العلمانية ليست بالضد من شيء

وقعت بين يديّ رواية، كان صاحبها قد أهداها إلى أحد رؤساء فروع حزب البعث في بلدي، وقد علّق عليها الأخير بقلمه متأثرًا بكاتب الرواية: “آه.. ومتى يأتي اليوم الذي لا تمارِس فيه علينا المآذنُ هيمنتها، ولا نسمع صوتَ الآذان مرغمين!”.

استحضرَت ذاكرتي هذه المقولة، بعد قيام الثورة السورية وعودةِ الجدل القديم-الجديد، بين العلمانية والأديان؛ وبدا لي أن هذا الجدل يوحي -للمراقِب المحايد- بأن هذه الشعوب كانت محكومة بأنظمة دينية؛ فقامت هذه الثورة (التي يجب أن تكون علمانية) للتخلص من هذه الطغمة الدينية الحاكمة بأمر الله!

العلمانية التي يروّج لها كثيرٌ من ثوار (فيسبوك) لا تختلف كثيرًا عن أمنيات رئيس الفرع البعثي، إذ إنهم لا يرون العلمانية إلا أيديولوجيا، جاءت ضدّ الأديان، ردًا على مقولات الأيديولوجيا الإسلامية، وهنا يكمن الخلل في فهمنا العلماني؛ ذلك أنّ كلّ فلسفة -مهما علا شأنها وزاد أتباعها- ستتحول إلى أيديولوجيا مُدمِّرة، إن هي استمدت مقولاتها بالضد من الفلسفات الأخرى والثقافات. حدَث هذا في الفلسفة الماركسية، عندما تأدلجت؛ وتحولت إلى نزعات تدميرية حصدت رؤوس الملايين من البشر، وحدث كذلك في الفكر القومي، عندما تأدلج عنصريًا وعرقيًا، وحدث هذا مع الإسلام، عندما تحوّل إلى أيديولوجيا ثوريّة مسلحة، تظهر في فترات الأزمات والصراعات (حروب الردة).

لم تكن العلمانية في الغرب إلا قفزة نهضوية في سياقها التاريخي الصحيح، ولم تقف عند محطة واحدة للفهم، بل خضعت لتقلبات وتباينات بين الدول، كان الضابط الجامع لهذه التباينات هو تطور مفهوم الدولة في الغرب، هذا المفهوم الذي طغى جدله على جدل العلمانية؛ ولذلك يمكننا أن نرى علمانيات متباينة في الغرب، ويصعب أن نرى تباينات جذرية، في شكل الدولة ودستورها وأحزابها، ووضع السلطات فيها ومجالسها؛ حيث إن الكنيسة ودور العبادة ما تزال حاضرة في الغرب، وتؤدي وظيفتها وفقًا للقانون والدستور، وليس وفقًا لفهم أفراد الدولة للعلمانية. من هذه النقطة؛ نستطيع القول: إن الدولة الديمقراطية الحديثة متعالية عن الوصف الأيديولوجي الشمولي.

لم تكن مهمة العلمانية في الغرب استئصالَ الأديان -كما يُتصور- بل كانت مهمتها المساهمة في تطوير الرؤية الدينية للحياة، ولا نُنكر أن جذر الثقافة المسيحية في الغرب كان عاملًا مساعدًا في هذه الرؤية العلمانية للحياة، ترمز إليه كلمة المسيح: “أعطوا ما لِقيصرَ لِقيصر، وما لله لله”، ولعمري، إنها عبارة لا تدلّ -كما سُوِّق علمانيًا- على الفصل الكامل بين الديني والسياسي، بقدر ما تدلّ على محددات العلاقة بين المواطن والدولة من جهة، وبين المواطن والسماء من جهة ثانية. وتشابه هذه المقولة، إلى حد بعيد، قصة “تأبير النخل”، يوم قال الرسول محمد لأصحابه: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

مصيبة العلمانيين والإسلاميين، على حد سواء، أن كلا الفريقين يعتمد في تصوراته على الضدية من الآخر؛ فالعلمانيون يثيرون قضايا بالغة الحساسية في زمن الثورة، من أجل الحرية والديمقراطية؛ ما يجعل الإسلاميَّ أكثرَ تشنجًا وخوفًا وريبة، إذ يشعر أنّ هذه العلمانية تهدد باجتثاثه من ماضيه وتاريخه وهويته؛ فيقاتل ويضحي في مواجهة نظامٍ، يتشدق بأنه “علماني”. يضاف إلى ذلك إثارة قضايا خلافية -هنا وهناك- تزيد العداء بين الفريقين حتى لا يكادان يلتقيان على أمر. والواقع أن أحكام المواريث والزواج وغيرها من الأحكام التي يطالب بتعديلها العلمانيون وفق رؤيتهم، تقع على المحور نفسه الذي يطالب فيه الإسلاميون بتطبيق الشريعة وأحكامها، وجعل الإسلام حاضرًا في دستور البلاد، فكلا الفريقين يقدح بالديمقراطية، قبل أن تتحقق في بلدانهم، في حين ينصّب أتباع الفريقين أنفسهم أوصياء على الناس، يتحكمون في وعيهم وخياراتهم.

