أمام هذا اليأس.. ما العمل؟

لا يخفى اليأس الذي يخيّم على السوريين: يأس من المعارضة، ويأس من المجتمع الدولي، ويأس من “الأصدقاء” قبل الأعداء، ويأس من يأسنا وخجلنا، حين يتماهى مع العجز والركون له؛ الأمر الذي يطرح سؤالًا: أما من سبيل للعمل حقًا، في واقع اليوم، بروحية الشعارات الأولى للثورة؟ وكيف يمكن ذلك؟

قبل البحث في إمكانات العمل، لا بدّ من رؤية الوجه الآخر من المسألة، أي الوجه المضيء، على الرغم من قتامة هذا اليأس وتمدده. إذ لا يمكن لأحد أن يُنكر أن الثورة السورية عرّت النظام السوري، محليًا أمام مؤيديه وإقليميًا ودوليًا، فنحن اليوم إزاء عصابة تابعة لم تعد تملك من أمرها شيئًا، وهذا أمرٌ ما كان ليكون؛ لولا تضحيات السوريين التي أجبرت النظام على تسليم أمره للغير، وأجبرت الغير على إظهار أنفسهم بوصفهم مستعمرين جددًا لسورية. وعلى ضفاف هذه المسألة، عرّت الثورة كثيرًا من القوى المحلية والإقليمية والدولية، التي كانت تختبأ خلف شعارات أو أيديولوجيات كثيرة، بدءًا من “مقاومة” (حزب الله) إلى “ممانعة” إيران، إلى من لن يسمح بحماة ثانية (أردوغان)، إلى خطوط أوباما “الحمراء”، والدفاع عن “حقوق الإنسان” وغيرها.. إذ بات السوريون اليومَ أكثر يقينًا من عجز المجتمع الدولي عن دعمهم. وعلى الرغم مما في هذا الأمر من يأس، إلا أنه في حقيقة الأمر يُعدّ إنجازًا، لأن هذا ما كان ليكون؛ لولا أن الثورة السورية كشفته، فهذا الذي نظن أنه بديهي أو أمر طبيعي، ليس كذلك أبدًا، بل هو نتاج أنظمة تعبت وخططت لكي تبني هذا الوهم. لنأخذ مثلًا مسألة “حزب الله”. إنّ نظر السوريين والعرب له، كـ “مقاومة”، لم يكن أمرًا طبيعيًا، بقدر ما كان صناعة إيرانية، ساهم فيها النظام السوري، حيث يمكن القول إن “حزب الله” هو الاستثمار الإيراني السوري الذي تم تجهيزه، من أجل هذا الهدف الذي زّج به “حزب الله” اليوم. وهنا تكمن أهمية الثورة في أنها عرّت هذا الوهم الكبير، كما عرّت غيره من الأوهام؛ ما يعني أن ساحة الرؤية اليوم من المفترض أنها أفضل مما كانت سابقًا.

أيضًا، لم يعد النظام السوري اليوم قادرًا على فرض إرادته على السوريين، لا شعبًا ولا جغرافيا، والخوف الذي يُعاد بناء جداره، في مناطق النظام، ليس إلا وهمًا ينتظر لحظة مناسبة ليسقط، والجغرافيا أضحت أبعد من أن تكون بتناول نظام الإجرام، حيث توزعت هذه الجغرافية اليوم على قوى متعددة، محلية وإقليمية ودولية. وبقدر ما في هذا الكلام من هزيمة وشعور باليأس، بقدر ما يحمل أملًا، بأن إمكانية العمل تبقى قائمة، عبر اللعب على تناقضات تلك القوى والاستثمار فيها.

