حلم كردستان بين الحصار والخذلان

استطاع الأكراد اقتناص فترة حرجة تمر بها المنطقة، ليتقدموا خطوة باتجاه تحقيق حلم الدولة القومية. وأيًّا تكن ردات الفعل والمواقف حيال استفتاء الاستقلال، فإن أحدًا من الأطراف الدولية والإقليمية، والأصوات المعترضة على ذلك، لم يقترب من مسألة الحق في ذلك الإجراء، أي حق تقرير المصير، الذي تكفله المواثيق والأعراف الدولية، وهو حق أصيل للأكراد كما للفلسطينيين، وشعوب العالم كله من دون تمييز، لكن اعتراضها جاء على التوقيت، وعلى أنه جاء من دون تنسيق مع الحكومة الاتحادية العراقية التي رأت فيه خروجًا على مبادئ دستور 2005.

في الواقع، لن تجد قيادة إقليم كردستان العراق بيئةً سياسية ملائمة، كالمرحلة التي تمر بها المنطقة، من أجل القيام بعمل أحادي الجانب، كما سمّاه وزير الخارجية الأميركي تيلرسون. فجميع دول المنطقة تلهبها الحروب المشتعل أوارها في سورية والعراق، وتشهد تدخلًا مباشرًا من طرفين معنيين بالقضية الكردية هما تركيا وإيران، فيما المجتمع الدولي منهمك بـ “محاربة” (داعش). أما الوضع الداخلي للإقليم، فإنه يعاني من أزمات سياسية ودستورية، بات من الصعب تجاوز مفاعيلها، من دون إنجازٍ ما يعيد شرعية البارزاني إلى الواجهة.

بمعنى ما، إن الاستفتاءَ على استقلال إقليم كردستان عن دولة العراق -في أحد وجوهه- محاولةٌ للخروج من عنق الزجاجة. وهكذا يتم استغلال مبدأ مقدس هو الحق في تقرير المصير، في سياق صراعات باردة، على السلطة في الإقليم. من هنا يمكننا قراءة دلالات المضي قدمًا في تعزيز هذا الإنجاز، بخطوات متتالية مثل الذهاب إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، أعلنت عنها المفوضية العليا للانتخابات في كردستان العراق، تجري مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

إلا أن هذا الاستفتاء، وضع القضية الكردية في بؤرة الاهتمام الدولي، بصورة لم تحدث من قبل، على الرغم من كل السياسات البراغماتية التي اتبعتها إدارة الإقليم، في نسج علاقات مع أطراف دولية وإقليمية، بما في ذلك (إسرائيل)، ولكنه -أيضًا- فتح المجال واسعًا أمام تحديات جديدة، في منحيين:

يتمثل الأول في أنه وضع المنطقة على فوهة بركان، تضاعفت فيه الإشكالات السياسية والدستورية المختلف بشأنها في الأصل، منذ إقرار الدستور العراقي قبل نحو اثني عشر عامًا، لم يجر خلالها أي مسعًى جاد لحلّ الخلافات، بين الإقليم ذي الحكم الذاتي في شمال العراق، وحكومة بغداد الاتحادية، ولم تبذل أي قوة دولية، مثل الولايات المتحدة بحكم دورها ومكانتها ومصالحها في العراق، أي جهد في هذا السياق.

الأمر الثاني يتجلى في إعادة بناء تحالفات إقليمية، كانت قائمة فيما سبق بشأن المسألة الكردية، ثم ما لبثت أن تراجعت بسبب الخلاف حول المسألة السورية. فعلى سنوات طويلة، ولا سيّما بعد اتفاق أضنة السوري – التركي 1998، شكّلت كلّ من تركيا وإيران وسورية والعراق، لجنة مشتركة، تتصل بالملف الكردي في المنطقة، والجامع المتفق عليه فيما بينها، هو بناء سياسات متوافقة على الاستمرار في تحجيم الحراك الكردي، فيما يتصل بالانفصال وإقامة دولة قومية.

اليوم يعود التنسيق على مستويات هي الأعلى بين أنقرة وطهران، وفي ظلهما دمشق وبغداد، والقاسم المشترك يتجاوز الموقف السياسي المعلن برفض نتائج الاستفتاء، إلى التفاهم على المضي باتخاذ إجراءات عقابية ضد إقليم كردستان؛ ما لم يتم التراجع عن الاستفتاء.

