بين صلاح جديد وحافظ أسد

يسألني عدد من المهتمين بتاريخ البعث والحكم المنسوب إليه، عن أبرز شخوصه، وعمّا جرى فيه، وله، وكيف تمكّن حافظ الأسد من السيطرة المطلقة وإنهاء اللواء صلاح جديد، بسجنه الطويل ورفاقه في القيادة، ثم اغتياله للتخلّص منه ومن احتمالات مجيء خطر من بقائه حيًّا على نظام الأسد بعد وفاته، وقد خطط، ورتّب لتوريث ابنه.

هناك من ينطلق من زاوية تحليل طائفي؛ فيفسر الأمور وفق هذا النهج، ويصل إلى نتائج تبدو بعيدة عن الوقائع والمسارات، كأن يرى أن الأمر برمته مؤامرة طائفية مرتّبة، شارك فيها كبار الضباط العلويين، وعلى رأسهم صلاح جديد الذي استلم في فترة إدارةَ شؤون الضباط، وأنه هو الذي كان وراء تسريحات “الضباط السنّة”، ومن غير العلويين، والمجيء بآلاف الضباط الاحتياط وتثبيتهم، وجلّهم من العلويين، ووضعِ عدد من هؤلاء في المفاصل الحساسة؛ للسيطرة على الجيش من كل الجهات.

بينما يختلف الأمر مع محمد عمران الذي ترأس “اللجنة العسكرية” الثانية التي أشرفت على انقلاب آذار، وقادت جميع التطورات اللاحقة التي مكّنت الحزب من السيطرة والاستفراد. البعض يعدّ عمران الأكثر بروزًا في جانبه الطائفي، والأغلبية تعدّه الأكثر اعتدالًا، وإيمانًا بالوحدة مع مصر، ومع ذلك؛ لم ينل جزءًا يسيرًا مما كُتب عن اللواء صلاح جديد.

تناول سامي الجندي في كتابه النقدي (البعث)، الأقرب إلى المذكرات، عددًا من الشخصيات البارزة في البعث، كميشيل عفلق، وبشكل أقل أكرم الحوراني، ومرّ جانبيًا باللواء محمد عمران، بشيء من تقويم إيجابي، بينما خصّ اللواء صلاح جديد بتفصيل سلبي في النهاية، ولم يأت على ذكر حافظ الأسد إلّا لمامًا، في حين أن الكتاب صدر عام 1969، وكان حافظ الأسد حينذاك وزيرًا للدفاع، وقائدًا لسلاح الطيران، والمسؤول الأول عن هزيمة حزيران/ يونيو.

ينطلق بعض البعثيين، ومعهم لفيف من المهتمين بتلك الحقبة، من فكرة يعدّونها الحقيقة المؤكدة في تفسير ما جرى، إذ يرون أن الطائفة العلوية، ولا ندري من فيها بالضبط، قررت الوصول إلى الحكم والسيطرة عليه عبر البعث، من خلال إقامة تنظيم كامل الصفات داخل البعث.. تنظيم سري خاص له قياداته وشبكاته، وهو الذي قرر وقاد الأحداث وصولًا إلى استلام الأسد مقاليد الحكم بشكل صريح وكامل. بعض هؤلاء “ينسل” اللواء صلاح جديد من هذا العجين التآمري، ويعدّه أحد ضحاياه، ويرى أن الرجل كان يحمل مشروعًا بعثيًا خالصًا، يرمي إلى إقامة تنظيم ثوري قادر على قيادة الحكم وإنجاز الأهداف، وأنه في سبيل ذلك ترك الجيش وتحوّل إلى مدني: الأمين العام المساعد للحزب. وهناك من يذهب أبعد ليقول: إن اللواء صلاح جديد رفض قيادة ذلك المشروع الطائفي، أو الانخراط فيه، بينما قبله حافظ الأسد؛ فأبعد الأول ومكّن الثاني.

أصحاب هذه الآراء ينفي -معظمهم- وجودَ مجلس ملّي للطائفة يخطط ويقود، وأن “عسكر الطائفة” هم من تولى ذلك التنظيم، وقاد الأمور إلى ذلك المآل، في حين يتكلم آخرون، بثقة لا تقبل النقاش، عن وجود مجلس ملّي يمثّل القيادة الطائفية والسياسية، ويطرحون بعض الأسماء المعروفة كأعضاء فيه، وأنه القيادة العليا التي تقود الجميع وتقرر مواقعهم، ودورهم.

