ألقوا بالثورة إلى الشعب وهو يحتضنها

نتائج لقاءات وفد الهيئة العليا إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد حقيقة ساطعة وصارخة، وهي أن جميع الذين تمّ اللقاء بهم أكّدوا حصول تغيّر كبير، في موقفهم إزاء المسألة السورية، والحل السياسي، ومصير رأس النظام.

كانت اللقاءات مع الوفد الأميركي، ووزراء خارجية السعودية وتركيا والإمارات على انفراد، ومع الفرنسيين والأمين العام للأمم المتحدة، بحضور المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، وعدد من الوفود الأوروبية التي شاركت في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تؤكد خلاصة المواقف المتقاطعة، لسان حال أصحابها، أنّ المعارضة خسرت المعركة، وأن الروس والنظام ربحوها، وأن متغيرات كبيرة حصلت، على المعارضة السورية أخذها بالحسبان والتعامل معها بواقعية تستجيب للمتطلبات الراهنة، أي التكيّف والتنازل، والتراجع عن ثوابت الثورة، وإن لم تقم المعارضة بهذا التغيير؛ فستتحمل مسؤولية كبيرة، تصل إلى حدّ الاستغناء عنها ببدائل موجودة، وأن مؤتمر (الرياض 2) المزمع عقده برعاية سعودية، الشهر القادم، يجب أن يكون واسع التمثيل بإشراك منصتي موسكو والقاهرة وشخصيات “معتدلة” مستقلة، وأن يترافق ذلك مع تطوير الموقف السياسي، أي إعادة النظر ببيان (الرياض 1)، بما يتناسب وهذه المتغيّرات، مع نصائح متلاحقة عن واجب وضرورة المرونة، والمشاركة وعدم التصلب.

يُجدّد الأميركيون موقفهم المتمثل بأولويتهم الأولى: محاربة الإرهاب، ونسبيًا: تحجيم الدور الإيراني، وقد يضيفون، مع غيرهم، عدم تمكين روسيا من الاستفراد بالوضع السوري وحدها.

أما الاتحاد الأوروبي، عبر مجلسه، فقد نشر مُذكّرة تفصيلية عن رؤيته للحل السياسي في سورية، تُكرّس جوهر المواقف التي أشرنا إليها، وتُركّز على الإعمار والدور الأوروبي فيه، وتُقدّم مجموعة “نصائح” للمعارضة، لتكون أكثر اعتدالًا وواقعية، وفهمًا للوحة الدولية والمحلية، والتعاطي الإيجابي مع الحل السياسي المطروح، برعاية روسية بالأساس.

التفاصيل كثيرة، لكن خلاصتها المكثفة تُشير إلى الحقائق التالية:

1 – المطروح وفق المشروع الروسي ليس حلًا سياسيًا بل تسوية سياسية، وهذا يعني أن بيان (جنيف 1)، وقرارات الشرعية الدولية ذات الشأن قد أصبحت من الماضي، إلا وفق  أمور شكلية، وعبر عملية استبدالية.

2 – يعدّ الروس أنفسهم منتصرين، وأن من حقهم جني ثمار انتصارهم عبر فرض مشروعهم وتحقيق مصالحهم، وحتى احتكار عمليات الإعمار التي يجب أن تمرّ من بوابتهم.

3 – التسوية السياسية تستند إلى أرضية “مناطق خفض التصعيد” وتعميمها، وإنجاز وقائع على الأرض تتصف بالمصالحات مع النظام برعاية روسية، وإتمام صيغ سياسية محلية، ووجوه تُرشَّح للمساهمة في التسوية، ويمكن أن تكون بديلًا عن الهيئات القائمة للمعارضة، كالهيئة العليا للمفاوضات والائتلاف، في حالة عدم القبول بالمشروع الروسي، والإبقاء على الثوابت التي تطرحها.

4 – إن تشكيل هيئة حاكمة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، كما نصّ على ذلك بيان (جنيف 1)، لم يعد واردًا، وسيتم الاستعاضة عنه ببندين رئيسين: إعداد دستور، وقوانين الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، وبالتالي؛ فإن الحديث عن مرحلة انتقالية لمدة 18 شهرًا لم يعد مبررًا.

