المثقف النذل

في الجوهر، يجب أن تكون الثقافة شريفة، ليس لأنها روح البشرية وخزان ثروتها المعرفية والأخلاقية، والذروة الجمالية للفكر والعقل؛ بل لأنها الملاك الحارس والسد المانع الذي يقف في وجه القباحة والشر. لكن مهنة الثقافة قد تكون –أيضًا- أقرب المهن إلى “قلة الشرف” والغدر. وقد أحسن “المعلم” لينين، حين وصف المثقفين بأنهم “أقرب الناس إلى الخيانة…”.

الإشكال هنا ليس في وجهات النظر المختلفة، أو في سوء الفهم أو الإدارة والتنظيم، ولا هو مجرد صراع بشري/ اقتصادي، على السلطة والجاه وفتات الثروة وحسب، بل هو -أولًا وقبل كل شيء- مأزق أخلاقي إنساني. فالثقافة -في جوهرها- عملية كفاح مستمر لتحرير البشرية من الظلم والعبودية، بأشكالها المختلفة، المادية والمعنوية، والدفاع عن قيم وحقوق الإنسان الفردية والجماعية، الأصيلة والمكتسبة التي تم أنجازها تاريخيًا: مثل حق الحياة والحرية والسكن والطعام والعدالة والكرامة والمساواة والمعرفة والمشاركة والعمل… فأي ثقافة تلك التي تقف مع الظلم والقتل وهدم البيوت والحصار والتهجير! وهل يمكن للثقافة أن تكون طائفية أو نازية أو صهيونية..!؟

يقول الممثل “المثقف” محمد صبحي إنه قدم إلى دمشق لزيارة الشعب السوري، “يا هلا والله”، لكن أحدًا لم يره في الساحات أو الشوارع أو البيوت! نزل في أفضل فندق وقابل “أفضل الرجال”، ثم عاد من حيث أتى! وتقول الفنانة إلهام شاهين إنها زارت سورية كي تقف مع شعبها، ويا ليته/ ليتها فعلت، وزارَت مخيمات الشتات، ونظرت في عيون الأطفال والأمهات السوريات، كما فعلت الممثلة التركية توبا بويوكوستن التي زارت مخيمات اللاجئين، داخل تركيا وخارجها، جلسَت تحت الخيام، والتقت الفتيات السوريات اللواتي فررن من جحيم براميل البارود. وكما فعلت عارضة الأزياء العالمية ناعومي كامبل، والكاتبة الشهيرة أحلام مستغانمي، والممثلة الأميركية أشلي جود، والمغنية الأمريكية جانيت جاكسون، والمغني الإماراتي حسين الجسمي، والممثل الأردني زهير النوباني، وملكة بلجيكا ماتيلدا، والنجمة الأميركية الأشهر أنجلينا جولي، وغيرهم من الفنانين والفنانات واللجان والمنظمات والبرلمانات التي لم تزر المخيمات فقط؛ بل تبرعت بالأموال أيضًا.

حتى لو كان خروج السوريين -جميعًا- في تظاهراتهم، من الجوامع، فهل يقبل “الشاعر الكبير”، بقتلهم وهدم بيوتهم وتشريدهم! ألا يجب أن يكون المثقف صاحب ضمير وشرف! أليس من واجب الثقافة أن تقف مع الضحية، أو تتعاطف معها على الأقل! هل بات الأكثر خداعًا هو الأكثر موهبة وفهمًا!؟ وهل يتحول الفنان إلى دمية بيد المستبد، لو لم تكن موهبته مخرومة وإنسانيته معيبة وضميره مثلوم! وهل تنطبق هذه المواصفات على نجوم الثقافة والفن فقط!؟ نعم، هم “أقرب الناس إلى الخيانة”، لكن، ليس “لأنهم الأقدر على تبريرها”؛ بل لأنهم الأكثر بعدًا عن القيم الإنسانية، والأكثر عجزًا في تحمل مسؤوليتها. كما أن صفة نذل لا تنطبق على المثقف وحده؛ فثمة سياسي نذل، وضابط نذل، ودبلوماسي ووزير ونائب وأمين عام وأمير… وثمة -أيضًا- رئيس نذل.