بعيدًا عن هذا التفسير، ومدى واقعيته، نرى أن الاقتراب من شخصية الرجلين: اللواء صلاح جديد وحافظ الأسد، يُظهر الفوارق الكبيرة بينهما، ويمنح “جديد” ميزات ساحقة لا يتمتع بها الآخر، لذلك كان التساؤل الكبير مطروحًا، وما يزال: كيف تمكن حافظ الأسد من الإطاحة بـ “الرجل القوي” ورفاقه بانقلاب أبيض، واستمر كل تلك العقود، وأظهر قدرات فائقة في الحكم والتكتيك والمناورة، بخلاف الصورة النمطية التي كانت منتشرة عن طبيعته، وشخصيته، وقدراته؟

لا يُقارَن “جديد” شكلًا ومضمونًا بحافظ الأسد، إن كان من جهة “الكاريزما” القيادية، أو العمق والوعي والالتزام، والمسلك الشخصي العصامي، ونظافة اليد والممارسة، والرؤية الاستراتيجية، والمقدرة على فهم الظواهر وتحليلها، والاستماع لرأي الآخر طويلًا، بينما كان هناك ما يشبه الإجماع في القيادة التي كان الأسد عضوًا فيها، ولدى معظم من عرفه من قرب أن إمكاناته السياسية والفكرية والثقافية محدودة جدًا، وكان البعض يطلق عليه صفات قاسية، واتهامات بالغباء، والمحدودية، وقلة الفهم. ربما تشارك بعضهم في تحديد بعض صفاته كالعناد، والحقد، وقليل منهم مَن ذكر قدراته الفائقة في تجميع الأنصار، وشراء ولاء الآخر، عبر تلبيته احتياجات الضباط الخاصة والإغداق عليهم من ميزانية وزارة الدفاع الهائلة، من دون رقابة أو محاسبة، وأنه لم يكن يردّ طالب إجازة، أو علاج، أو قضية خاصة، بعكس طبيعة وسلوك اللواء جديد الذي كان شديدًا في محاربة الواسطة، والتمييز في معاملة من يأتون إليه لغرض خاص، إلى درجة أنهم كانوا يرجعون غاضبين، وناقمين.

هذه الخصيصة التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا، حيث يتأثر الناس بمن يلبي حاجاتهم، مهما كانت خاصةً، ومخالفةً للقوانين والقرارات المتخذة حول السلوك الثوري، ومحاربة الواسطة، والرشا والمحسوبية، والبذخ، وسرقة المال العام، والكسب غير المشروع، واستغلال المنصب.. إلخ، ستكبرُ وتتحول إلى سلاح بيد الأسد بعد الهزيمة، حين قام بتجميع المتخاذلين والهاربين حوله، وتوفير الحماية لهم، ومنع محاسبتهم، وتسخير جميع القدرات التي يملكها منصبه لصالح مشروعه الخاص، وبناء كتلة متسعة تجاوزت العسكريين إلى المدنيين، وإلى اختراق عدد من منظمات الحزب من قبل المخابرات العسكرية، ومخابرات القوى الجوية، وما يقال عن انعطافته حين طرح “الاجتماع المشترك” للقيادتين القومية والقطرية تغييرَ القيادة العسكرية بعد الهزيمة مباشرة، والذي سقط -كما هو معروف- على صوت الأسد وشعوره بأنه مستهدف، وأنه يُراد تقديمه ورئيس الأركان ككبشي فداء للهزيمة؛ فعمل منذ ذلك الحين على بناء تكتل يحمي نفسه به، ثم ينقضّ على الحكم لصالحه، من دون أن يجد مقاومة تذكر من “الخصم” الذي كان يُحسب له كثير الحساب “نظريًا”.

بعيدًا عن أصحاب التفسير الطائفي لما جرى في سورية، والذي قد يريح أصحابه بالابتعاد عن الحقيقة وتدقيق الوقائع، وتفسير مسارات الأحداث كما عاشها الكثير، آخذين بالحسبان الموضعات الطائفية، بخاصة في الجيش، وتوظيفها من قبل الكثير لتقوية مواقعهم، وتحقيق مشاريعهم الخاصة، أو للكسب والحماية، وحافظ الأسد يكون على رأس هؤلاء الذي كان واضح الاستعداد لاستثمار جميع المفردات لصالح مشروع وصوله إلى الحكم، والاستفراد به.

