عندما تصبح السياسة وهمًا “تجمع القوى الوطنية في السويداء” مثلًا

ربما يذهب اليوم كثيرون من نخبوي المعارضة السورية إلى ضرورة تأجيل النقد والنقد الذاتي، في مرحلة لم يستقر فيها الواقع، ولم يفرز منتجًا بعينه قابلًا للقياس عليه بعد، ولربما يكون هذا حقًا، ويذهب غيرهم إلى أن زمن التأجيل قد يطول، وقد ينقلب الحق إلى باطل. لكن، بما أن العمل السياسي هو عمل بالأدوات وطريقة فعلها، وهذا فرق وميزة، فالسياسة ليست فعلًا في القول في ما نسميه الرأي والرأي الآخر، وعلى الرغم من أهميةِ الرأي وضرورة وجوده في المحيط الحيوي لكل عمل سياسي، كرافعة اجتماعية وحامل شعبي، ومركزيةِ اعتماده في أي أساس لبناء تصوري عن الدولة المنشودة؛ إلا أنه يبقى جزءًا مكملًا في العمل السياسي، كون السياسة -بالمبدأ- عملًا في شؤون الناس وحياتها ومصايرها، لا مجرد رأي فيها وحسب.

“توحيد جهود المعارضة”، “قيادة النخبة” موضوعتان على المعارضة السورية عامة، وفي السويداء خاصة، مراجعتها تفكيكًا وتحليلًا، وإلا اصطفت كما اصطفت باقي فرق الموالاة في شبهة الاعتقاد بديمومة السلطة والاستمرار، في المغالطة التاريخية للزمن والتاريخ في شبهة التوعية وقيادة العمل “الجماهيري”، كمقولات من مخلفات المنظومة الشيوعية التي أتت بكل أشكال الاستبداد والعنف المعاش. فمنذ بدء الثورة السورية، أخذت مقولة “توحيد جهود المعارضة” معاني مختلفة: مرة بمعنى التوافق على شكل الدولة المقبل، ومرة على طريقة الوصول إلى أسرع الخطوات في إنجاح ثورة تواجه حواجز مرتفعة من الخوف والقمع، ومرة للبحث عن إثبات أحقية فكر سياسي خلاف غيره في بحر الثورة الهائج، وفي كل مرة كانت ذريعة عالمية للتملص من مساندة المظالم السورية، بحجة عدم وجود البديل لنظام الحكم الحالي، بينما كانت -وما زالت- الخلافات الأيديولوجية هي الحاكمة في شؤون وهمِ التوحيد هذا، والذي يعني -عند غالبية أطياف المعارضة السورية- الانصهارَ في بوتقة واحدة من شكل الحكم المشبوه في مغالطة سياسية وكارثية شبيهة بـ “الجبهة الوطنية التقدمية” وقيادة حزب البعث لها.

وكحال كل المعارضة السورية، ومن ذات بنيتها الأيديولوجية المقموعة لعهود، حاولت “النخبة” السياسية في محافظة السويداء “توحيد” جهودها ورص صفوفها للمشاركة في ثورة الحرية والكرامة، كما باقي الشعب السوري، منذ بداياتها الأولى في 2011؛ فجمعت نفسها مبكرًا في نموذج أطلق على نفسه (تجمع القوى الوطنية في السويداء)، يقول منسقوه -في صفحاتهم- إنه نموذج وطني للعقد الاجتماعي الأوسع! فهل كانت كذلك؟ حيث مما لا شك فيه شكلت فورة الثورة الأولى حافزًا لكل الأحزاب السياسية المعارضة السورية للعمل العلني في خرق جدار الخوف والاستبداد، سواء كانت سياسية أو مدنية، ماركسية أو قومية، نقابات مهنية حرة أو تنسيقيات، شخصيات وطنية مستقلة وشباب وناشطين، وهكذا كان حال السويداء أيضًا.

سياسة الهروب إلى الأمام، والاختفاء خلف المقولات الجاهزة، تتجلى بوضوح في استبدال المحددات السياسية الملزمة للعمل السياسي بحوارات أيديولوجية محضة، وكأن كل فريق -كثر عدده أم قلّ- يبحث عن إقناع الطرف الآخر برأيه ووجهة نظره الفكرية وليتهم بحثوا عن كيفية إقناع الشارع الشعبي بوجهة نظر واحدة! بل بالعمل على صورة إعلامية حديثة وتقنية ومؤسساتية، بحيث تحاول كسب الرأي العام حولها، لا أن تتحول إلى سياسة تجمّع يضم سبعة عشر فريقًا سياسيًا (أكثر أو أقل، فاعل أو غير فاعل، لا أحد يعلم) إلى مجرد بيان استنكاري بالعلن، وحوارات أيديولوجية في العمق تزيد الفرقة والتشتت في صفوفه؛ فيكون لزامًا عليه البحث عن كل طرق النجاة في الهروب من أجوبة الأسئلة المرحلية، فهل ينتج هذا سياسة وعملًا في الشأن العام؟

