أستانا والشعب السوري

أصبح الحديث عن الموضوع السوري يدور حول أخبار التفاهمات والمخططات الدولية وحسب، ويُهمل آراء السوريين ومواقفهم منها، نتيجة عدة عوامل، منها سيطرة القوى الدولية على أبرز الوسائل الإعلامية، لتعمل هذه الوسائل على توجيه البوصلة الإعلامية نحو الأخبار التي تخدم المصالح الدولية، والمحصورة اليوم في الأخبار التي تشير إلى تعزيز أجواء التوافق الدولي. كما يمكننا ملاحظة تراجع الفاعلية الإعلامية الشعبية السورية الذاتية؛ نتيجة طغيان مشاعر الصدمة والإحباط من مآلات الأوضاع السورية، فقد عاش الشعب السوري -على مدار السنوات السبع الماضية- كثيرًا من التجارب المؤلمة، بداية من همجية وإجرام النظام إلى التآمر الدولي، مرورًا بغدر أصدقاء الشعب السوري -وفقًا للتسمية الإعلامية- ما ساهم في تراجع أداء ناشطي وإعلاميي الثورة، لشعورهم بعبثية ومحدودية تأثير النشاط الإعلامي والميداني، بعد أن كانوا شعلة من النشاط والمثابرة، على مدار السنوات الثورية، في متابعة كل شاردة وواردة تخص الثورة وسورية، وكانوا فاعلين في بلورة موقف إعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعية، وموقف ميداني عبر التظاهر والاحتجاج. ثم إن تشتت السوريين وتشرّدهم ساهم في التقليل من وضوح الموقف الشعبي من الأحداث الجارية، وأهمها اليوم محادثات أستانا أو الاتفاق الدولي على سورية، إضافة إلى أسباب أخرى كالاعتقالات التعسفية والإجرامية التي يمارسها النظام، والمعارضة (بدرجة أقل)، والاغتيال الممنهج الذي يستهدف الأصوات الوطنية ذات السمعة المحلية الطيبة، وكلّها عوامل أدّت إلى إحداث تغيير في التركيبة السكانية وإضعاف اللحمة الاجتماعية والتعاضد والثقة المتبادلة؛ وبالتالي تحتاج التركيبة الجديدة إلى بعض الوقت وبعض التجارب العملية، حتى تتمكن من إفراز ناشطيها وقادتها وإعلامييها الموثوقين والواعين لخطورة المرحلة.