هنا، وخارج الصورة النمطية السابقة التي كانت شائعة عن حافظ الأسد بأنه شديد الالتزام بالحزب، وأنه “زاهد” بالمواقع، وقد “فُرض” عليه القبول بوزارة الدفاع بعد حركة 23 شباط/ فبراير -بالوكالة-! مع بقائه قائدًا لسلاح الطيران والدفاع الجوي، أو أن تخطيطه للانقلاب بدأ منذ طرح تغيير القيادة العسكرية بعد الهزيمة، وشعوره بأنه سيقدّم ككبش فداء عنها، وتحميله مسؤوليتها.

هناك من يؤكد أن تخطيطَ الأسد للاستيلاء على الحكم منفردًا قديمٌ، ويستشهدون ببعض تصريحات له في مجالسه الخاصة عن حلمه بحكم سورية، بينما بعض الوقائع تؤكد أنه كان مشاركًا، أو على علم ببعض المحاولات الانقلابية، وأنه بدا مترددًا في القبول بحركة 23 شباط/ فبراير، واستخدام الجيش لحسم الصراع الداخلي، وفي قبول وزارة الدفاع وكالة، في حين أن تردده بالقبول كان يهدف إلى بقائه قائدًا لسلاح الطيران والدفاع الجوي، لما له من أهمية في حساب موازين القوى، وأنه كان على علم، أو علاقة بالحركة الانقلابية التي كان يعدّ لها الرائد سليم حاطوم وبعض الضباط المحسوبين على “البعث القومي”، حتى إذا ما نجحت يكون جزءًا منها، وأنه حين فشلها هدد حاطوم الذي كان يعتقل الأمين العام والأمين العام المساعد، بتهديم السويداء على رؤوسهم.

مهما تكن دقة هذه المعلومات، أو بُعدها عن الحقيقة، فالأكيد أن الأسد كان يحمل مشروعًا خاصًا في داخله، وأقله تقوية وجوده ونفوذه من خلال تجميع الولاءات حوله، وحماية الناقمين، والفاسدين والمتخاذلين في الحرب، وأن إيمانه بالبعث كوسيلة لتحقيق المبادئ لم يكن سوى سلّمًا للوصول، شأن استخدامه للموضعات الطائفية في تثبيت وجوده، ومنع محاسبته، ثم في تنفيذ الانقلاب على الحزب بأعلى مؤسسة فيه، ثم الإفصاح عن نهمه للحكم، واستفراده، وتنصيب نفسه قائدًا أوحد بصلاحيات مطلقة، خلافًا لما كان سائدًا في البعث.

أسئلة كثيرة ما زالت مطروحة حول ما جرى منذ ظهور تكتل الأسد في المؤتمر القطري الرابع أيلول/ سبتمبر 1968، والذي ارتكز على مجموعة من الضباط العلويين الذين يُحسبون على “مجموعة عمران”، وعلى عدد من الذين كان يجب محاسبتهم على تخاذلهم وجبنهم وتقصيرهم في حرب حزيران، إضافة إلى عدد محدود من المدنيين الذين لم يجدوا مواقع يطمحون إليها في الحزب، أو عدّوا أنفسهم من المغضوب عليهم، والمبعدين من قبل اللواء جديد.

كان خط المُصالحة والاستيعاب هو الذي تكرّس خلافًا للنهج السائد في التعامل مع الظواهر الخارجة عن قرارات القيادة، أو ما عُدّ محاولات انقلابية: حاطوم وسويداني مثالًا، الأمر الذي كان يطرح أسئلة لا تخلو من التشكيك، خصوصًا بعدما قام الأسد بما يشبه الانقلاب الكامل أواخر عام 1968 بسيطرته على مقر الإذاعة والتلفزيون والأركان ومقر فرع الحزب باللاذقية وتعيين قيادة فرع من قبله، وخطوات انقلابين شبه كاملة، واتخاذ ما يُعرف بـ “المواجهة” واستنفار الحزب وتسليحه.. انتهاء بانتحار، أو مقتل العقيد عبد الكريم الجندي -رئيس مكتب الأمن القومي- وأهم الشخصيات التي كان الأسد يخشاها ويحسب حسابها، فالمصالحة في المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي، وما يعرف بـ “الازدواجية” في الحكم.. والتي انتهت في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، في إثر انتهاء أعمال المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي، واتخاذه قرارًا بفصل الأسد ورئيس الأركان.

قيل الكثير وسيُقال الكثير في محاولات تفسير ما جرى، وكيف تمكّن الأسد من الاستفراد، وإنهاء اللواء صلاح جديد ورفاقه بتلك الطريقة التي بدت سهلة، بلا أي مقاومة تذكر، بينما تبددت ما يعرف بـ “مجموعة صلاح جديد” من الضباط، ولم تتمكن من فعل شيء مهم على مدار العقود.

