الأرض اليباب

إنها دير الزور الحزينة.. آن أوانها.. الجميع يقتل ويُقاتل ويُدمّر فيها، ولا أحدَ يهتم بأهلها، بمئات الآلاف من المدنيين الذين هربوا من جحيم القوى المتصارعة حولها وعليها وفوقها، عصابات من كل نوع وجنس وحدب وصوب، تمارس أبشع وأحطّ طبائع البشر فيها، وتُلقي الطائرات حممها على المدنيين حصرًا، في تمييز ودقّة قلّ نظيرها.

قتلوا المئات من الهاربين منها، مئة وخمسون من البشر والأطفال قُتلوا بغارة جوّية استهدفت جسرًا نهريًا، كانوا يعبرونه في رحلة فرارهم، ومثلهم قبل أيام قُتلوا في البوكمال، وضعفهم قُتلوا خلال دكّ المدينة ومحيطها، ولا بواكي لهم.

إجرام روسي، وآخر أميركي، وثالث إيراني، وعلى هامشهم جميعًا إجرام النظام السوري، والكل يدّعي محاربة الإرهاب، ومحاربة قوى الشر، والتمهيد لسورية آمنة أمينة، لأجل مستقبل ورديّ للسوريين، بمن فيهم أهالي دير الزور الثكلى.

إجرام “تنظيم الدولة الإسلامية”، وإجرام بعض المارقين ممن ركبوا الثورة، وإجرام الساعين لدولة الخلافة، والكل يدّعي أنه يُنفّذ ما أمرَ به الله، وأنه يُطبّق شرعه وحكمه ومشيئته، لأجل مستقبل نقي ورعٍ للسوريين، بمن فيهم أهالي دير الزور الثكلى.

إجرام النظام العالمي كلّه، إجرام دول كبيرة تكاثرت على هذه المدينة وريفها، دول لا يعنيها سوى مدّ الخرائط، وبسط النفوذ، واقتسام وتوزيع الغنائم، دول مارقة رغم عظمتها، لا تأبه بجنس إنسان، ولا بحقوق سُطرت، ولا شرائع نزلت، ولا قوانين وُضعت.

دير الزور الحزينة، الزمردة الخضراء، بلدة الخصب، عروس الفرات، ليست وحدها، هي توءم الرقة وحمص وحلب وإدلب وريف دمشق والقنيطرة ودرعا وتدمر.. وغيرها الكثير، هي واحدة من حواضر في طريق الاندثار، من أجل مشاريع عسكرية وقومية ودينية وسياسية، وفي الغالب لن تكون الأخيرة، فالجميع أصابه العمى، ولن يطمئن إلا برؤية سورية كلها أرضًا يبابًا.

كل ذلك بسبب حماقة نظام، ومن أجل نظام، وبتسهيل من نظام، أراد أن يكون واحدًا أحدًا، الآن، وغدًا، وإلى الأبد، وأن يكون مجتمعه متماثلًا منسجمًا، وهو لا يدري حتميةً ستُفرض عليه، كما فُرضت على غيره عبر التاريخ، وهي أن أي مجتمع أحادي هو مجتمع فانٍ، وأن أي حكم أحادي هو حكم زائل، وأن الشعوب لن تنسى مُشعِل الحرب ومؤججها، طال الزمن أو قصر.