قيادة المرحلة السياسية التي يفترضها التجمع لم تكن بالبحث عن أدوات تفعيل العمل السياسي، حيث ضرورة احتماله واحتوائه على قدرة تكتيكية يومية في تغيير أساليب العمل سياسيًا كأحد أهم أدوات العمل السياسية اللازمة للوصول للهدف الاستراتيجي العام وهو التغيير المنشود. هذا ما يستلزم القدرة على قراءة الحدث بعين سياسية لا أيديولوجية، أي بعين واقعية ترصد الحدث، لا بعين المحمول من الأفكار والتصورات الأولى؛ فحيث ما زال منسقو التجمع، كما قوى المعارضة السورية، يدورون في فلك مقولات “الدولة المدنية”، و”وحدة الأرض السورية والشعب السوري”، والتي تبدو في ظاهرها مقولات محببة، لكنها لم تناقش قط مغالطتها الفكرية في صفة الدولة التي حددها التجمع بلا تدقيق أو مراجعة في ندوة سابقة له، بجدل الدولة والمدنية! ولا يقف أبدا عند حدود ما يطرح من مشاريع للمنطقة بدءًا من خطة مركز (راند) الأميركي للحل السوري واتفاقات مسار الجنوب والإدارة الذاتية فيه، بحضور السويداء أو عدمه في مشاريع كهذي، بالقدر الذي تجد مرض القيادة ومحاولة إقناع الآخر بوجهة نظره، وكأن المسألة الوطنية والثورة هي أن يقنع بعضُنا بعضًا بها، لا أن نقنع الشارع الشعبي بها!

أسئلة ثلاثة يجب على تجمع القوى الوطنية في السويداء، ومن هو مثلهم من تجمعات، الإجابة عليها إجابة محددة وسياسية:

  • موقعه على خارطة القوى السياسية السورية سياسيًا، أي زمنيًا ومكانيًا، لا فكريًا وأيديولوجيًا، حيث إن المشاركة في الانتماء السوري ليست محض أمنية بل هي فعل يتطلب التنسيق والجهود الحثيثة.
  • مراجعته النقدية لذاته ومكنونه الداخلي، في ما قدمه للشارع المحلي سواء في تقدمه أو عطالته، لا الاكتفاء بترديد مقولة الجامع السياسي والذي يشكو كل طرف منه فيه من الآخر؛ فجهة تقول يوجد في صفوفنا ثلث معطل لأي قرار، وجهة أخرى تردد هناك ممارسة ممنهجة للإقصاء والتحييد، وجهات أخرى انفكت عن التجمع، وأبقت على صفة رمزية وجدانية بحدها الأدنى فيه، دون تمثيل حقيقي أو فعلي.
  • موقفه المحدد والملزم سياسيًا، مما يدور في كواليس السياسة الإقليمية والدولية حول موضوع السلطات المحلية والإدارة الذاتية المتداولة سرًا وعلانية في ما يتعلق بالجنوب السوري، وهذا يستلزم خطوات عمل سياسية محددة وممرحلة لا ممارسة الوصفة الجاهزة ذاتها من ترديد المقولات ذاتها “أن للتجمع بوصلته المحددة، منذ بدء الثورة….”.

الاكتفاء بمجرد المقولات الفكرية، هو تكرار الإجابة ذاتها على أسئلة متغيرة سياسيًا زمنيًا ومكانيًا، ربما لم يخطئ “أينشتاين” حين أجاب عنها جوابًا علميًا ذات يوم، وقال إنها إعادة إنتاج “عدم الذكاء”، ولنقل إنه وهم السياسة حين تصبح مجرد مقولات تعيد إنتاج الخلاف الأيديولوجي ذاته، وتضع الجميع أمام سؤال لا مفر منه: حيث لازمت الغالبية العامة من الناس في المحافظة الحياد لمجريات الحدث السوري، فهل يمكن لتجمّع سياسي معارض أن يلازم الحياد السياسي أيضًا؟ أم أنه -كغيره من المركوبين بوهم القيادة- ما زال ينتظر أن تتحرك مجريات الأحداث من خارج فعله وأدواته، ليكون في مقدمة ركبها؟ فحين تصبح السياسة وهمًا، تصبح كل أدواتها مجرد قول يمكن إعرابه لغويًا فقط، وإلا فلنسمها شيئًا مختلفًا، وهذا لا يعيبها أبدًا.