عندما يحتاج “المربون” إلى تربية

“عندما يحتاج المربّون إلى تربية”، ليست هذي مقولة تهكمية على جيل المربين والمعلمين في قطاعات التربية، بل هي مقولة في نقد الفكر المادي الذي يحوّل الإنسان إلى آلة، تتحرك بمقتضى محرك على أرضيةِ أنه وليد ظروف نشأته المادية والتربية وحسب، وهي الأطروحة الثالثة لماركس، في نقضه ماديّة فيورباخ في كتابه (أطروحات حول فيورباخ 1888)، وقال فيها: “إن النزعة المادية التي ترى أن الإنسان وليد الظروف والتربية، وبالتالي إنه يتغير بتغيير الأوضاع وتجديد التربية، تنسى أن الإنسان هو الذي يغيّر الأوضاع، وأن المربّي نفسه يحتاج إلى تربية”، في إحالة أولى إلى مفهوم الإنسان ككلية ومعنى عام، ومن ثم إلى القدرة الذاتية للفرد، وقد اشترطها بوجود البيئة الحرة التي يمكن أن ينمو فيها، من جانب آخر. فالتربية والحرية عملان متكاملان، لا ينمو أحدهما من دون الآخر، والفاعل الأساس المحرك فيهما هو مقولة التغيير المرتبطة جذريًا بالإنسان.

هي المقولة ذاتها التي ناقشها يومًا إيرك فروم في كتابه (الخوف من الحرية)، عندما جادل في وهم الفكرة القائلة إن الشعب الألماني والإيطالي كليهما يحتاج إلى زمن للتدريب على الديمقراطية، ليلحقوا بركب الديمقراطية الفرنسية. بينما أصل الفكرة في استبداد نظامهما السياسي غير المتقبل إلا لديكتاتوريته ونموذجه العنصري في الهيمنة على الحياة السياسية وأجهزة الدولة جميعًا؛ ما يجعل أي طرح تربوي أو تأهيلي في ظله ليس سوى محاولة تجميل هامشية، لا يمكنها أن تصبح ثقافة عامة، أو عملية تربوية ناجحة في ظل مركزية النظام المغلق سياسيًا وثقافيًا، بشكل مستبد وديكتاتوري.

إن أصل المسألة التربوية هو إطلاق الإمكانات الذاتية للأفراد في المجتمع، وهذا يستلزم فضاء من الحرية وذهنية التنوع والاختلاف، وقبول الآخر على نحو علمي ومنهجي، سواء وافق نهج السلطة الحاكمة سياسيًا أم لا؛ إذ لا أصلَ فعليًا لمقولة التربية إلا عندما يتمتع المربّون بقدر كاف من الحرية والديمقراطية، يستطيعون من خلاله تقديم أفكارهم ونظرياتهم التربوية من دون تخوين أو تجريم، هي عملية متكاملة تأتي في حلقات متتابعة، مركزُها ونقطة انطلاقها الحرية، مع مقولتي الإنسان والتغيير.

أثارت مواقع التواصل الاجتماعي السورية -المعارضة والموالية- حملةً تظاهرية على مناهج التربية السورية الحديثة و”المطوّرة” للمرة الثالثة أو الرابعة، خلال 12 عامًا، منذ بدأت عام 2005، بخاصة المُحدّث منها هذا العام في الصفين: الرابع الابتدائي (الحلقة الأولى) والأول الثانوي، كونها مناهج جديدة، وبعض الكتب الجديدة في الصف الأول وغيرها. اتخذت المنشورات والتعليقات -معظمها- جانبًا تهكميًا و”تنهيفيًا”، يعتمد السخرية والنكتة على طريقة عرض بعض القصائد في الكتب الدراسية كتلك التي تقول: “طش طش طش، و”تب تب تاب…”، تشجيعًا للميراث الشعبي! فلم يكن من الأهالي سوى إدخال “النهفات” على نقدهم، كأن يحتوى المنهاج على أغنية ما يسمى “بأغاني كراجات الباصات”، كونها الأكثر شعبية من قبيل “وين كنت سهرانة، يا بنت….”، ولم يخل الموضوع من نقد جدي أحيانًا، لكنه تمركز حول نقطة واحدة، وهو ما سمي بتكريس الدين والعلوم الدينية، فكانت أمثلتها أكثر وضوحًا كإدراج كتابي التربية الإسلامية والمسيحية في الصف الأول الابتدائي، لأول مرة في تاريخ المناهج السورية الحديثة، وبعض صور أغلفة الكتب ومحتواها المتعلق بطبيعة اللبس والتركيز على الحجاب وإلصاق صفة التربية “الداعشية” في مناهج التربية، حسب زعم المنتقدين، وهذا ما يحتاج إلى دراسة تربوية مقارنة في أساليب المناهج وطرائقها، تحتاج إلى بحث موسع ومدقق في موقع آخر. هذا ما حمل وزير التربية السوري على الاستجابة السريعة والمرنة -وليتها أتمت موضوعها في ذلك- على تشكيل لجنة خاصة لدراسة الملاحظات والمقترحات الواردة إلى الوزارة حول المناهج “المطورة”، والذي جاء فيه: “دراسة الملاحظات والمقترحات الواردة إلى الوزارة حول المناهج المطورة، واتخاذ الإجراءات اللازمة حولها”، إضافة إلى قرارين: الأول باستبدال القصيدة الواردة في درس “يومي الأول”، في كتاب التربية الموسيقية في الصف الأول بقصيدة “وطني” للشاعر سائر إبراهيم. وآخر باستبدال خريطة سورية الموجودة في الصفحتين 169 و204 في كتاب علم الأحياء والبيئة/ كتاب الطالب والأنشطة والتدريبات/ للصف الأول الثانوي، من المنهاج المطور 2017 – 2018.