أيضًا، نعيش اليوم نهايات سقوط المشروع الإسلامي الجهادي في سورية، إذ بالرغم من أن هذا المشروع، كان واضحًا لدى البعض، منذ البداية، أنه ينتحر، إلا أن قسمًا غير قليل من السوريين لم يفهم هذا الأمر، حتى جرّب؛ وتبين له هول ما يختزن هذا المشروع من تدمير، ليس لسورية وحدها، بل للإقليم ككل. وهذا ما كان ليظهر بمثل تلك الفجاجة لولا تلك التجربة التي مرّ بها السوريون؛ ما يعني أننا تحررنا اليوم (على فداحة الثمن) من هذا الوهم أيضًا، وهي أوهام يُعدّ تبديدُها إنجازًا، لأن إحدى مهمات الثورات أن تغيّر الوعي القائم في الرأس عن الأشياء والأوطان والقوى، أي أن ننظر إلى العالم بعين جديدة، هي عين الألم من جهة، ولكنها عين الوقوف على الحقيقة، بكل ما فيها من خسائر، من جهة أخرى.

ثمة مسألتان اثنتان، من الضروري الوقوف عندهما، لمعرفة ما يختزنه الواقع من إمكانات للعمل أيضًا: الأولى محلّية، تتعلق بأن سورية اليوم كلها في لحظة تحوّل، فالواقع السوري لم يستقر، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، ونحن إزاء جغرافية ممزقة بين دول عدة، وثمة صراع ما يزال مستعرًا، وثمة رؤية سياسية غير منجزة. وحتى لو نجح الروس في فرض إرادتهم السياسية، فلن يدوم ذلك طويلًا؛ لأنها سياسة لا قوائم أو جذور لها. والثانية هي دولية، وتكمن في أن عالم اليوم أيضًا هو -مثل سورية- في لحظة تحوّل وانزياح، فنحن إزاء تشكل جديد للقوى الدولية، فالقوة الأميركية في طور تراجع، فيما تتقدم قوى جديدة إلى المسرح، تبدأ من عودة الدب الروسي، وتأهب التنين الصيني، وذلك كله يجري على وقع صعود الإمبراطوريات (العثمانية، الفارسية، القيصرية..) وتحلل الدولة، مفهومًا وواقعًا سياسيًا. هذا الواقع، بالرغم من صعوبته وفوضويته ونتائجه الكارثية، إلا أن إحدى مزاياه أنه يسمح بهوامش للعمل، فكما أن ضعف السلطة المركزية في بلدٍ ما يسمح بإمكانية العمل أكثر في داخل ما؛ فإن ضعف السلطات العالمية أو تشتت المركز يسمح أيضًا بإمكانية تجيير هذا الواقع لخدمة قضايا ما كان بالإمكان تمريرها سابقًا، ولعل الاستفتاء الكردي الذي جرى في أربيل هو واحد من تلك السياسة البراغماتية التي تدرك أنّ هذه اللحظة الدولية قد تسمح بذلك.

إذن، مع هذا اليأس السوري، فإن إمكانية العمل تبقى قائمة ومتاحة، فما الذي ينقصنا إذن؟

ينقصنا العامل الأهم، ألا وهو القوة التي يجب أن تتشكل وتعمل، وهذه قوة يجب أن يشكلها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون السوريون، أولئك الذين عليهم اجتراح الأمل لبناء تلك القوة، التي قد تكون تجمعًا أو حزبًا أو مجموعة.. تعمل على قراءة هذا الواقع ووضع نظرية جديدة للتغيير، تحتمل إمكانية التطبيق واقعًا، قوة تحدد آليات عملها بدقة، سواء كان عملًا سياسيًا أو مدنيًا (تظاهر واحتجاج..) أو عسكريًا حتى، وحين نقول “عسكري”، نعني قوة توضع بتصرف السياسي الذي يستخدم القوة العسكرية، لتحقيق هدف سياسي واضح، يصب في خدمة الأهداف التي يطمح لها السوريون، مع الأخذ بالحسبان أن طريق التغيير طويل جدًا جدًا.. وهذا أيضًا أحد الأوهام التي أسقطتها الثورة السورية، إذ كان لدى عدد لا يستهان به من السوريين اعتقاد بأن النظام قاب قوسين أو أدنى من السقوط منذ عام 2011، فيما علينا اليوم أن نفكر من جديد بكيفية ترحيله، وهو الذي أضحى مجرد جثة، فهل نفعل؟