مناطق “خفض التصعيد” الخروج من اللا يقين إلى الفعل

واضح أن ما يجري في إدلب، من قصف الطيران الروسي وطيران النظام، يمكن أن يندرج في خانة مكافحة الإرهاب، عملًا بمخرجات (أستانا 6) التي أعلنت في 15 أيلول/ سبتمبر “محافظة إدلب وتوابعها في ريف حلب وحماة الشمالي”، منطقةً جديدة في سياق استراتيجية “خفض التصعيد” التي طرحت أول مرة في اجتماع (أستانا 4).

على الرغم من الخروقات العديدة التي شهدتها اتفاقات خفض التصعيد السابقة، إلا أنها شكّلت نقلة في سياق الرؤية الروسية للحل السياسي في سورية، وعلى العكس من كل المصالحات والهدن السابقة التي شهدناها، في بعض البلدات والمناطق التي أنهكتها الحرب، وكانت تترافق في أغلب الأحيان مع ترحيل المقاتلين وقسم من عائلاتهم، من دون سلاح أو مع أسلحتهم الخفيفة في أفضل الحالات؛ فإن اتفاقات “خفض التوتر أو التصعيد” كانت معنية بضبط الأعمال القتالية في مناطق أو مساحات من الجغرافيا السورية، بين طرفي النظام والمعارضة، من دون أن تترافق بترحيل مقاتلين أو سكان مدنيين، ومن دون نزع سلاح الفصائل المعارضة الخفيف منها والمتوسط والثقيل، كما أن اتفاقات “خفض التصعيد” تضمنت “وصولًا إنسانيًا سريعًا وآمنًا في مجال الإغاثة”، و”تهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية للاجئين”، مع تنويه لانتخابات مجالس محلية تكون معنية بإدارة هذه المناطق، بعيدًا عن سيطرة النظام.

نصت وثيقة (أستانا 6) على تشكيل قوة مشتركة من 1500 عنصر موزعة بالتساوي بين الأطراف الثلاث الراعية لتطبيق الاتفاق، وهي (روسيا وإيران وتركيا)؛ لضمان وفاء الأطراف المتصارعة بالاتفاقات المتعلقة بضبط الأعمال القتالية وغيرها، ومساعدة القوات الحكومية والمعارضة المسلحة في مواصلة القتال ضد (تنظيم الدولة، وجبهة النصرة – هيئة تحرير الشام)، والأشخاص والجماعات والمنظمات التابعين لها، إذ إن خفض التصعيد القتالي فيها يستدعي حرب طرفي الصراع معًا ضدّ التنظيمات الإرهابية، أو تلك التي تخرق الاتفاق، كما أوضح الرئيس الروسي بوتين، بصفته عراب هذه الاتفاقات الجديدة. وهذه الآلية تجعل “مناطق خفض التوتر” مغايرة أيضًا لمفاهيم “المناطق الآمنة”، أو حتى “المناطق العازلة”، لأنها أبقت على مشروعية الحرب وغارات الطيران ضد التنظيمات المصنفة إرهابية.

طبعًا، هذه الحرب ضد التنظيمات الإرهابية تحظى الآن بمشروعية دولية كبيرة، وربما هي النقطة الوحيدة التي تتوافق حولها كل الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها تلك الأطراف التي يمارس بعضها الإرهاب أو يُغذيه بأكثر من طريقة، لكنها مضطرة إلى تأييد تلك الاستراتيجية، لذلك؛ يجدر بنا -السوريين الذين دفعنا ثمن الإرهاب، عبر سنوات كنا نحلم أن نقاوم فيها الديكتاتورية والاستبداد- ألا نكتفي بتأييد هذه الاستراتيجية، بل أن نتبنى كل ما يمكن أن يؤدي إلى نجاحها، باعتبارها بوابة الحل السياسي لأي تغيير منشود في سورية.

