعرقية ودينية وطائفية ومذهبية، وأنه لا هوية تجمعها، بل بينها من الصراعات ما صنع الحداد، وبالتالي لا وطن، ولا مواطنة، ولا أمة عربية، ولا من يحزنون، ثم في مرحلة لاحقة؛ لا يبقى عراقيون بل شيعة وسنة وأكراد، ولا سوريون بل… ولا لبنانيون بل… وهكذا بين المحيط والخليج، وفتح الغرب خزائن تاريخه الاستعماري للوطن العربي، ليتم انتقاء وثائق بعينها، لا يملك أحد إمكانية التأكد من صدقيتها، للبحث عن جذور للفتن الحاضرة والمستقبلية، وللتدليل على أن هذا الانحطاط الراهن إلى ما قبل المواطنة حتى في الدول الفعلية الإقليمية، والذي صنعته سلطات الطغاة والمستبدين على امتداد عقود، لم يكن وليد اللحظة، وإنما تمتد جذوره عميقًا في التاريخ، وإن الأصل هو الاقتتال والاحتراب بين الجماعات البشرية، في الأجزاء وفي الكل العربي، وليس المواطنة، وهكذا بدأت المسألة بالتشكيك بوجود الأمة العربية، وبالتالي بالوطن العربي وبالمواطنة العربية، فبعد المخططات السايكسبيكية الغربية، تم الاستعانة بفلاسفة الاتحاد السوفيتي المشرقي المنقرض؛ ليقرروا في العقد السابع من القرن العشرين المنصرم، أن الأمة العربية غير موجودة، وربما تكون في طور التكوين، ثم، في مرحلة لاحقة امتد التشكيك بالوجود الإقليمي إلى دول (سايكس-بيكو) ذاتها، والانحطاط بالتالي للتشكيك بالمواطنة في تلك الأجزاء والانحدار من المواطنة في الأجزاء إلى تجزئة المجزأ، عبر الطائفة والمذهب والإثنية والمناطقية، وبما أن هذا السقوط المريع يحتاج إلى بعدٍ تاريخي؛ فقد تم تجييش محطات فضائية وإذاعات وصحف و”مؤرخين” ورجال دين و… يصرخون ليل نهار، لابتداع حدود فاصلة بين المواطنين، وتقسيمهم تعسفيًا إلى جماعات متناحرة، فتلك الجماعة “كافرة”، وتلك الجماعة “عميلة”، وتلك من “الروافض”، وأخرى من “النواصب”، وذلك العرق مشبوه، وهكذا… باختصار شديد: إن الغاية المباشرة لذلك كله كانت -وما تزال- تحطيم النسيج الاجتماعي، وضرب القيمة الإنسانية للمواطنة التي تقوم على الاختيار الفردي الراشد لكل مواطن، في إطار الهوية الوطنية الجامعة، ومن ثم الانحدار به وحشره قسريًا، شاء أم أبى، في عصبةٍ ما، دينية أو عرقية أو إقليمية، عليه أن يحمل أوزارها، وأن يَقتل، أو يُقتل، لأنه بيولوجيًا وُلد في هذه الجماعة، أو تلك… وعلينا أن نعترف -بلا مواربة- بأن قوى عديدة دولية وإقليمية ومحلية، انتعشت مع انحسار مشروع النهوض العربي، متصارعة فيما بينها، صحيح، لكنها متوافقة على اعتبار الوطن العربي ساحة للمتصارعين عليه، وليس وطنًا لأبنائه، إنه -بالنسبة إليهم- كعكة يتصارعون لاقتسامها، مع استعداد للصراع حتى المسلح على المحاصصة بينهم، وهذا يحتم على الباحث المنصف، بشكل خاص، أن لا يتوه في تفاصيل الصراعات ضمن هذا الفريق أو ذاك، ويُغفل في الوقت ذاته اتحادها على ما بينها من تناقض ضد الوجود الاعتباري للأمة العربية؛ مما يدفعها على التكامل في العمل، لتفتيت النسيج الاجتماعي العربي.

(3)

لقد كان هذا كله يقتضي إلغاء مفاهيم وضوابط الوطن والمواطنة في الأجزاء، وفي الكل العربي لصالح أقليات عرقية وطائفية، وقد تم ذلك عبر:

1 – خطة تنفيذية، نفذتها الجيوش الاستعمارية، بتصنيع الدول الفعلية “السايكسبيكية” أو ما أسميناه “العدوان بالدول” على الأمة العربية، استغرق تنفيذها العقود السبعة الأولى من القرن العشرين؛ وأنتجت اثنين وعشرين “دولة” ومستوطنة.