أعتقد أن الهزيمة فعلت فعلها داخل قيادة الحزب، والكثير منها كان يضع ثقلها وثقتها باللواء صلاح جديد، وقد يتوهم البعض أنه يملك عصًا سحرية في الجيش، فيحركه وفق ما يشاء، وركن الجميع إلى تلك الحالة، وحين وقعت الهزيمة بتلك الطريقة البائسة التي لم يقاتل فيها الجيش السوري كما يجب، ولم يدافع عن جبهة الجولان الحصينة جدًا، خلافًا لكل الشعارات والخطاب السائد. غالبًا ما تتسلل الهزيمة إلى الداخل لتفعل فعلها، خصوصًا أن الفشل في تغيير القيادة العسكرية، والقيام بعمليات المحاسبة للمقصرين والمتخاذلين زاد الأوضاع سوءًا داخل القيادة، ومنح الأسد مزيدًا من الحرية ليتصرف في الجيش كما يريد، ثم البدء بإبعاد المعروفين بولائهم للقيادة عمومًا، وللواء صلاح على وجه الخصوص، خلافًا للقرارات المتخذة التي تجعل أمر التنقلات لكبار الضباط من صلاحية القيادة وليس وزير الدفاع.

كما أن الفشل في تنفيذ قرار المواجهة واللبس الذي حصل حول تفسير الأسباب، بواقع توسع تكتل الأسد، وتدخله المتنامي في الحياة السياسية والبلد، كان يزيد التناقضات داخل القيادة، ويسهم في تفكيك وحدتها، ونمو جو من الاتهامات المباشرة، أو تلك التي تمتلئ بها الجلسات الخاصة، بما يمكن اعتباره أحد تفسيرات الدعوة لعقد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي، من دون تحضير بمستوى القدرة على تنفيذ قرارات من مستوى فصل وزير الدفاع ورئيس الأركان.

وعلى الرغم من أنه يمكن الإيغال طويلًا في الحديث عن وضع القيادة تلك الفترة، ومجموعة الضباط المحسوبين عليها، أو على اللواء صلاح، ونقل معظمهم إلى قطعات هامشية، أو أماكن إدارية، وتردد بعضهم، وقلقلة البعض، إلا أن ما فعله الأسد لا يعدّ شيئًا خارقًا، إذا ما عرفنا تفاصيل الأوضاع تلك الفترة، والأجواء الدولية والإقليمية بعد أحداث “أيلول الأسود” والتدخل غير المنتج للجيش في الأردن، والوفاة الفجائية لعبد الناصر.

ببساطة شديدة، إن خبيرًا (كالأسد) بتفاصيل الانقلابات يمكن أن يقطع الطريق عليها بتركيز وحدات عسكرية مضمونة الولاء حول دمشق، وإبعاد من يشتبه بهم إلى خارج الجيش، أو إلى مواقع بعيدة عن القطعات، وكانت سرايا الدفاع التي تضخّمت عددًا وعدّة، بقيادة الشقيق رفعت الأسد، تحيط بدمشق من جميع الجهات وتقوم بعمليات اعتقال وتوقيف وبلطجة لكل من تعتقد أنهم مع القيادة، وكذلك الوحدات الخاصة، والقوات التي يقودها ضباط من الكتلة الرئيسة، بينما كان حال الضباط المحسوبين على القيادة، أو على اللواء صلاح جديد مربكًا، ويعاني التناقض، وعدم وحدة الموقف، وبالتالي فشلت الوعود في عمل شيء مهم يردّ على الانقلاب، أو يقوم بانقلاب معاكس.

بقي القول إن ديمومة نظام يقطع الطرق التقليدية على الانقلابات، ويستند إلى تكتل عسكري من العائلة والمقربين والطائفة، وإلى أجهزة أمنية متشعبة تنخر بنية الجيش، ووضع ضباط موثوقين في مفاصل الجيش، يجعل أي نظام غير مهدد بأي أخطار، وخصوصًا إذا ما عرفنا أن النظم العسكرية الأحادية تمسخ الحراك الشعبي بمجموعة إجراءات منظمة، ولا تقيم لمعارضته أي وزن، طالما كانت قادرة على قمع أي حالة معارضة واستخدام منتهى العنف ضدها، وهذا أهم أسرار استمرار النظام، إضافة إلى مواقف الدول الإقليمية والغربية، وعلى رأسها “إسرائيل”، وليس لتلك الصفات التي أغدقت على الأسد وصوّرته كعبقري الزمان، والقائد المُلهَم، الخالد.