5 – الحصيلة التي يراد فرضها أن الأسد وكبار رموز النظام مستمرون ضمن صيغةٍ ما، قد تكون حكومة وحدة وطنية تُشارك فيها المعارضة القابلة والمعتدلة، أو صيغة رئاسية تشاركية تأخذ بعض صلاحيات الرئيس وتوزعها عليها، حتى الانتخابات التي سيكون من حق رأس النظام الترشّح إليها “كبقية المواطنين السوريين”.

يشعر الأوروبيون بأنهم محاصرون، وخارج دائرة الفعل والتأثير، وأنهم قد يخرجون من “مولد الإعمار” دون أي شيء؛ لذلك يُسارعون إلى تغيير مواقفهم، عسى أن يدخلوا شركاء في عملية الإعمار الضخمة التي ستتم من خلال البوابة الروسية، وبتكريس المشروع الروسي، مع بعض الاقتراحات التحسينية التي تخصّ رؤاهم، ومصالحهم، بينما تخلو وثائقهم المنشورة، من حقوق الشعب السوري بالحرية، وإقامة النظام التعددي، ومحاسبة المجرمين الذين أفنوا عشرات الآلاف من السوريين، واستخدموا الكيماوي وغيره.

ويتحدث الأميركيون عن حل سياسي بعد إنجاز القضاء على الإرهاب، وعبر تحجيم الوجود الإيراني، مع إقرارهم بالدور الرئيس لروسيا، وإن وردت أحاديث منهم حول محاولة منع روسيا من الاستفراد الكلي.

تلك هي اللوحة الصارخة التي كانت تتدحرج أمامنا، منذ أكثر من عامين، والكثيرون قد لا يُصدّقون أن هذا واقع يتكرّس على الأرض، ويتموضع في مناطق النفوذ، والتغيير الديموغرافي والمصالحات، وتدعيم كيانات محلية، وللأسف القليلون مَن نبّه إلى هذه المتغيّرات وضرورة التعامل معها مباشرة، ولم يستطع تقديم الكثير لبدائل قادرة على لخبطة المشروع الروسي، وتعزيز مواقف الثورة استنادًا إلى وقائع على الأرض تُجبر جميع الأطراف باحترام حقوق الشعب السوري، وأخذِها بالحسبان.

اليوم، والأخبار كثيرة عن الاستعداد لعقد مؤتمر (الرياض 2)، وملامح تركيبه وسقفه، و”نصائح” أصدقاء الشعب السوري، ووعي اللوحة الدولية وأوضاع الأطراف الإقليمية وحساباتها، ستطرح كلها السؤال الكبير: ما موقف هيئات المعارضة من كل ذلك؟

الخيارات قليلة: فإما القبول بالمطروح والانضواء في هذا المشروع الروسي، وغض الطرف عن الحقائق والالتزامات والأهداف، بكل التبعات والنتائج، وإما الرفض وتحمّل عواقبه.

سيكون الائتلاف بجلّ أعضائه في موقع الرافض التنازلَ عن الثوابت، لكن السؤال المهم: هل ذلك يعني التأثير في مجرى التحضيرات القائمة؟ هل يقتصر الأمر على إعلان الرفض وتسجيل “موقف تاريخي”، أم أن الرفض يجب أن يقترن بمضامين تجعله قوة مؤثرة؟

كي تكون المواقف مؤثرة؛ لا بدّ من وضع استراتيجية واضحة، ينبثق عنها برنامج عمل يُطرح على جميع فعاليات الشعب السوري المنتمية إلى الثورة، بل حتى الفئات “الحيادية” والمحسوبة على النظام.

وحتى يكون الموقف ذا فاعلية، يجب التفكير، على مدى متوسط وبعيد، انطلاقًا من أن موازين القوى الحالية ليست لصالح أصحاب الثورة، وأن الوصول إلى وضع مقتدر على الفعل يحتاج إلى الوقت والجهد، وهو التحدي الأكبر المطروح اليوم، وهو الرهان الرئيس.

لقد أطلق الفلسطينيون شعار “يا وحدنا”، حين تخلى النظام العربي عن القضية الفلسطينية، وحين كان الخروج الإجباري من بيروت، لكن انتفاضة الحجارة أعادت القضية الفلسطينية إلى موقعها، وفرضت وقائع جديدة على الجميع، فهل هيئات الثورة السورية والقوى الوطنية قادرة اليوم على إعادة زخم الثورة إلى الشعب، كما قال الشهيد القائد الجزائري العربي بن مهيدي: “ألقوا بالثورة إلى الشعب، وهو يحتضنها”.