2 – ضمان تبعية “الدول” المصنعّة في الوطن العربي لمخططات دول الهيمنة الدولية، عن طريق سلطات قمعية يتم تسليطها على المواطنين في تلك “الدول”، سماتها الأساسية تتمثل بعدم شرعيتها التمثيلية للشعب، واعتمادها أساليب القمع، وإضعاف النسيج الاجتماعي عن طريق اعتماد عصبة معينة في التسلط، قد تكون عرقية أو دينية أو طائفية أو مذهبية أو مناطقية، وتصديرها في مواجهة المجتمع، ونقل الصراع من صراع مجتمعي في مواجهة الاستبداد والتبعية، إلى صراع مجتمعي داخل الجماعة البشرية ذاتها، وهذا يحقق نتائج ثلاثة مهمة: الأولى استمرار الاستبداد، والثانية السيطرة على موارد المجتمع وتوظيفها لحماية الطاغية الذي يحتاج إلى قوى هائلة للحماية (حرس جمهوري، أو ملكي، أو أميري، وأجهزة قمع متغّولة على جميع مفاصل البلاد)؛ ما يعطل أي إمكانية للتنمية والتطور، ويستنزف الناتج الوطني، ويُحشر الشعب في زاوية الاستلاب للسلطة الشمولية التي تهيمن على مختلف قطاعات المجتمع الاقتصادية والوظيفية، لتأمين المتطلبات المادية الأساسية للحياة؛ فيتجه إلى التنقل بين التعبد في مؤسسات السلطة طلبًا للرزق، والأمان من القمع، وبين دور العبادة طلبًا للاستغفار، يؤله الطغاة علنًا في مؤسسات السلطة، ثم ينتقل إلى دور العبادة يتضرع إلى الله سرًا أن يقرّب ساعة الخلاص منهم، وتكون النتيجة أن الشعب بأغلبيته يهجر السياسة، والعمل العام عمومًا؛ فيتم توليد طبقة من الكائنات الطفيلية تتحكم وتحتكر المال والأعمال، ويرتبط بها مصير فئات اجتماعية واسعة، يتم تجنيدها عند الحاجة لصالح الاستبداد تحت أسماء شتى، وبالتالي نكون أمام نظام استبدادي وفّر جميع الأدوات والأجهزة والقوة للسيطرة والقمع في الداخل، لكنه -بالتوازي- افتقد جميع عناصر السيادة، وبات أسير مخططات دول الهيمنة الدولية، ينفذ أوامرها دون شروط مقابل إضفاء الشرعية الدولية عليه، وإطلاق يده دون حدود للقمع في الداخل والسيطرة على مفاصل المجتمع إلى درجة إيهام الخارج الدولي أن مصالحه ستتهدد تهديدًا شديدًا إذا تهدد النظام، وبالتالي، فإن يد النظام يجب أن تكون مطلقة في تصفية البدائل، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو دينية، أو.. وبالتالي يجب أن ترفع صور الطغاة في كل مكان، من دور العبادة وحتى صالات الملاهي، إضافة إلى التماثيل والملصقات في المؤسسات والشوارع والساحات العامة، وهذا هو الغطاء الذي وفرته قوى الهيمنة الدولية لسلطات الاستبداد في الوطن العربي، على امتداد العقود الخمسة المنصرمة.

3 – مخططات احتياطية تمّ وضعها والترويج لها بالتوازي مع تصنيع “الدول” و”السلطات” في الوطن العربي، تتمثل في إطلاق يد النظم الاستبدادية لتدمير النسيج الاجتماعي في الأجزاء بعد تدميره في الكل القومي، فإذا باتت سلطات الاستبداد عاجزة عن السيطرة، أو بات استمرارها مكلفًا؛ فإن البدائل تكون “دول الطوائف”، أو “دول الإثنيات”، أو “دول الثراء”، أو “دول الفقر”، أو خليط منها جميعًا، حسب الحاجة، باختصار: تكون البدائل كلها باتجاه المزيد من التفتيت، وليس باتجاه الوحدة، وهكذا.

(4)