هذا التحالف، بلا شك، لن يكون في مصلحة الأكراد، وسوف يشكل دعمًا لسلطات بغداد، ويشكل إطارًا عامًا رافضًا لنتائج الاستفتاء، قبل أن يجد طريقه إلى التطبيق على الأرض. وهذا الأمر قد يقود إلى تطورات أكثر دراماتيكية؛ إذا ما خرجت الميليشيات الشيعية العراقية، من طور التهديد، إلى التوجه نحو كركوك.

مخاوف إيران وتركيا لا تتعلق برفض قيام كيان كردي في الشمال العراقي. بل لأن ذلك سوف يشكل بداية لسلسلة اضطرابات جديدة، بشأن المناطق ذات الأغلبية الكردية فيهما؛ فتذهب كل جهود التسويات والمصالحات، قبض الريح في تركيا. أما في إيران، فإن أي حركة مطالبة بالحقوق سوف تشهد قمعًا دمويًا غير محدود، والدور الإيراني الفاشي في سورية مثال حيّ.

ولكن، هل ستكون إجراءات الإغلاق والتضييق ناجعة؟ وهل يمكن لقيادات كردستان التراجع عن خطوة كهذه؟ في اعتقادنا ثمة إشكالية في هذه المعادلة، إذ إن كلًا من تركيا وإيران ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع الإقليم، وبخاصة تركيا. وأي حصار ذي أمد طويل، سوف يقود إلى ضرر مباشر على الشركات الاستثمارية، وهو ما لا يمكن تجاوز تأثيراته، في بلد مثل تركيا، يعمل على فتح آفاق جديدة للتعاون مع الأكراد بصورة أساسية، بالنظر إلى خصوصية وحساسية الملف. وهو ينسجم أيضًا مع توجهات البرزاني بعدم التطرق إلى قضية الأقاليم الكردية الأخرى خارج العراق: تركيا وإيران. كما أن التهديد بوقف ضخ النفط عبر الأراضي التركية، سوف يُدخل أنقرة في إشكالات مع الدول التي تتزود بنفط شمال العراق، عبر ميناء جيهان، كاليونان وفرنسا و(إسرائيل).

بالمقابل، من العبث القول بإمكان التراجع عن الاستفتاء، لكن تسويفه إلى أجل غير مسمى هو الاحتمال الممكن، في حال أن أربيل لم تتورط في الاستماع إلى الأصوات التي تطالبها، بتطوير الموقف، والمضي أبعد في مسار إنشاء الدولة القومية. وهو ما دأب الكيان الإسرائيلي وحده، على الدفع فيه منذ عام 2014، بشكل واضح ومباشر. والمصلحة الإسرائيلية، بالتأكيد، لا تتعلق بالنفط الذي تحصل عليه بأسعار مخفضة خاصة، ولا تتعلق بدعم حق تقرير المصير، لأنها لا تعترف به للفلسطينيين. ولكن لها أهدافًا جوهرية تتصل بإذكاء بؤرة توتر، يمكن أن تشغل المنطقة لعقود طويلة، وأن يواصل الإسرائيليون شراء الأراضي، وتوسيع ممتلكاتهم الجديدة في سهول نينوى.

لسنا بصدد مناقشة توفر شروط بناء الدولة الكردية، من عدمها، وأحقيتها. ولكن الخديعة الدولية فعلت فعلها، بتغييب حقوق الأكراد في المنطقة، ومرة جديدة يبتلعون طعمًا يُراد به جعلهم طرفًا في صراعات جديدة، في مواجهة طرفين يمتلكان المقدرة على ليّ الإرادات بالقوة، وعلى مدى قرن كامل خُذل الأكراد من قبل القوى الدولية، والتطورات الناجمة عن الاستفتاء سوف تؤجل حلم الدولة قرنًا جديدًا.

إن التفاوض، من أجل حق تقرير المصير، هو السبيل الأمثل لتجنب كوارث جديدة، لا تعرف عقباها. ولا نريدها أن تقع بين إخوة الأرض والتاريخ: العرب والأكراد، ويجب أن يشكل هذا الاستفتاء الجامع للأكراد، عاملًا إيجابيًا، في دفع الأطراف المعنية لإطلاق مفاوضات جادة، بجدول زمني واضح، تتوقف فيه ماكينات التحريض الإعلامي البشع، عن إنتاج بيئات حاضنة للكراهية، ومحرضة على القطيعة، ومن ثم الحرب.