لقاء مع مالك جندلي

فنان سوري حفظ سورية الجميلة في ألحانه، لينقلها أمانة إلى الأجيال المقبلة التي لم تعرف من سورية سوى الحرب وخيمة اللجوء. رفع اسم سورية في العالم كأيقونة موسيقية.. سورية التي كتبت أول نوتة موسيقية في التاريخ.

عزف مالك جندلي الألحان السورية في أهم مسارح العالم، ولم يستطع إجرام نظام الأسد إضعاف عزيمته على مواجهة الظلم بل زاده إصرارًا. رفع علم الثورة في أهم المهرجانات الفنية العالمية، وتكلم عن معاناة الأطفال السوريين أمام أهم صانعي القرارات في العالم.

عندما اجتمعت بمالك جندلي لإجراء اللقاء؛ شعرت بأنني رأيت خارطة سورية في بريق عينيه، فهو يردِّد اسمها في كل جملة يقولها. يتكلم عن تاريخ سورية بكل فخر، وينظر إلى مستقبلها بكل تفاؤل. يجعلك تشعر بأن الخير سوف ينتصر في وقت قريب.

على الرغم من أن شهرته وصلت إلى العالمية إلا أنه يحب أن يذكر دائمًا بأنه فنان سوري أولًا، كما لا يُحب أن يقال عنه إنه يدمج الألحان الغربية والشرقية، بل يقول بوضوح: “أنا أقدم الألحان السورية الأصيلة”. يؤمن الجندلي بأن الموسيقى الهادفة قادرة على فعل المستحيل؛ لذا يحاول ترسيخها في ذاكرة الجميع، ولا سيّما الأطفال الذين يأخذون الحيز الأكبر من اهتمامه.

لا ينتمي مالك جندلي إلى أي حزب أو تجمع سياسي، لكنه كان من أوائل الفنانين السوريين الذين اتخذوا موقفًا إنسانيًا متعاطفًا مع الشعب السوري والثورة السورية، وقدم أول أعماله الوطنية الداعمة للثورة بعنوان (وطني أنا)، بعد شهر واحد من بداية الثورة السورية، حققت صدًى واسعًا جدًا بين السوريين، لما تحمله من رسائل إنسانية ووطنية، لكن رد النظام السوري عليه كان عنيفًا جدًا، فقد أرسل مجموعة من الشبيحة إلى منزل والديه في حمص، وقاموا بتكسير المنزل وسرقة محتوياته والاعتداء بالضرب المبرح على والديه، مع تهديدات بردٍّ أكبر، “في حال استمر ابنهم بدعم الثورة ضد الأسد”.

يقول جندلي: “كان لدي واجب وطني بأن أقف مع أطفال بلدي، وأن أدافع عن المظلومين من أطفال درعا الذين شاركوا في تظاهرات سلمية، تطالب بمطالب بسيطة ومحقة، شعرت بأن عليَّ أن أقوم بدوري، وأعبّر عن هذه الحالة، وهنا كانت كلمات المقطوعة (وطني أنا وأنا وطني)”.

على الرغم من أن ردّ النظام كان قاسيًا جدًا، لكنه كان متوقعًا بالنسبة إلى جندلي؛ فهو -حسب قوله- كان شاهدًا على ما ارتكبه النظام في حماة في الثمانينيات، ولهذا السبب يعلم أن لا شيء مستبعد من قبل هذا النظام، حيث قال: “ما زلت أتذكر جيدًا حين تلقى والدي مكالمة تطلب منه الذهاب إلى حماة لإسعاف المصابين، بعد ساعات من ارتكاب المجزرة، فذهبنا معه وشاهدنا المناظر المروعة هناك. لذا أنا أعرف تمامًا أن لا حدود لما يمكن لهذا النظام أن يفعله، لكني لم أتوقع أن يكون الرد على مقطوعة موسيقية بمهاجمة والديّ، مع العلم أن والدي طبيب ووالدتي مدرّسة حاصلة على الدكتوراه، ولا علاقة لهما بأي حزب أو طرف سياسي. لكن من دون شك، إن دولة الفساد والظلم تُدرك مدى أهمية القوة الناعمة للفن؛ لذلك هاجموا علي فرزات والقاشوش، واعتدوا على عائلتي بالطريقة نفسها التي يحاولون فيها تدمير حضارتنا وتراثنا”.