بينما كان القرار الثاني سياسيًا بمضمونه، حيث استبدلت خريطة سورية المشار إليها في مادة القرار، والتي نُزع منها كلّ من الجولان ولواء إسكندرون، بخريطة لكامل سورية، ولا أحد يعلم مدى صلاحية قرار الوزارة فيه، ولربما كان نصف الحقيقة خير من عتمتها الكلية، فتكريس فكرة أن الجولان واللواء أراض سورية مغتصَبة بفعل فاعل أو بدونه، ضرورة في بقاء قضيتهما حاضرة في ذهن الأجيال؛ ما قد يعفي التربية ومناهجها من زللها الأول. إلا أنه من غير المستغرب أبدًا أن يكون نص قرار وزير التربية الأول، يتعلق بقصيدة للشاعر السوري ياسر الأطرش المعروف بمعارضته لنظام الحكم في سورية، وهو المستقيل من اتحاد الكتاب العرب مطلع 2012 احتجاجًا على نهجه غير المستقل عن سلطة النظام السياسية، وعلى تعسف النظام في تعامله مع مطالب الشعب السلمية في التغيير وحلوله العسكرية والأمنية في ذلك، فحيث إن التعديلات التي ينادي به منتقدو المناهج -وهي في معظمها محقة- لم تلامس جوهر العملية التربوية في خلق البيئة الحرة التي تمكن الجميع من قول رأيهم، بلا خوف وبلا مصادرة ملكياتهم أو حياتهم، فما دام قطاعا التعليم والقضاء تابعين لقرارات السلطة السياسية؛ فسيظلان أسيري نهجها ونموذجها الأيديولوجي، وهذا بالمنطق العام، فكيف إن كانت في معادلة النظم الديكتاتورية التي لا تعترف أصلًا بوجود رأي مخالف أو معارض، بل على العكس تسعى لتكريس عبادة الفرد وحكم العسكر، من خلال سلوكياتها التربوية ذاتها في النشيد الصباحي وتكريس الخوف في نفوس الأطفال، فكيف للقائمين على هذا النموذج التربوي أن يقبلوا أصلًا بقصيدة لشاعر سوري، بغض النظر عن رأيه السياسي، يقول فيها: “أحبائي في الصف الأول.. أهلا يا جيل المستقبل، من صدر الأم إلى صدري.. هي ضمتكم وأتى دوري”. ويبدو أن قصيدة “طش طش” وغيرها أشد جرسًا موسيقيًا ووطنية من التركيز على حنانين: حنان الأم وحنان الأسرة التربوية!

الفنان السوري علي فرزات، رسام الكاريكاتير العالمي المشهور، خرج من سورية وقد كُسرت أصابعه وأيديه لنقده النظام وأعماله الأمنية، واليوم هو من مصممي المناهج التربوية في بلد أوروبي كهولندا، ويمكن أن نعدّ العديد من الإمكانات السورية التي لم تجد لها مكانًا في بيئة الاستبداد ذاتها، والتي مهما اجتهد التربويون فيها والكادر التعليمي على تطوير مناهجها؛ فستبقى أسيرة الحذف بجرة قلم، وربما لن تقف عند ذلك لتصل إلى شطب الشخص ذاته من وجوده وحياته، لتبقى العملية التربوية السورية -إلى اليوم- أشبه بعمليات تجميل تشبه (نفخ الشفايف أو تكبير الصدر)، بينما بقي الجسد مترهلًا سياسيًا وذهنيًا لا يمكن تجميله، مهما كان جراح التجميل ماهرًا.

لتبقى فعليًا “نهفات” السوري مركزَ الحدث ومصدر متغيراته، تدلل على عدم رضاه أو قبوله بكل ما تمليه عليه حكومته المُسيّسة أصلًا، فهل يبقى هناك ملامة على مربٍّ لا يجد فضاء للتحرك فيه، ما لم تتغير السلطة السياسية بنهجها ذاته، أم سنبقى نلقي اللوم على الجهاز التنفيذي، وهو ذاته لا يعلم كيف ومتى بات وزيرًا، ومتى يُقال من منصبه، مثله مثل الدكتور في الطب البيطري المسؤول عن لجنة تطوير المناهج في وزارة التربية، والذي بات مصدر سخرية السوريين أنفسهم: “ما دام المسؤول عن تطوير مناهج تربيتكم طبيبًا بيطريًا؛ فحُكمًا سيكون جيل الطلاب فئرانَ حقل التجربة”، ولربما كان الرجل بعيدًا كل البعد عن هذا وذاك.