عائلة طباخة لـ(جيرون): هذه حكاية “انتحار” ابنتنا رزان

قبل أيام قليلة، منتصف ليلة السادس من أيلول/ سبتمبر، هوى جسد الشابة السورية رزان طباخة، من غرفتها في الطابق الرابع، ليستقر على إسفلت موقف البناية التي تقطنها، في مدينة غازي عينتاب التركية، في بث مباشر على صفحتها الخاصة في (فيسبوك).

بدأ التسجيل المرئي بإطلالة من نافذتها نحو الأسفل، ثم بصوت جسدها يخترق الهواء، ليخيم بعدها صمت مطبق، بعد عطلٍ أصاب مسجل الصوت في هاتفها المحمول الذي هوى معها، في حين بقيت عدسته تعمل لتلتقط انعكاسات أضواء سيارة الإسعاف.. ظلال من تجمهر من الناس.. سرير الإسعاف.. الطريق.. ثم أقدام المنتظرين في الممر البارد، في مستشفى (25 أرليك) وسط المدينة الذي نُقلت إليه.

ناشطون على (فيسبوك) يُصرّحون: “رزان انتحرت”.

على الرغم من غموض التسجيل الذي نقله هاتف رزان المحمول، إلا أنه أثار شكوك أصدقائها وأقاربها ومخاوفهم؛ فتوالت أسئلتهم للاطمئنان عليها، وعندما لم يلقوا ردًا منها؛ علّق أحدهم على الفيديو: “رزان انتحرت”، كطفل ملأته نشوة النجاح بتركيب القطعة الأخيرة في لعبة البازل، موسعًا خلفه لفيضان شائعة “انتحارها”، وما أثارته من جدل، من صفحة رزان الخاصة إلى صفحات عشرات السوريين، إلى مواقع ومؤسسات إعلامية.

لم يمض زمن طويل حتى نشبت حول الحادثة معارك بين سوريين، تناوبوا على التنطع بأدوار المحقق الجنائي، والمحلل النفسي والقاضي الشرعي، وحتى المنجّم بالغيب. فنعاها بعضهم وقد امتلؤوا حسرة، محمّلين الواقع السوري المرير مسؤوليةَ اتخاذها قرارَ “إنهاء حياتها”، ومدافعين عن حقها في هذا الخيار، في حين جرّمها آخرون على “ما ارتكبت بحق نفسها”، من دون أن يخفوا شماتتهم بمصيرها المأسوي، ولم يفت بعضَهم تحويلُ الحادثة إلى مناسبة تهريج، تعدت السخرية المهينة للإنسانية إلى عدوانية لا تُصدّق، وكلّهم -وإن اختلفوا على الأسباب والمبررات- اتفقوا جميعًا على أنها “انتحرت”.

معركة عائلة رزان مع وسائل التواصل والإعلام

بينما كان عشرات السوريين مشغولين بمعاركهم المشتعلة على (فيسبوك)، كان إياد شقيق رزان قد صحا من نومه للتو على قرع صديق لباب بيته، ليخبره أنه شاهد البث المباشر على صفحة رزان، واللغطَ الدائر بشأن انتحارها، فركض إلى منزل أهلها ليتحقق من الأمر فوجدها ملقاة على الأرض، حيث ساعد في إسعافها إلى المستشفى، بعد أن أبلغ حارس البناية بالحادثة.

بدأت معارك إياد القاسية مع وسائل التواصل الاجتماعية سريعًا، حتى قبل أن يفيق من صدمته؛ فكان عليه أن يرتّب رواية محكمة، تدحض خبر انتحار رزان الذي اخترق كالرصاص قلبَي والديه البعيدين، وهما يتابعان اللغط الدائر بشأن انتحار ابنتهما التي لم يعرفا أنها سقطت أصلًا. أنكر إياد الحادثة، مؤكدًا لهما أن هاتف رزان سقط من الشرفة، وأنها نائمة، معللًا نفسه بنجاتها، وبأنها ستستيقظ بعد ساعات من غيبوبتها، وتطمئن أهلها بنفسها.

لم تكن معركة إياد محصورة بالخوف على والديه فحسب، ولا في الشائعات التي بدأت تطالها، وإنما في معرفة حقيقة ما حلّ بشقيقته المقيمة معه في المنزل منذ سنوات، والتي لم يظهر عليها في أي يوم، ولا في أي لحظة، علامات الرغبة في الموت، إذ كانت على الدوام “مُحبةً للحياة، مثابرةً وقوية الإرادة”، بحسب ما وصفَها.