بعد دخول قوات النظام إلى مدينة تدمر عام 2016، قاموا بالاحتفال بعيد الشهداء بإقامة حفلة للأوركسترا الروسية، بالتعاون مع الأوركسترا السورية، على مسرح تدمر الأثري، لكن رد الجندلي كان بتقديم السيمفونية السورية الحقيقية المبنية على ألحان سورية أصيلة. “واجبنا في هذه المرحلة هو الحفاظ على تراثنا وجمال تعدديتنا وحضارتنا للأجيال المقبلة، من خلال الفن الهادف؛ لهذا قدمت (أصداء من أوغاريت) وغيرها من الألحان السورية الأصيلة، لأن ألحاننا هي جزء من هويتنا”.

كما قدم جندلي نشيدًا من كلماته وألحانه بعنوان (سورية نشيد الأحرار) الذي انتشر بصورة واسعة بين صفوف السوريين، وعدّها الكثير منهم النشيدَ الوطني السوري الجديد لسورية الحرة. يقول عنها الجندلي: “أنا ملحّن ولست شاعرًا، لكني عبرت عن مشاعري حينذاك بكلمات هذا النشيد، ولحنته، وقمت بإنتاجه على حسابي الخاص، سجلت السيمفونية في موسكو، وسجلت الغناء بالتعاون مع كورال دار الأوبرا المصرية في القاهرة، ثم دمجنا التسجيلين بعمل فني، يلخص جمالية الحضارة السورية”.

يضيف: “في الوقت الذي حصل فيه الاعتداء على والديّ، تأملت كثيرًا بالدور الذي تستطيع الموسيقى أن تلعبه، وهذا ما دفعني إلى استخدامها لنشر المحبة والسلام، وهو ما أعمل على تقديمه في جميع أعمالي وجولاتي”.

عن آخر أعماله والمشاريع التي يعمل عليها، أجاب الجندلي:

“هناك سيمفونية أعمل عليها، أطلقت عليها اسم (سيمفونية التغريبة السورية) “hiraeth”، وهي تعني التوق إلى وطنك الذي لا تستطيع العودة إليه. هي سيمفونية مبنية على ألحان من دمشق وحلب وكامل سورية، تعبر عن حضارتنا وتراثنا، قدمناها على مسرح (كارنغي هول) في نيويورك، وقمنا بإنتاج الألبوم ووضعنا على غلافه لوحة لفنان أميركي، تعبّر عن اللاجئين باختلافهم وتنوعهم.

بدأت (سيمفونية سورية من أجل السلام) الجولة العالمية، بصوت أطفال سورية الأحرار من فيينا، لتزور أهم مسارح العالم في السويد وأستراليا وإسبانيا وغيرها، وبحضور أهم الشخصيات العالمية مثل ملكة إسبانيا ورئيس النمسا.

في الوطن العربي، أيضًا كانت هناك فاعلية مهمة في الكويت مع الفنان علي فرزات على مسرح الجامعة، تهدف إلى التوعية وشرح القضية السورية، إضافة إلى جمع التبرعات. كما قمت بزيارة مخيم الزعتري، منذ مدة قريبة بالتعاون مع جمعية (save the children) وقدمنا أمسية خاصة، واجتمعت مع الأطفال، وأنجزنا ورشة عمل أيضًا مع أطفال الزعتري.

(بيانو من أجل السلام) هي منظمة مستقلة وغير ربحية، تهدف إلى نشر السلام، من خلال الموسيقى والعلم، وهو مهرجان سنوي في شهر أيلول/ سبتمبر من كل عام، تقوم فكرته على جمع البيانوهات التي يجري التبرع بها، وإحضار الطلاب والأطفال ليقوموا بتلوينها وتحويلها إلى أعمال فنية زاهية اللون، ثم نقوم بعرضها في شوارع المدينة أو مراكز المواصلات العامة والحدائق لمدة أسبوعين، حيث يمكن لأي عابر طريق في هذه المدينة أن يعزف عليها، ويضفي جوًا من الإيجابية والجمال للمشهد اليومي. وبعد انتهاء مدة مهرجان (بيانو من أجل السلام)؛ نتبرع بهذه البيانوهات إلى مأوى العجزة، المياتم والمدارس في المناطق الفقيرة والمشافي، ونحضر الفنانين من الشباب ليقيموا حفلات على مدار سنة كاملة، كما أن هناك مدرستين -حتى الآن- أعادتا إدخال التعليم الموسيقي إلى منهاجها الدراسية، بعد أن حصلتا على البيانو.

