قراءة في فوضى الأولويات

ما الذي كان يعنيه هذا الصراع الخفيّ والمرير، بين مختلف أطراف الصراع في بلدان المنطقة العربية ومحيطها المباشر، على تحديد الأولويات، ومحاولة كل طرف فرض أولوياته على خصومه، بوصفها هدفًا استراتيجيًا، من العراق الذي باتت الحرب بين أولويات مختلف الأطراف فيه قائمة علانية، على كل الصّعُد، إلى ليبيا، ومرورًا بدول الخليج؟ وما الذي يعنيه هذا الصراع القائم، خصوصًا في سورية، بين شعبٍ خرج يطالب بحريته وبكرامته، بعد خمسين عامًا من الاستبداد والقهر وتسلّط نظام شرس في البداية، ومَنْ حلّ تدريجيًا محله من بعدُ؛ وصار ناطقًا -فعليًا- باسمه من حلفائه؟

كانت أولوية الثوار السوريين، في بداية حراكهم عام 2011، استعادة الكرامة والحرية المهدورتين. وكانت أولوية النظام الأسدي وهو يردُّ، تغييبَ أولوية الثوار، بل طمسها عبر الترويج لأولويات أخرى متزامنة في طرحها، ومتناقضة في ظاهرها، لكنها متحدة في وظيفتها وفي أهدافها. وبدت ساحة الصراع، طوال العام الأول من الثورة، كما لو كانت قاصرة على طرفين لا ثالث في الظاهر لغيرهما: جماهير الشعب السوري في مختلف المدن السورية، والنظام الأسدي عبر مؤسسات الدولة السورية الرئيسة (وفي المقام الأول منها المؤسسات الأمنية والجيش والإعلام)، والتي اتضح شيئًا فشيئًا أنه كان قد هيأها لمثل هذه المواجهة تجهيزًا وتنظيمًا وقيادات. لكن الحليفين الإيراني والروسي، الأول على الصعيد الإقليمي وقبل أن يدخل صراحة طرفًا في الحرب ضد الشعب السوري، من خلال وكيله الحصري في لبنان (حزب الله) ومستشاريه العسكريين وقيادات الحرس الثوري الإيراني، كان يتواجد على الساحة ومن وراء ستار، من خلال خبراء فنيّين خصوصًا في مواجهة التظاهرات ماديًا وتقنيًا، لما له من خبرة في قمع مختلف ضروب التمرد والحراكات الثورية التي عرفتها إيران منذ عام 1979. والثاني على الصعيد الدولي، دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا في البداية، ثم وجودًا ماديًا في سماء سورية وعلى أراضيها، هما من صار يحدد الأولويات التي تناسب سياستيهما، من خلال توافق تتقدم فيه مصالح روسيا على المصالح الإيرانية، بفعل حجمها الدولي وقوتها الحاسمة، فضلًا عن التواطؤ الذي استحال توافقًا بينها وبين واشنطن حول الوضع السوري، لا تعرقل بموجبه الثانية إدارةَ الأولى للصراع في سورية، حسب مفهومها ومصالحها، بما لا يمس بطبيعة الحال المصالحَ الأميركية العليا في المنطقة، ومن ضمنها (إسرائيل).

صاغ النظام الأسدي في البداية أولوياته، من خلال مجموعة من الخيارات تسمح له بتغييب ثم طمس ثم استبدال أولويته الأساس، بأولوية من خرجوا ينادون بإسقاطه. وكان ما رفعه في وجه الثوار من مسمّيات لوقائع وهمية: المؤامرة الكونية والإمارات السلفية من جهة، وضرورة الحوار اعترافًا بـ “المطالب الشعبية الاجتماعية المُحِقَّة”، من خلال مؤتمرات نظمها بين ممثليه على أرفع مستوى، وبين ممثلي مختلف هيئات وأحزاب وكتل المعارضة (ولم يكن معظمهم، بل ربما جميعهم، وراء أو على صلة مباشرة بانفجار الشارع السوري). لكن أولويته الأساس كانت القضاء على الحراك الثوري بأي ثمن؛ أما الأولوية التي استخدمها على صعيدي الإعلام والدبلوماسية في المحافل الدولية، فكانت تتخذ صيغًا مختلفة، بدءًا من القضاء على “السلفيين الذين خرجوا على سلطة الدولة”، وانتهاءً بالأولوية التي استقر عليها هو وحلفاؤه، بعد أن صارت شماعة تعلّق عليها حجج الدول والهيئات دفاعًا عن سياساتها، ونعني بها “القضاء على الإرهاب”. وقد استطاع بالفعل، بدعم حاسم من حلفائه جميعًا وبلسان روسيا، قولًا وفعلًا، أن يجعل من الأولوية التي أطلقها بنصيحة منها أولوية الدول الكبرى جميعًا، ولا سيّما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن: أولوية على جدول أعمال المفاوضات المتتالية، في جنيف وفيينا وأستانا، وأولوية في العمل العسكري بإضفاء صفة الإرهاب على كل من يحمل السلاح ضد النظام الأسدي، وأولوية في العمل الدبلوماسي حين شهدنا، في إثر عمليتيْن قامت بهما (داعش) كيف استبدلت فرنسا -مثلًا- أولويةَ القضاء على الإرهاب، بأولوية الخلاص من رأس النظام الأسدي، بحيث انتهى الأمر إلى العمل -بصورة أو بأخرى- على تعويم هذا الأخير، والعمل على إعادة تأهيله إقليميًا ودوليًا.