لكن، وعلى الرغم من هذا الغياب للظرف الموضوعي، إلا أن هناك بعض الظواهر، وبعض أشكال التعبير الشعبية الواضحة والمهمة، مثل تعدد المبادرات الرافضة للهيمنة الدولية على الشأن السوري، من أجل فرض سياسة الأمر الواقع، سواء في ما يتعلق ببقاء الأسد أو بتكريس قوى الاحتلال المتعددة. إضافة إلى التظاهرات والاحتجاجات الشعبية المتقطعة، سواء التي تحدث خارج سورية أو التي تحدث في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، حيث تعبّر غالبية هذه التظاهرات عن رفضها لأي حل سياسي أو عسكري، لا يضمن تحقيق أهداف الثورة وحرية وسيادة ووحدة الأراضي السورية. كما لا بدّ من التطرق إلى بعض ردّات الأفعال الشعبية في مناطق سيطرة النظام، ولا سيّما تلك الناقمة على الهيمنة الإيرانية والروسية خصوصًا، وعلى الاحتلال عمومًا، وعلى الجماعات الانفصالية والطائفية. وعلى الرغم من تنوع وتعدد أساليب التعبير عن مخاوف ومواقف السوريين؛ إلا إنها لا تتناسب مع حجم الحدث وحجم تأثيره المستقبلي، وربما يعود ذلك أيضًا إلى تنامي مشاعر جميع السوريين وآمالهم، في العودة إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم –بما فيها المدمرة- وآمالهم في عودتهم إلى ممارسة الحد الأدنى من حياتهم الخاصة الاجتماعية والمهنية، وربما السياسية، والذي لا بدّ من أن يمر عبر بوابة وقف الحرب المسعورة على السوريين، وعلى مدنهم وقراهم، ليقع السوريون بين نارَي الحلم والواقع: حلم الخروج من نفق الحرب المظلم ومن تبعاتها الكارثية والدموية، وواقع الاتفاقات والتوافقات الدولية النابض بالمخاطر والمشكلات للسوريين ولسورية، فمن مخاطر التقسيم الجغرافي والسياسي والعرقي والإثني، إلى التبعات المترتبة على شرعنة غالبية قوى الاحتلال الدولية، وعلى رأسها القوى الروسية، وهو ما يعني الحفاظ على جميع مقومات وعوامل تجدد الحرب الدولية على سورية، عند أي تغير دولي يعزز من آمال هذه الجهة أو تلك، في إحداث تغيير جيوسياسي خدمةً لمصالحها الذاتية، فضلًا عن حتمية نمو وتصاعد أشكال ووسائل المقاومة الشعبية والعسكرية لجميع قوى الاحتلال الموجودة التي اختبر السوريون إجرامها وهمجيتها، على مدار السنوات الماضية، مع وجود مخاوف من تأثير انقسام السوريين السياسي على وحدة هدف، ووحدة نضال حركة المقاومة. كما نجد لدى مجمل مكونات الشعب السوري توجسات وتخوفات من تبعات الحماية الدولية، لشتى أنواع وأشكال قوى الاستبداد والإجرام والديكتاتورية المحلية، بداية بنظام الأسد، وليس انتهاء بالقوى الأصولية، فعلى الرغم من التراجع الملحوظ في المنظومة الأمنية الأسدية نتيجة الفعل الثوري، وعلى الرغم من ضعف المنظومة الأمنية لقوى الاستبداد الناشئة، إلا أنها جميعها قد مارست -وما زالت- أبشَع الوسائل الإجرامية والدموية مستفيدةً من الحماية الدولية، ومن فوضى وتشابك الوضع السوري وتعدد اللاعبين وأدواتهم القذرة. إضافة إلى أن أخبار التوافقات الدولية، وأخبار الحل السياسي الضبابية، تعزز آمال السوريين في استعادة أصدقائهم وأقاربهم المعتقلين والمغيبين قسريًا في سجون الأسد، ونظرائهم المختفيين في سجون باقي القوى الاستبدادية والإجرامية والطائفية، سواء المحسوبة على معسكر النظام أو تلك المحسوبة على معسكر المعارضة، على الرغم من عدم إدراجها في المفاوضات؛ ما يدفع السوريين إلى التريث قليلًا، ولو كان الأمل ضعيفًا.

لذا علينا أن نأخذ بالحسبان جميعَ الأهواء والتمنيات السائدة في صفوف الشعب السوري، وإنْ كان التحليل العلمي والموضوعي لمجريات الأمور يسير في الاتجاه المعاكس، أو لنقل لا يسير في اتجاه تحقيق هذه الآمال، فإن تلك الآمال تبقى مشروعة وحقيقية، وكانت -وما زالت- الدافعَ الأول والرئيس لجميع التحركات والحركات الشعبية، بما فيها الثورة السورية التي لم تكن، في أي من مراحلها العديدة، مدخلًا لهذه الحرب القذرة، بل كانت -وما زالت- سياسة النظام وحلفائه الإقليميين والدوليين المسؤولة الأولى عن الحرب وتبعاتها، فلطالما احتفل الشعب السوري، ولا سيّما الحاضن للثورة، بأي مبادرة قد تضع الحدّ من جميع أشكال القتل والتعذيب والتخريب الممنهج والممارس، استنادًا إلى قناعة بأن الثورة قادرة على بناء الوطن المنشود، إن توقفت الحرب حقًا، وإن توقفت الممارسات الإجرامية والاستبدادية من قبل جميع الأطراف. لكن، نظرًا إلى قناعتنا بعدم توقف هذه الممارسات المدانة، ونظرًا إلى حق جميع السوريين في منح هذه المبادرات والحلول الوقتَ الكافي، لإنجازها وللكشف عن كامل تفاصيلها؛ علينا وعلى كل سوري وطني، يعرف ويدرك فداحة هذه المخططات وبشاعتها، أن نعبّر عن موقفنا هذا، بحسب الظروف والإمكانات، كما علينا المساهمة في الكشف عن بواطن الأمور دون استعجال انفجار الشعب السوري، والاستعداد فكريًا وتنظيميًا واستراتيجيًا، لما بعد الانفجار، سواء كان اليوم أو بعد شهور، أي الاستعداد للحظة التي سوف يختارها الشعب السوري، من أجل إنجاز ثورته وإنجاز تحرره الوطني.