(مسابقة مالك جندلي للشباب) هي مسابقة مفتوحة للشبان والشابات الذين يملكون الموهبة حول العالم، حيث تتضمن شروط المسابقة تقديم المشاركين لمقطوعة من بلدهم الأم، ومقطوعة أخرى من أحد مؤلفاتي. الجائزة النهائية هي افتتاح أمسيتي على مسرح (كارنغي هول) التي يحضرها أهم الشخصيات الثقافية والسياسية سنويًا. هدفي من هذا الموضوع هو حثّ جيل الشباب على البحث عن هويتهم، وتشجيعهم على الفخر بها والمحافظة عليها. أول فائزة معنا كانت شابة سورية وبعدها شابة تونسية، والسنة الماضية كان الفائز من كوريا. أحب أن أحتفي بالمواهب الشابة وأن أعطيها فرصة الظهور، كما أريد أن أذكر بأنه جرى اختياري في (كارنغي هول) وحصلت على جائزة (المهاجر العظيم)”.

عن أصداء ومدى تفاعل الجمهور مع هذا النشاط الفني، قال مالك جندلي: “في كل عرض قدمته حول العالم، كان هناك جمهور متنوع من جميع أنحاء العالم، إضافة إلى الجمهور السوري الذي أسعد بوجوده في جميع جولاتي، وفي كل مرة أرى اهتمامًا وتفاعلًا كبيرين من الحاضرين مع المقطوعات التي أقدمها، إلى جانب الأسئلة التي يطرحونها عليَّ، خلال الندوات وورشات العمل عن سورية، وعن تفاصيل ما يجري هناك، فنحن نجتمع معًا من أجل السلام، ولا توجد قضية في العالم أسمى من السلام. في سيدني أستراليا -على سبيل المثال- كانت هناك فاعليات متعددة في البرلمان ودار الأوبرا وجامعة سيدني، حضرها عدد كبير من الطلاب والصحافيين والمفكرين والسياسيين الأستراليين، إضافة إلى جمهور من جميع أنحاء العالم، ومن الجالية السورية، وكان تفاعل الجمهور يفوق الوصف”.

“بشكل عام، أنا أفضل الأمسيات والفاعليات الثقافية التي تقام في الجامعات والمدارس، فقد قدمت العديد من الأمسيات والندوات الأكاديمية في جامعات هارفرد وديوك وكولومبيا، وغيرها من أهم جامعات العالم، كما أقمت ورشات عمل مع مدارس اللاجئين في أكثر من بلد، لأنني أؤمن بدور الأطفال والشباب في بناء المستقبل والتأثير فيه”.

عن وجود جهاتٍ تساعد في دعم المشاريع الثقافية والفنية التي يطرحها، يقول جندلي: “لا أتلقى أي دعم من أي جهة، أنا فنان مستقل وإنسان حر، لا أنتمي إلى أي منظمة أو مجموعة، جميع أعمالي من مجهودي وإنتاجي الخاص، لكن هناك شراكات في بعض المواضيع المحددة، مثل شراكتي مع المعهد الأسترالي للسلام، وأيضًا الشراكة بين مؤسستي الخاصة ودار الأوبرا”.

وعن وجود عروض سورية أو عربية لتبني مثل هذا النشاط، قال الجندلي: “خلال سبع سنوات من الثورة السورية لم نرَ أو نسمع عن فرقة سيمفونية عربية أو مهرجان عربي مثل قرطاج أو البستان أو غيره احتضن القضية السورية، أو علق على غرق الأطفال السوريين. لماذا قامت أوركسترا بالتيمور في الولايات المتحدة وعزفت سيمفونية (البحر الصامت) التي ألفتها عن الأطفال السوريين الذين يغرقون في بحر اللجوء، بينما تجاهلت الفرقة السيمفونية في القاهرة هذه القضية بشكل كامل! للأسف هناك عدم إدراك وتقدير لقيمة الفن الجادّ والهادف، ومدى تأثيره في طرح القضايا الإنسانية”.

ختم مالك جندلي بقوله: “في النهاية، أريد أن أقول إن القضية السورية هي قضيتي وواجبي -كسوري- الحديث عنها، لكني أطرحها على المسرح العالمي كقضية إنسانية، تخص العالم أجمع وليس السوريين فقط. هدفي الأساس هو الحفاظ على ثقافتنا وإعادة بنائها، بشكل موسيقي وفني وإعلامي، والعمل على تحقيق هذا الأمر هو تحدٍ كبير ومهم جدًا، بالنسبة إليَّ”.