يقول إياد لـ (جيرون): “ليلة وفاتها، عادت رزان إلى المنزل، بعد أن قضت المساء رفقة أصدقائها في السينما، أمضت الوقت معنا، وكان كل شيء طبيعيًا وعاديًا، تناولنا العشاء سويًا، ولعبت مع طفلي، ثم تركتنا وذهبت إلى غرفتها، بعد منتصف الليل بوقت قصير”. ويضيف متسائلًا: “كيف لأناس لا يعرفونها أن يحكموا عليها، كيف لمن لم يشهد واقعة سقوطها أن يحسم أمرَ ما جرى لها، وأنها قضت انتحارًا!”.

يتابع إياد: “صباح اليوم الذي ماتت فيه رزان، أرسلت إليّ تخبرني بموعد مقابلتها، لإتمام معاملة إقامتها التركية، طالبة إليّ الحضور معها، وكان الموعد المحدد في 7 أيلول/ سبتمبر، أي بعد يوم من وفاتها، كما أرسلت إلى شقيقي رسالةً أخرى، تحدثه عن موعد سفرها المقرر في 11 أيلول/ سبتمبر، كانت رزان تخطط لحياتها لا لموتها”. مؤكدًا أنها وضعت خططًا عدة لمستقبلها: أن تكمل دراستها في إدارة الأعمال، وأن تكوّن عائلة خاصة بها، وأنها وجدت في التطوع الإنساني وتقديم ما أمكن لمواطنيها، مغزًى لحياتها.

ويضيف: “في الصورة الرئيسية لصفحتها في (فيسبوك)، كتب بيت الشعر هذا: “المرء ما دام حيًّا يُستهان به.. ويعظم الرزء فيه حين يُفتقد”، فاتخذوه برهانًا ليحسموا أنها كانت ترغب في الموت وأنها أقدمت على الانتحار”. ويوضّح: “اليوم صرت مضطرًا إلى مواجهتهم، وشرح مسائل خاصة، وبأنّ بيت الشعر هذا وضعته رزان بعد موت خالنا؛ إذ انتابها شعورٌ ينتاب أي إنسان عندما يفقد فجأة شخصًا عزيزًا”.

يختم إياد حديثه لـ (جيرون) مُدينًا تعامل الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعية، مع خبر وفاة شقيقته، ولا سيّما العاملين في حقل الإعلام، فبينما تقتضي مهمتهم التقصي الدقيق عن الحقيقة، وهو أمر ما كان يلزمه سوى قليل من التريث والصبر والبحث عن مصدر موثوق، بدا أنهم آثروا الاستسهال، و”السبق الصحافي”، من دون التفكير بحجم ما قد يسببه ذلك من أذى نفسي ومعنوي للعائلة”، ويوضح: “للأسف، وقع في الفخ نفسِه حتى من تنطع للدفاع عن شقيقتي في وجه من جرّمها، فكلا الفريقين أشاع عنها خبرًا كاذبًا؛ زاد من تحطيم قلبنا”.

سيناريو أخير لرحيل قاس:

لم يسعف القدر رزانَ لتنجو وتخبر أهلها حقيقة ما جرى لها، فالشابة التي عانت من تهشمِ عظامها، ومن نزيف داخلي، توقف قلبها، لتعلن وفاتها عند السابعة صباحًا. وأفادت التحقيقات الجنائية والتقارير الطبية، بأن رزان سقطت، ولم يدفعها أحد، ولم تنتحر، ولا شيء في دمها يشير إلى أي مسبب للحادثة. رحلت رزان تاركةً وراءها لغزَ سقوطها يقض مضجع عائلتها.

في الليلة التالية لوفاتها، دخل إياد غرفة شقيقته بعد منتصف الليل بقليل، فتح النافذة الكبيرة التي هوت منها رزان أمس، على مصراعيها، وجلس على الحافة العريضة التي اعتادت شقيقته الجلوسَ عليها، لتدخن سيجارتها، وأخذ يتأمل المشهد: في كبد السماء تعلق قمر أرجواني كبير.. قمرٌ بديعٌ إلى درجة أنك تريد أن تمد يدك لتلمسه؛ تساءل إياد: تُرى هل فكرت رزان بتصويره، فغامرت بنفسها؛ واختل توازنها وسقطت!