عمر قشاش

عمر عبد الغني قشاش (أبو عبدو) مناضل سياسي ونقابي، من مواليد مدينة حلب 1926، ترعرع في أحيائها الشعبية ضمن بيئة محافظة، نهل من تراثها الأصيل، واهتم بالشأن العام مبكرًا. عمل في عدة مهن يدوية شاقة، وتلمس مع بداية شبابه معاناة العمال والتغافل عن حقوقهم، ومن عمله المبكر كعامل طباعة في مدينته؛ بدأت رحلة حب الكتابة والمطالعة، وأخذت شخصيته النضالية والسياسية تشق طريقها.

في عام 1951، انضم قشاش إلى الحزب الشيوعي السوري، وتوسع بعد ذلك نضاله النقابي، إلى أن انتُخب عام 1954 رئيسًا لنقابة عمال الطباعة التي ساهم في تأسيسها في محافظة حلب، ثم أصبح عضوًا في مجلس اتحاد عمال حلب عام 1956، واستلم عام 1967 أمانة سرّ الاتحاد المهني لنقابات عمال الطباعة في سورية، وفي العام ذاته، انتُخب عضوًا في مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال في سورية.

بدأ قشاش الكتابة الصحافية، بأسماء مستعارة، على صفحات جريدة (النور) التابعة للحزب الشيوعي السوري، والتي تأسست عام 1955، وكتب مقالات في السياسة والمجتمع والحريات والحقوق النقابية وغيرها، وانضم إلى اتحاد الكتاب في حلب عام 1957، ليتم اعتقاله خلال فترة الوحدة بين سورية ومصر، ومكث داخل السجن منذ أواخر عام 1958 حتى بداية عام 1962.

كسب قشاش محبة الناس من حوله، كذلك الوسط النقابي والسياسي، بسبب تفاعله الدائم مع الجميع، ومشاركته الفاعلة في الشؤون اليومية، بما فيها المجتمع المحافظ الذي نشأ فيه، وبقي قريبًا من الذين يدافع عنهم وعن حقوقهم، ومحافظًا على خطه السياسي وخياراته، وبدا هذا واضحًا مع الانقسام الحاد في جسم الحزب الشيوعي عام 1970، بعد انقلاب حافظ الأسد واختياره الوقوف مع (المكتب السياسي) -الذي أصبح فيما بعد حزب الشعب- ضد (أمانة الحزب) التي فضلت الانضواء تحت عباءة نظام حافظ الأسد، لتصبح جزء من السلطة.

اعتُقل قشاش من قبل سلطة البعث في حزيران/ يونيو 1978، وأفرج عنه في شباط/ فبراير 1980، لكنه خرج من المعتقل أكثر صلابة وإصرارًا على النضال من أجل حرية البلاد، وخضع بعدئذ للتوقيف والتحقيق أكثر من مرة، ليصدر أمرٌ باعتقاله من جديد، في تشرين الأول/ أكتوبر 1980، حيث خضع لمحاكمة صورية من قبل (محكمة أمن الدولة) التي أصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة 15 عامًا، ليتم الإفراج عنه، بعد انتهاء المدة في تشرين الأول/ أكتوبر 1995، مع تجريده من كافة حقوقه المدنية.

نقل عنه رفاق السجن كيف كانت روحه المرحة تساعد في التغلب على الوقت الطويل والشاق، وكيف تعلم اللغة الفرنسية داخل المعتقل، وبقي ثابتًا، ولم يغيّر رأيه في نظام الاستبداد، ولا في مطالبه بحقوق الإنسان وبالحرية، وبعد خروجه من السجن لم يتمكن من إيجاد عمل له يريحه من التعب والمشقة، إلا عاملًا في فرنٍ خاص، لكنه أيضًا لم يحصل على أجره، فعمل في ورشة لصناعة أقفاص العصافير، وكانت مرهقة، وكذلك لم يحصل على أجوره، فترك العمل وعاش قسوة الحياة من جديد.

أُطلق عليه لقب (شيخ المعارضين) ومع انطلاقة الثورة السورية في ربيع عام 2011، انتمى إليها بكل طاقته، ليتم اعتقاله في أيار/ مايو 2011 في أثناء توزيعه للمنشورات في حديقة (سعد الله الجابري)، وأفرج عنه بعد نحو أسبوعين بكفالة مالية، وبسبب المضايقات لم يعد قادرًا على البقاء في منزله بحلب، فانتقل إلى مدينة سلمية، وبخاصة بعد أن أخذ المرض يحاصره، إلى أن غادر الحياة في آذار/ مارس 2016، بحصاد 90 عامًا من العمر، أمضى نحو خُمسها في سجون الأنظمة الديكتاتورية، ولم يلن موقفه الواضح من الظلم، ولم تتزحزح إرادته الحرة في انتمائه إلى قضايا السوريين وحريتهم، كمناضل وطني نال احترام السوريين.