هذه المخططات الاحتياطية الأخيرة التي يعتمدها الخارج، والتي مهّد لها -بقصد أو من دون قصد- طغاةُ الداخل لتدعيم سلطاتهم، هي التي تروّج لها الآن أنظمةُ الاستبداد، ودول الهيمنة الدولية، بما في ذلك دول الجوار الإقليمي، ومستوطنات صهيون، وكأن المواطنين العرب مجبرون على الاختيار بين خيارين حصرًا: إما الرضوخ للمستبدين، وإما الاقتتال الأهلي الذي يرتفع الحديث عنه في كل مكان من هذا العالم، إما التقوقع والاستلاب لسلطات الطغيان السايكسبيكية، وإما الانحدار إلى ما دون ذلك في كانتونات دول الطوائف والإثنيات، ولعل التحدي الرئيسي والأساسي للربيع العربي يكمن في هذه الساحة بالذات، فالطغاة في طريقهم للرحيل، لأنهم باتوا عبئًا حتى على قوى الهيمنة الدولية التي احتضنتهم خلال العقود المنصرمة، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من رحل، ومنهم من ينتظر، وقوى الهيمنة الدولية أنهت العمل بتوكيلاتها لبعض الحكام، وتبحث إنهاء التوكيلات الممنوحة لمن تبقى منهم، وتبحث عن بدائل، أو اختراقات في صفوف الثوار العرب، فالربيع العربي فاجأهم، ربما ليس في أنه حدث، ولكن في التوقيت والتسارع، وبات عليهم الانتقال إلى التبشير بالخطط البديلة، وهنا نعتقد أن ساحة الحسم، بما يتعلق بمستقبل الربيع العربي، تتمركز الآن حول هذه القضية المتعلقة أساسًا ببنية النسيج الاجتماعي في الأجزاء، وفي الكل العربي، فالضغوط الداخلية والخارجية لإجهاض الربيع العربي، وحرفه عن أهدافه النبيلة، واحتواء نتائجه، ستتصاعد إلى حدها الأقصى. في هذا السياق يتسابق الكثيرون بحسن نية أحيانًا وبسوء نية أكثر الأحيان؛ لنبش ما يسمونه أحداثًا أو وثائق تاريخية، ونشرها، قد تكون صحيحة، وقد تكون مزورة للتأسيس التاريخي لاحتراب أهلي حاضرًا ومستقبلًا، وليست المشكلة في صحة تلك الوثائق أو زيفها، وإنما في الإطار والسياق التي تنشر من خلاله، فمثلًا قد نكون أمام واقعة تاريخية صحيحة، هي أن الاستعمار الفرنسي قرر تقسيم الجزء الذي يحتله من سورية الطبيعية إلى خمسة دول، وأن هناك وثائق صحيحة أيضًا بأن البعض من تلك الأجزاء قد سار في ركاب المستعمر لتنفيذ التقسيم، وأن هناك وثائق صحيحة أيضًا بأن مشروع التقسيم وُوجه بمقاومة عنيفة من مواطنين في كل تلك الأجزاء، وأن تلك المقاومة نجحت نسبيًا، وأفشلت مشروع التقسيم حيث قامت دولة الجمهورية السورية في أربعينيات القرن المنصرم، الآن لو نشرت الوثائق لتضيء تلك الفترة التاريخية فتحدد من كان مع، ومن كان ضد، لا غبار على ذلك، بل هذا مطلوب وواجب، لأن المعرفة حق لهذا الجيل العربي، ليس من حق أحد حجبها عنه، لكن أن تتم الإضاءة على وثيقة ذات اتجاه واحد، للتدليل على أن جماعةً ما، بقضها وقضيضها، كانت مع كذا.. أو ضد كذا.. والتعتيم على الوثائق المناقضة، أو العكس؛ فنحن نكون في هذه الحالة أمام تزوير تاريخي، ولو كانت الوثائق المنشورة صحيحة، وهكذا فإن القراءة الموضوعية للتاريخ لا تكتفي بالتأكيد، أو النفي لصحة هذه الوثيقة، أو تلك، وإنما لا بد من البحث والتدقيق والتعليل والتحليل، ومن ثم البناء على الحقيقة مقتضاها، وهكذا فأنا لست في وارد توجيه الاتهام لأي كان.

ما يعنيني من الماضي هو التأسيس على الإيجابي من أحداثه ووثائقه، وللمجرمين في الحاضر أن يتابعوا خطى المجرمين في التاريخ، والنصر لمن يستحقه، وهكذا لا بد من تحديد موقف موضوعي من التاريخ الذي لم نتعلم بعد كيف نكتبه، والأنكى أننا لم نعرف كيف نقرؤه بعد، فالتاريخ لا يقرأ بالقطعة، لا يقرأ مجتزأ، إن أي حادثة في التاريخ، أو وثيقة يمكن أن تكون صحيحة مئة في المئة، موثقة بدقة لا يأتيها الباطل، لكن لو انتزعناها من سياقها التاريخي؛ لأمكن لفريقين متناقضين اعتمادها لإثبات موقفين متناقضين، فالتاريخ كائن حي، على الرغم من أنه بات خارج المقدرة الإنسانية على الفعل فيه، أو تغيير أحداثه. ما يعنيني الآن هو الحاضر والمستقبل، فتلك الوثائق في غياب وانحسار المشروع الحضاري للأمة يتم نبشها ونشرها بصيغ مختلفة، ليس للتوثيق التاريخي، وإنما للتزوير التاريخي وللتخريب في الحاضر والمستقبل، وللتدليل على أن لا مواطنة ولا مواطنين في سورية، وإنما طوائف وإثنيات، اضطهدت بعضها بعضًا تاريخيًا، وأن الفرصة مناسبة للثأر والمطالبة بحق تقرير المصير، لكل جماعة من تلك الجماعات، فالعلويون مثلهم مثل الأكراد في الجزيرة، ومثل الحلبيين، ومثل الشوام، ومثل المسيحيين، ومثل الدروز في السويداء، ومثل القبائل في البادية، يجب دفعهم إلى المطالبة بحقوقهم وإقامة دول مذهبية وطائفية وعرقية ومناطقية، وبالتالي، فيا أيها السوريون، ليس عليكم أن تتخلوا عن أحلامكم بأن تكونوا قلب بلاد الشام، أو قلب العروبة النابض، أو قلب حركة التحرر العالمية، وإنما عليكم مع ذلك، قبله، وبعده أن تتخلوا عن أحلامكم بأن تكونوا مواطنين في “دولة سورية”، فأنتم تاريخيًا، وواقعيًا مذاهب تظلم مذاهب، وطوائف تهشّم طوائف، وإثنيات تضطهد إثنيات، ومناطق تستغل مناطق، وجماعات متناحرة تفتك ببعضها بعضًا، فهل هذا هو الواقع فعلًا؟ وهل نحن متوحشون إلى هذا الحد؟ وهل يعقل أن نكون في القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد، من دون المعايير الإنسانية التي كنا عليها في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد؟

