فتاوى دينية تنقل وترفض العقل

يكفي أن تقول رأيك في عمل المرأة مثلًا، حتى تنهال عليك الفتاوى الدينية من العقلاء المتدينين، ومن المتدينين الجهلة أيضًا، ويبدو أن حال النقل التي تغمر عقول هؤلاء وأولئك أصبحت أساسًا في لا وعيهم، لإبداء الرأي واتخاذ المواقف بعيدًا عن كل ما طرأ على الفكر من تطور مع تطور المجتمعات، وعلى الرغم من كل البحوث الفلسفية والديموغرافية التي قدّمت ذلك التطور ورافقته وأرهصت لمستقبله.

مواقف المتدينين هي هي لم تتغير تقريبًا، منذ ألف عام على الأقل، وهي ثابتة جامدة عصيّة على الاجتهاد، مناوئة لأي تجديد في النص المنقول، باعتباره نصًا مقدسًا ومنزلًا من السماء لا يقبل الحوار، وساهم كبار علماء المسلمين المعروفين في تجييش ملايين المسلمين ضد الاجتهاد في قضايا جوهرية تمس حياتهم مباشرةً، فمنهم من أفتى أن تعبير: “ميلاد سعيد” لا يجوز استعماله في تهنئة المسيحيين بعيد ميلاد المسيح، وحجتهم أن ذلك يُمثّل اعترافًا من المسلم بأن المسيح ابن الله! وهذه الفتوى تشبه تحريم تعليق لوحات تشكيلية على الجدار يظهر فيها إنسان، أو وضع تمثال على الطاولة بحجة أنه بمثابة وثن!

التقيت في الولايات المتحدة بالشاب الحلبي المسلم محمد، وكان يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويتصدق، وحج إلى بيت الله الحرام برفقة زوجته، وكان الملفت أن زوجته سافرة مثل أي سيدة أميركية، وبرر الأمر على النحو التالي: “ليس لي أن أجبرها على أي أمر، فهي حرة، وأنا اخترت أن أعيش في أميركا بإرادتي، وهي وطني الثاني والنهائي، ولا بدّ لي من الاندماج فيه، ولذلك أحب أن تكون زوجتي جزءًا من المجتمع الأميركي في مظهرها، وليست شاذة عنه، وأنا أجد الحجاب في مجتمع كل نسائه سافرات لا يحقق الفكرة من وراء حجب المرأة لمنع الإغراء، إذ ليس من المنطقي أن يُسدد الرجال نظرهم إلى زوجتي فقط من بين آلاف النساء، بل إن الحجاب هو الذي يُغريهم للنظر إليها وحدها”.

بالمقابل، هناك طبيب أعرفه، زوجته محجبة ولا تُصافح الرجال، وهو يعتبر أن حجابها وسلوكها جزء من العقيدة، بغض النظر عن سببه ومقصده. وقد يذهب التطرف ببعض الشباب المسلم إلى حجب زوجته نهائيًا، بحيث يبدو النقاب أكثر تحررًا من حجابها الذي يُغطي عينيها أيضًا.

لي ابنة خال منعها زوجها حتى من الحديث تلفونيًا مع أقربائها من الرجال، وأنا لم أرها ولم أسمع صوتها، منذ ثلاثين عامًا، فهي -بالنسبة إلي- ماتت في ذلك التاريخ.

تبدو قضية اندماج المسلم مع غيره عسيرة حتى عندما يكون أكثر انفتاحًا، فدائمًا هناك حدود وضوابط وضعها فقهاء ومُفسرون منذ مئات السنين لا يمكن له تجاوزها، لأنها في قناعته تقع تحت معيار الحرام والضلال والكفر أحيانًا، في أوروبا وكندا وأميركا وأستراليا ونيوزلندا، فتحت كنائس كثيرة أبوابها لاستقبال اللاجئين، وأفسحت لهم المجال لإقامة شعائر الصلاة داخل الكنائس، ومدت لهم طاولات الطعام في إفطارات شهر الصوم، وأذّن الأئمة في وسط مُصلّى الكنيسة، وصلى الصائمون خلفه، فيما يستحيل على أي إمام مسجد السماح للمسيحي بالصلاة المسيحية، داخل وحول المسجد، لأن ذلك يُعدّ تشجيعًا على الشرك بالله، ولأن الدين عند الله الإسلام.

بالتأكيد، ليس الدين المسيحي الأصولي أقل تشددًا من الدين الإسلامي الأصولي، لكن اجتهادات متتالية على النص، حوّلت الكنيسة إلى مكان تلتقي فيه جميع الطوائف وتمارس طقوسها بحرية.

حضرت قدّاس الأحد برفقة زوجتي في كاتدرائية واشنطن، ولفتني أن النساء والفتيات كنَّ في الصلاة بلباسهن الصيفي القصير، لقد استطاعت الكنيسة الجديدة قراءةَ النص السلفي، بعيون العصر وليس بعيون السلف، ومن يجرأ من علماء المسلمين أن يصلي صلاة المسيحيين، كما فعل الأب باولو داليليو الإيطالي/ السوري، في كل مكان ذهب إليه، وصولًا إلى مدينة الرقة حيث اختفى هناك في مبنى المحافظة الذي تستقر به قيادة (داعش)، وهو يحاول رأب الصدوع بين الفصائل الإسلامية المتناحرة، هو كان يتوضأ ويُصلي كتفًا بكتف مع المسلمين الذين أكبروا فيه هذا السلوك المتفوق. الأب باولو كاهن مسيحي وله رعية في جبال القلمون وفي غيرها من المناطق السورية، وهو لم يُسلمْ وظلَّ يصلي في رعيته، ولم يُكفّره رعاياه لأنه فعل ذلك، بل إنني، عندما استقبلته في لوس أنجلوس بأميركا، كنت بين عدد غفير من المسيحيين الذين استحسنوا تصرفه وباركوه.

إن عزل العقل لصالح النقل هو معضلة الفكر الإسلامي الذي يتصدى لنشره وتعميمه بصيغته السلفية معظم علماء المسلمين، وسيستغرق هذا النهج ربما نصف قرن أو أكثر قبل أن يبدأ عموم المسلمين بتقبل مُفكّر مثل الدكتور محمد شحرور، الذي خاض -ولا يزال- معركة تفسير القرآن والفرقان والكتاب والتنزيل على قاعدة تشريحية لغوية وفلسفية، يقبلها العقل ويمكن البناء عليها لتحريك المياه الراكدة في بحيرة قديمة ارتفع على محيطها سور هائل من الأحجار الصلدة التي تمنع أي رافد من الوصول إليها.