هكذا لبست أولوية القضاء على الحراك الثوري السوري، وطمس مطالبه ثم محوها، أولوية القضاء على الإرهاب، تحت سمع دول العالم كله ونظرها، وفي مقدمتها الأقربون، أعني معظم الدول العربية التي كانت تضبط إيقاع سياساتها على إيقاع سياسات الدول الكبرى التابعة لها والأولى من بينها الولايات المتحدة الأميركية.

لم يكن ذلك هو النهج الذي اتبعته المعارضات التي تصدت لحمل مطالب الشعب السوري الثائر. إذ إن النظام الأسدي كان -بلا شك- ماهرًا في المناورة على الصعد كافة، يداري سياسيًا، مفوِّضًا نائب رئيس الجمهورية برئاسة مؤتمر الحوار، وفي الآن نفسه رافضًا أي تنازل لأهل درعا الذين قُلعت أظافر أطفالهم المعتقلين، وبادئًا في التصعيد حين كلف رجال الأمن بإطلاق الرصاص ضد المتظاهرين، متهمًا بإطلاقه “المندسين” من “السلفيين”، بما يشي بحقيقة مواقفه، وحقيقة الأولوية التي كرّسها منذ البداية أساسًا لسياسته التي تبين فيما بعد أنها بحذافيرها سياسة إيران وروسيا، كلّ منهما بلغته ورطانته. في حين وقعت المعارضات -على اختلافها- في حبائل مناورات النظام الذي تمكن من زرع بذور الاختلاف بين صفوفها، والحيلولة بكل الطرق دون اتفاقها على أولوية واحدة، تكون شعارها وأساس برنامج واحد لعملها. كانت الأولويات لديها كثيرة كأولويات النظام، لكن، بقدر ما كانت كثرتها تعكس شرذمتها؛ كانت كثرة أولويات النظام تقول وحدته وتصميمه مناوراته. وعلى أن الذين خرجوا يواجهون الرصاص، بصدورهم العارية، كانوا قد حددوا أولويتهم: إسقاط النظام ورحيل رأسه، وكان بوسع فصائل المعارضات على اختلافها أن تتلقف هذه الأولوية، وتتبناها قولًا واحدًا. وإن ما حدث في الواقع هو الاختلاف على تبنيها، وعدم استطاعتها خلال السنوات الست كلها أن تجتمع على أولوية واحدة، تحدد نهجها وسلوكها ومواقفها. وبمعزل عما شهدناه من تفاوت شديد في مستوى القدرات والخبرات السياسية لدى من توالوا على تمثيل هذه المعارضات في المحافل الدولية، فضلًا عن غياب الإمكانات التنظيمية، في مجالات الخطاب والإعلام الضرورية، في مواجهة أعتى نظام عرفه العالم العربي في عصره الحديث، فقد كانت استحالة الوحدة أو الاجتماع على أولوية أو أولويات، يتطلبها العمل النضالي والسياسي، كافية لتبديد الأوهام والآمال معًا. وكان غياب المناورة، حتى في اختيار الأولويات، دليلَ ضعفٍ في الخبرة السياسية والنضالية؛ حملت الجميع على سوء الظن الشديد بمن يمكن أن يمسك بمفاتيح حكم سورية، إن تمَّ التخلص من الأسد وأعوانه، ولا سيما رئيس الولايات المتحدة السابق الذي وصف رجال المعارضات السورية، بما لا يليق به وبها.

خلاصة المشهد اليوم يمكن أن تكون: فوضى الأولويات الكارثي لدى المعارضات السورية، واستخدامها الخبيث لدى النظام الأسدي وحلفائه، والنتيجة هي محاولات فرض النظام الأسدي على الشعب السوري، إلى أجل غير محدود.. كما لو أن شيئًا لم يحدث.. كما لو..