الأسئلة مشروعة، ونحن نبحث عن إجابات مشروعة، وندرك أن هذه المشروعية تتأتى من مصادر مشروعة، وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر شمولًا يتعلق بالفرز بين المشروع، وبين المصطنع في واقعنا الموضوعي الراهن: من يريد تقسيم دولة سورية الحالية إلى دول طائفية وإثنية؟ ومن يريد الالتزام بحدودها، كما رسمها سايكس وبيكو؟ ومن يريد أن تكون جزءًا من دولة خلافة إسلامية تمتد من جاكرتا إلى إسطنبول؟ ومن يريدها أن تكون جزءًا من ولاية إسلامية أخرى تمتد من طهران إلى صور؟ ومن يريد أن تكون جزءًا من دولة بابوية مسيحية تمتد من بوسطن إلى روما وأثينا وموسكو، ومن يريدها جزءًا من إقليم بلاد الشام، ومن يريد في مواجهة ذلك كله أن تكون إقليمًا في دولة قومية عربية ذات سيادة بين المحيط والخليج.. ومن يريدها سوقًا للرأسمالية العالمية، أو تعاونية للشيوعية الأممية؟ أسئلة لا بد من طرحها قبل الدخول إلى خصوصية هذه الطائفة أو الإثنية، ذلك أنّ لكل واحد من تلك الإرادات حاملًا محليًا، وقرارًا خارجيًا، لكن القاسم المشترك بين الإرادات التقسيمية هو إلغاء المواطنة بالمعنى الحقوقي المتمثل بالمساواة والعدالة والحرية.

(5)

هكذا أعادتنا أحزان اللحظة الراهنة واحدًا وخمسين عامًا إلى التاريخ، إلى نبع الأحزان الذي تفجر في 28 أيلول/ سبتمبر 1961، فهذا هو الإقليم الشمالي للعربية المتحدة، بعد نصف قرن من الانفصال في قلب العاصفة، هذا هو واقع الحال الدامي بين المتصارعين على سورية، وبين المتصارعين في سورية، فهل سيتمكن هذا الشعب العظيم من أن ينتزع هذا الوطن الحبيب من براثن المتصارعين عليه، ومن بين أنياب المتصارعين فيه، لتكون سورية كما يريدها شعبها، ناسها، مواطنوها، أهلها، أصحابها، وطنًا للحرية والمواطنة والمساواة والعدالة والثقافة والفنون والعلم والبناء والحضارة والتقدم، ومركزًا يشع على الإنسانية جمعاء قيم الحرية والعدالة والمساواة…؟ هل سيتمكن هذا الشعب العظيم من أن يلقي بالمتصارعين على سورية، وبالمتصارعين فيها مع مخططاتهم وفتنهم إلى مزابل التاريخ؟

إن هوية المستقبل في سورية، استنقاعًا وتخلفًا، أو نهوضًا وتقدمًا، تتوقف على مقدرة هذا الشعب العظيم على أن ينتزع قراره وإرادته بعد عقود من القهر والاستلاب؛ ليقرر لسورية ما يريد هو، وتلك الإرادة لن تتحقق إلا بهزيمة ما أراده ويريده الطغاة والغزاة معًا، إنه شعب حالم حليم، قادر وقدير، قرر منذ قرون أن تحلّق الطيور منطلقة من تلال الجمر والرماد، حاملة إلى العالم أحلامه في الحرية والعدالة، وما زال الحلم مشرعًا بأن تنطلق أحلامه من تلال الجمر والرماد والدماء الراهنة.