من هذا المنطلق، نعود إلى القصف العنيف الذي تشهده مدينة إدلب وأريافها التي تحتضن الآن قرابة مليوني سوري ونيف، ونتساءل عن سوية العنف الممارس ضدهم بحجة القضاء على 16 ألف شخص، يشكلون تعداد المنتمين إلى (هيئة تحرير الشام) بأقصى التقديرات، علمًا أن أغلب سكان مدينة إدلب ومحيطها لم يتوانوا عن التظاهر ضد (هيئة تحرير الشام)، ومطالبتهم بالرحيل عن بلداتهم، ورفض المجالس المحلية التي سعت “الهيئة” إلى تشكيلها، كما رفضت كل مخرجات المؤتمر السوري العام/ مؤتمر الأكاديميين، الذي رعته (هيئة تحرير الشام)، لتشكيل حكومة داخل وإدارة مدنية تعمل وفق الشريعة الإسلامية فقط. إذ أكد البيان الختامي أن “المجتمعين اتفقوا على مبادئ أساسية، تقوم على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع ووجوب الحفاظ على هوية الشعب السوري المسلم”.

وعليه؛ يتساءل السوريون بشكل عام، ومؤيدو اتفاقات خفض التصعيد بشكل خاص، ومعهم العديد من المنظمات الحقوقية والدولية، عن العنف والقصف الوحشي على مدن وبلدات إدلب، إن كان يمكن تبريره بالحرب على الإرهاب فحسب، خصوصًا أن القوى الضامنة لاتفاق خفض التصعيد في إدلب لم تتوافق بعدُ على خطة تنفيذية، وما زالت التناقضات الدولية والإقليمية تحكم الكثير من الرؤى والاستراتيجيات المعطلة، فالأطراف الدولية التي تعهدت هذه الحرب الدائرة، منذ ست سنوات أو أكثر في سورية، لم تحسم أمرها بعد، وإدارة الرئيس ترامب التي تبدو مهتمة بالتنسيق مع روسيا بهذا الشأن، لا يكاد يظهر على سلم أولوياتها الرئيسية هذا التنسيق، إلى درجة يمكن لموسكو أن تتجاهله، خصوصًا أن العقوبات الأميركية على روسيا، وإشكالية طرد الديبلوماسيين الروس، تشكل بالنسبة إليها حالة عداء مبطن، يدفعها إلى التمسك بالدور الإيراني في المنطقة، على الرغم مما تصرح به إدارة ترامب عن أولوية عدائها لطهران. وستبقى إيران أقوى الأوراق بيد موسكو حتى توقيع الصفقة النهائية مع الإدارة الأميركية، بخصوص الكثير من مناطق النفوذ والمصالح الاقتصادية أيضًا.

فيما لا يلقى الدور التركي الذي يبدو محكومًا بتطورات الملف الكردي بشكل خاص، أيَّ تشجيع من إدارة ترامب، ولم يلق أذنًا صاغية لدى زيارة بوتين الأخيرة، مع أن أنقرة تحسب نفسها المعنيَّ الأول بتصفية (هيئة تحرير الشام)، إن كانت تصفيتها مطلوبة، وغير خاف على أحد دور أنقرة في الانشقاقات الأخيرة التي حصلت ضمن “الهيئة”، وصولًا إلى تناقضات حادة في صفوف قياديي “النصرة” الأساسيين، حيث استقال الداعية السعودي عبد الله المحيسني، إثر محاولة اغتيال فاشلة له ضمن مدينة إدلب، واستقال معه آخرون احتجاجًا على رفضهم فكرة الحرب ضد تركيا والاقتتال الداخلي التي يدعمها “أبو محمد الجولاني” الذي أصبح مؤخرًا القائد العام للهيئة، بديلًا عن الشيخ “أبو جابر الشيخ” الذي أصبح رئيسًا لمجلس شورى الهيئة، إذ شهدنا، في شهر أيلول/ سبتمبر المنصرم، الكثير من الاغتيالات والتصفيات في صفوف شرعيين وقادة بارزين داخل الهيئة، دون أن يُكشف عن منفذي أي من هذه العمليات التي جرى قسم كبير منها في وضح النهار.

يبدو أن رمادية الرؤى والاستراتيجيات غير الواضحة، بخصوص مستقبل سورية، تثير حالة من عدم اليقين، كان يمكن تجاوزها ضمن “اتفاقات خفض التصعيد” الأخيرة، لتشجيع عودة السوريين المهجرين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم؛ ليساهموا في انتخابات المجالس المحلية، وإنشاء اتحاد لهذه المجالس، يمكن أن يشكل شرعية حقيقية للسوريين، خارج خيارات النظام أو الإسلاميين، إذا كان هذا الخيار مرغوبًا فيه، إذ يتخوف السوريون من أشياء كثيرة، أخطرها الآن توطين إرهاب (هيئة تحرير الشام) في سورية، كما حدث مع (القاعدة) في أفغانستان.