تُشكّل هذه المواجهة التي هي أشبه بعملية مراغمة أو (جكارة)، بين الإسلامي والعلماني، عقبةً كبيرةً أمام تقدم المجتمعات، كما أنها تعمي البصر عن تشكّل فهم حديث للدولة الحديثة التي فيها جنّة الخلاص الدنيوي للفريقين، بل للمجتمع كله. وقد تحوّلت هذه (الجكارة) تدريجيًا إلى أزمة أخلاقية عند المعسكرين المتخندقين؛ فمن يقرأ صفحات بعض (علمانيي) الثورة ومنشوراتهم وتعليقاتهم، في سياق حديثهم عن الثورة وأسلمتها؛ يجدْ أنهم يقولون: لقد أخرج الأسد الإسلاميين من سجونه، في بداية الثورة؛ لينقضّوا عليها ويفسدوها، وهذا التعبير -وإن كان صحيحًا في مآلاته- يحمل نزعة توحشيّة تجاه السجين الإسلامي، وكأن هؤلاء السجناء لا يستحقون الحرية من سجون الأسد، أو كأنَّ الأسد محقّ وعادل في سجنهم! ويتمنون لو أنه أبقاهم في السجن بضع سنين أو أكثر. وننسى أن الغالبية العظمى من سجناء وضحايا هذا النظام هم من الإسلاميين والمسلمين المؤمنين، في حقبة الأسدَين الأب والابن، وليس أدلّ على هذه النزعة المتحيزة بل غير الأخلاقية، من المطالبة دومًا بالإفراج عن المعتقلين، ثمّ تُخصّ أسماء معينة من الاتجاه العلماني أو الفني، وكأن فقراء سورية وبسطاء الثورة لا يستحقون الاهتمام أو حتى الذكر باللسان! هذا، ولم نقل إنّ تعزية زوجة إسلاميّ وأبنائه، قضى تحت التعذيب أو في المعارك ضد النظام، تُشكّل -عند بعضهم- عيبًا وخرقًا للثقافة العلمانية الثورية، فهؤلاء “وحوش” لا ينبغي إطلاق سراحهم، وإن ماتوا، فلا سلامَ لأرواحهم!

في الخندق الآخر، يتقوقع الإسلاميون حول رموزهم وخلف مقولاتهم، ولو أمكن لهم؛ لقالوا إن هذه الثورة إسلامية المبادئ والأهداف، ويرون كلَّ من يقف خارج الصف الإسلامي مدسوسًا أو مشبوهًا، ينوي تخريب ثورتهم، فالعلمانية -عند بعضهم- “شرٌّ وكفر”، وهي تهدف إلى محو الإيمان من النفوس، ونشر الإباحية والرذيلة والفسوق والفجور، وإن مات علماني في الثورة؛ أكل القط ألسنتهم!

حداثة أي دولة تكون في دستورها، وفي انتظام علاقة سلطاتها، وسلامة مشاريع أحزابها، والدولة التي يفكر أعضاء أحزابها -المحافظة والعلمانية- في إغلاق مسجد وكنيسة، أو دار لبيع المصاحف، أو “بار” لشرب الكحول، هي دولة ما تزال تقودها عقلية العنتريات والمراجل. إنها -باختصار- دولة ما قبل زمن الحداثة.

نحن اليوم في زمن، أصبحت فيه قبة البرلمانِ المنتخبِ ديمقراطيًا هي المِنبر المعبّر عن الأمن والأمان والحق والواجب والقانون، أكثر من قبة المسجد، وغدا صوت الإعلام المراقب الناقد كصوت الجرس والأذان، فحداثة الدولة أو علمنتها لا تدل على الصدام بين الروحي والزمني، أو بين الدين العام للمجتمع (المواطنة) وبين الدين الخاص -سواء كان وضعيًا أم سماويًا- بقدر ما تحدد العلاقة بينهما انتصارًا، لكل ما فيه خير الإنسان.