حصتنا من التاريخ

غاب الشعب السوري طوال عقود عن الأحداث التاريخية، وكان في مجمله مكملًا للصورة التي رسمها نظام الحكم الذي تولى السلطة، في أعقاب الانقلاب الذي قاده الديكتاتور السابق حافظ الأسد عام 1970؛ وبدا السوريون -بعد ذلك التاريخ- شعبًا يكمل صورة “قائده” الذي يقود الانتصار إثر الانتصار، فحقق النظام، على الورق طبعًا، إنجازات خالدة، وأنجز مشاريع تنموية جبارة، لم ير منها الشعب شيئًا، الشعب الذي كان غائبًا ولا يفعل شيئًا سوى التصفيق لحكمة سيادته، وعبقريته التي لم يعرف لها التاريخ مثيلًا، وضجت أدبيات تلك العقود الثلاثة التي حكم فيها الأسد الأب، بمطولات التمجيد والتقديس، وصولًا إلى اعتباره -في كثير من الأوقات- سببًا من أسباب الحياة والموت. بعد تولي ولده السلطة عام 2000 لم يتغير الأمر على الإطلاق، بل ظل السوريون خلفيةً في مشهد الحكم، لا أكثر ولا أقل، وكان “الرئيس الشاب” يجود على الناس بحكمته وعبقريته سائرًا على خطى والده، في تكريس نفسه “شبه إله” يقود السوريين نحو عالم وردي؛ فينساقون وراءه، أو هكذا شبّه له، دون أن تظهر وجوههم أو ملامحهم، فالأهم هو أن تصنع عائلة الأسد التاريخ، وأن تكون سورية “إقطاعية” يملكونها، ويمنون على شعبها بعطاياهم الكثيرة ومنحهم، فهي -إنْ شاءت أو أبَت- صارت تسمّى سرًا وعلانية “سورية الأسد”.

هذه الصورة النمطية عن سورية، قبيل منتصف آذار/ مارس عام 2011 والتي استمرت إلى أكثر من أربعين سنة، تغيرت كليًا، حين تصدرت الجماهير المشهد وقررت أن تصنع التاريخ بنفسها، وألا تقبل تلك الوصفات الجاهزة التي كانت تقدم لها، تحت مسميات الممانعة والصمود والتصدي؛ فثارت أولًا على تلك البضاعة المستهلكة ولم تعد تقبل بشرائها أو تدوالها، فصنعت الجماهير حكايتها التي وصفها عديد من المفكرين والمراقبين بأنها معجزة حقيقية، معجزة أن يخرج الشعب أخيرًا من تحت العباءة الثقيلة، ويقرر صناعة تاريخه بنفسه.

استمر ذلك الحراك الاستثنائي قرابة عامين، استطاعت الجماهير، في تلك المرحلة، أن تقول كلمتها مرارًا وتكرارًا، واختفى النظام كليًا عن المشهد، وقد راهن الكثيرون أوائل العام 2013 على أن لعبة آل الأسد وصلت إلى نقطة النهاية، وما هي إلا أيام حتى يتداعى الهيكل، قال أحد الوجوه البارزة في المعارضة السورية التي تصدرت المشهد، في تصريحات على قناة (الجزيرة): “نحن نستعد للعودة إلى دمشق منتصرين، النظام مات ولم يعد موجودًا إلا على الورق”. قد يبدو ذلك الكلام صحيحًا حتى يومنا هذا، أي أن النظام مات، فهو لم يعد ذلك النظام صانع البطولات، وإن كانت محاولات تلميعه وإعادة تأهيله تجري على قدم وساق، وتتولى القيام بها دول كانت، حتى وقت قريب، تدعي أنها تناصبه العداء وتعمل لإزالته، وهو لم يعد صاحب قراره كما كان سابقًا، بل صار يتهاوى بين أيدٍ كثيرة لعله يتمكن من الثبات على كرسيه فترة أطول، وهو يعلم تمامًا أن مفتاح بقائه أو زواله موجود في خزائن عواصم عالمية، قد تكون موسكو وطهران أبرزها، من دون أن نسقط من حساباتنا أن واشنطن -وإن بدا أنها ابتعدت كثيرًا عن طرح فكرة “تنحي الأسد” التي كانت تصر عليها في أوقات سابقة- ما زالت قادرة على سحب صمام الأمان والإطاحة به، بخاصة في ظل إدارة مزاجية، لا يمكن التكهن بما يمكن أن تفعله مثل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

في تلك الفترة، أي منذ آذار/ مارس عام 2011 وحتى يومنا هذا، ونستطيع التخمين أنها ستمتد على الأقل سنة أو سنتين إضافيتين؛ نال الشعب حصته من التاريخ غير منقوصة، لكنها كانت حصة دموية مؤلمة، ربما لم يشهد التاريخ لها مثيلًا في قساوتها، وتقدّر إحصاءات غير دقيقة عدد الضحايا من المدنيين الذين سقطوا خلال هذه السنوات بأكثر من ثلاثمئة ألف، نصفهم على الأقل من الأطفال والنساء، فيما تؤكد وسائل إعلام ومراكز إحصاء ثورية أن الرقم الحقيقي قد يكون ضعفي هذا الرقم، إن لم يزد عليه قليلًا، يضاف إليهم مثلهم، تقريبًا، من الجرحى والمصابين، فيما تجاوز عدد النازحين والمشردين ستة ملايين. غير أن رأس النظام الذي نعزي أنفسنا بأن نقول إنه سقط وانتهى عهده، لم يـتأثر ذلك التأثر البالغ، ربما ازداد عدد الشعرات البيضاء في رأسه، وهو يعيش حبيس “قصره الجمهوري” لا يكاد يغادره، وانحدرت منزلته من رئيس للجمهورية إلى مختار لحي المهاجرين، أو قائد ميليشيا تعمل بتوجيهات إيرانية، في أحسن أحواله. لا يمكن المقارنة طبعًا بين الحصتين اللتين نالهما كل طرف من الطرفين، لكن أليست هذه حال الثورات دائمًا؟ ألا تدفع الشعوب ثمنًا باهظًا لمطالبتها بالحرية واستعادة حصتها التاريخية التي كانت مسروقة؟

نعزي أنفسنا، ونحن نسير بألم لننجز عامًا سابعًا من عمر الثورة والمذبحة السورية، بأن تكون السنوات السبع التي انقضت سنوات عجافًا، مستعيدين شيئًا من الإيمان الذي لم يعد لدينا سواه، على ما يبدو، بعد أن فقدنا الكثير من أسلحتنا التي كانت حتى وقت قريب مصدر قوتنا، وننتظر بفارغ صبر أن تأتي سبعٌ سمان، تزيل هذا القحط والجفاف الذي ضرب حياتنا وحولها إلى واحدة من أكبر المآسي التي عرفتها الإنسانية، كما جاء في تقرير صدر عن الأمم المتحدة، مطلع العام 2016.

فهل علينا أن نستظل بشيء من التفاؤل، ونواصل طريقنا الشائك الذي اخترناه، أم أن علينا أن نلقي أسلحتنا ونقنع أنفسنا أن حصتنا من التاريخ ستكون دائمًا حصة دموية؟ التاريخ لا يريدنا أن نقول ذلك أبدًا، تجارب سوانا من الشعوب تقدم لنا درسًا، لا بدّ أن نستفيد منه، وهو أن الشعوب تنتصر في النهاية، سواء طال الزمن أم قصر.