استفتاء كردستان العراق: ما له وما عليه

الحلم بإقامة دولة مستقلة راوَد الشعب الكردي، منذ أوائل القرن العشرين، وهو حُلمٌ مشروعٌ له مثل سائر الشعوب، حيث يبلغ تعداده بين 35 و40 مليونًا، ومساحة أرضه الجغرافية تزيد على 400 ألف كيلو متر مربع، لكنّ التطلع إلى ذلك شيء، والواقع المفروض شيء آخر، وبخاصة حكم الجغرافيا. أما إقليم كردستان العراق فتبلغ مساحته ما يقارب 40 ألف كيلو متر مربع، (باستثناء المناطق المتنازع عليها)، ويبلغ عدد سكانه نحو 5.2 مليون نسمة موزعين على أربع محافظات، هي: أربيل، دهوك، السليمانية، حلبجة.

وبما أن مسألة حق تقرير المصير للشعوب باتت من المسائل المسلّم بها، في مواثيق الأمم المتحدة؛ فقد وجب النظر في الجانب الإجرائي من قرار فك ارتباط إقليم كردستان العراق ببغداد. ولكنّ الأمر يتعلق بتصادم مبدأين أساسيين في العقل السياسي الحديث: حق تقرير المصير للقوميات في مطلبها لتشكيل دولة تعبّر عن هويتها الخاصة، ومبدأ سيادة الدولة الذي يضمن وحدتها الإقليمية ضمن حدودها المعترف بها دوليًا.

حظي قرارُ كرد العراق، بالذهاب إلى الاستفتاء على تقرير مصيرهم، بحالة من الهلع والذعر، لكأنَّ الكرد -باستفتائهم على تقرير مصيرهم- يقررون مصير الشرق الأوسط وبلدانه وأنظمته ونخبه الحاكمة والمعارضة. وهذا الكمّ من الذعر والقلق يؤكد مدى فداحة ما عاشه الكرد وبشاعته طوال قرن، تحت سلطة نظم ونخب استبدادية؛ ذلك أن قرار الاستفتاء فضح بطانة الكثيرين وتقيّتهم. ولكن، بمقدار ما هزّ قرار الاستفتاء الشرقَ الأوسط والعالم، فإنه خدم قضية كرد العراق، سياسيًا وإعلاميًا، بحيث يمكن التأسيس والبناء عليها لاحقًا.

إنّ ضعف الدولة المركزية العراقية شكّل عاملًا مهمًّا من عوامل الطموح إلى تحوّل الإقليم إلى دولة، إذ فشلت الحكومة العراقية في تقديم أنموذج جديد، يأخذ بالحسبان مصالحَ مختلف المكوّنات، واليوم تجاوزت الوقائع ضعف الدولة المركزية إلى مرحلة أخطر، خصوصًا بعد تنامي الاستقطاب الطائفي في العراق، وسيطرة “الحشد الشعبي” على مفاصل أمنية عديدة.

ولكنّ حق الشعوب بالحرية والاستقلال شيء، وقدرتها على تحقيق ذلك شيء آخر تمامًا، وبالتأكيد ليست كردستان العراق استثناء، وخصوصًا أن العراق وتركيا وإيران تملك ما يكفي من الأدوات والذرائع، لخنق الإقليم اقتصاديًا، وتهديد استقراره أمنيًا وعسكريًا، في حين أن الغرب الأميركي والأوروبي -وإن كان يقر ضمنًا بحق الأكراد في الحصول على استقلالهم- لا يرى الظرف الحالي في المنطقة مناسبًا للخوض فيه. وعليه؛ كان إقدام حكومة كردستان العراق على استفتاء الانفصال أشبهَ بمغامرة غير محسوبة النتائج؛ قد تقوده للانعزال.

فمن جهة، يهدد الانفصال بانهيار اقتصاد الإقليم الذي ترتبط شرايينه بدول معارضة بشدة لهذه الخطوة، مثل تركيا والعراق وإيران، وتعدّها تهديدًا لأمنها القومي؛ الأمر الذي يضع مسؤولي الإقليم أمام تداعيات صعبة، تتمثل في منع تصدير النفط الذي ما يزال المورد الرئيس لكردستان، فضلًا عن حركة التجارة مع دول الجوار واستثماراتها في العديد من المجالات بالإقليم. ومن جهة أخرى، تعرف قيادة الإقليم أن إعلان الدولة الناشئة يحتاج إلى الغطاء القانوني والاعتراف الدولي، فمن سيوفرهما لها؟

إن قيادة إقليم كردستان تتصرف على أساس أنه قد آن أوان قطف ثمرة الأمر الواقع القائم، وتحويله إلى كيان سيادي، في حين أن سائر المؤشرات -حتى الآن- تدل على أن الاستفتاء ينطوي على مجازفة سياسية مفعمة بالمحاذير والمخاطر، فلا يحتاج قادة الإقليم إلى من يذكّرهم بوطأة الجغرافيا. ولئن كان من السهل حصول موافقة الأكراد على الانفصال أو الاستقلال؛ فإن التحدي الأكبر يكمن في اليوم التالي لإعلان الاستقلال، حيث ترى سائر القوى والدول من حول كردستان أن هذا المشروع يهدد أمنها، وبصرف النظر عما إذا كان في ذلك مبالغة أم لا، فالمهم أن المشروع يلقى رفضًا حازمًا، بما يجعل النتائج الإيجابية السابقة التي تحققت (لا اللاحقة فحسب) عُرضة للتبديد، بفعل الضغوط المتوقعة من هنا وهناك.

وسيعني عدم حصول الاستقلال -في ضوء هذا الإصرار والحشد الإعلامي والجماهيري- خسارةً كبيرة للحزب الديمقراطي الكردستاني؛ الأمر الذي سيؤثر سلبًا على شعبيته، إلا إذا حصل، بدلًا من الاستقلال، على الكثير من التنازلات من حكومة العراق المركزية، وأهمها تثبيت الحدود الجغرافية الحالية، أي الحدود بعد الحرب ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) دستوريًا، والحصول على اعتراف عراقي بحق الإقليم، في بيع النفط من دون الرجوع إلى بغداد.

إن الظروف والأوضاع، والمنعطف الذي تمر به المنطقة، وبيان مجلس الأمن الدولي الصادر بإجماع أعضائه، فضلًا عن الطبيعة الشديدة النسبية لمبدأ تقرير المصير وتعارضه مع أسس بناء الدولة القومية المتعددة المكوّنات وإشكالاته، لا تفعل كلّها غير الحضّ على تأجيل النظر في الدولة الكردية إلى أمد آخر.

إن ما يحصل في سورية منذ ست سنوات ونيّف، وما تشهده تعقيدات استفتاء كرد العراق، يبيّنان حدود الرهان على القوة وحدها، ومخاطر الاستمرار في المراهنة على تخليد مبدأ الإكراه. فمن دون إعادة النظر في المبادئ التي تنظم علاقات الحكام بالمحكومين، على أساس الدولة الوطنية الحديثة، دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات؛ لن يكون أمامنا سوى الجحيم، من دون أمل بتحقيق أي كسب، وللجميع، باستثناء إدامة الحرب، وتأجيل السلام إلى ما لا نهاية.