عن ضعف الرشد السياسي عالميًا

باستثناء الشخصية السياسية الهادئة والقوية والواضحة، للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تلميذة أحد أهم شخصيات مرحلة الحرب الباردة، المستشار الأسبق هيلموت كول، مهندس وحدة ألمانيا الذي توفي منذ أيام قليلة فقط، الشخصية التي تواجه تحديَين كبيرَين على المستويَين الأوروبي والعالمي، أولهما التصدي لرأب الصدع في الوحدة الأوروبية ومحاولة إصلاح أسسها وتحديثها، والثاني ديمقراطي إنساني يتجسد باستيعاب غير محدود للنازحين (السوريين وغير السوريين) الهاربين من جحيم الحروب في بلدانهم؛ فإن الانتخابات الأوروبية -الرئاسية منها والبرلمانية- التي جرت خلال هذا العام ربما تشير إلى دلالات وسياقات مختلفة.

في أيار/ مايو الماضي، انتُخِب الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون، المغمور سياسيًا سابقًا، بفوز كبير على منافسيه، حيث نال 65 في المئة من أصوات الناخبين، على الرغم من صغر سنه السياسي والعمري (39 عامًا فقط)، فهو أصغر رئيس جمهورية مُنتخب في تاريخ فرنسا، إضافة إلى وسامته، وظهوره الإعلامي المميز، والتصريحات السريعة غير المدروسة أحيانًا.

تلت هذه الانتخابات انتخابات برلمانية فرنسية، كان الإقبال فيها على التصويت ضعيفًا جدًا، إذ لم تبلغ النسبة أكثر من 35.33 في المئة من إجمالي عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وتجاوزت نسبة الامتناع عن التصويت، في الدورة الثانية من هذه الانتخابات، 56 في المئة، وهو رقم كبير قياسًا إلى نسبة المشاركين في الدورات الانتخابية السابقة، وقد يؤدي هذا -حسب العديد من الاستنتاجات المبكرة- إلى تحكم الحزب الواحد في فرنسا لخمسة سنوات قادمة.

لكن الدلالة الأبلغ في عموم هذه النتيجة هي يأس الناخب الفرنسي من الأحزاب التقليدية المتحكمة طوال عقود من جهة، وعدم ثقته بالأحزاب أو الحركات السياسية الجديدة وأشخاصها البارزين من جهة ثانية، ربما لإحساس الناخب الفرنسي بضعف الرشد السياسي لزعمائها الممثلين لها.

قبل ذلك بأسبوعين فقط، كانت نتائجُ الانتخابات البرلمانية البريطانية المبكرة التي دعت إليها رئيسة الوزراء تيريزا ماي للحصول على أغلبية نيابية مُطلقة لتطلق يدها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، تُشير إلى فوز حزبها (المحافظين) اليميني بفارق نسبي ضئيل جدًا مع حزب (العمال) اليساري الخاسر، الذي تقدّمت نسبة تمثيله مع تراجع نسبة تمثيل المحافظين، على الرغم من فوزهم. وهذا يعني فشلها في هدفها على الرغم من فوزها في الانتخابات، وربما تشير هذه النتيجة إلى تردد أو تراجع الناخب الإنكليزي عن فكرة الخروج من الوحدة الأوروبية، ولا سيّما بعد أن أقدمت رئيسة الوزراء الحالية التي تسلّمت مركزها، غداة التصويت على قرار الخروج، على تقليص الإنفاق الحكومي على العديد من قطاعات الخدمات الاجتماعية والصحية والأمنية للمواطن البريطاني؛ لذلك فإن نتيجة الانتخابات تُربك موقفها وتضعفه سياسيًا.

وفي ما يخص الولايات المتحدة، أفترضُ أن ظهور وبروز اسم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في دورته الأولى كان أحد أهم أسبابه الحاجة إلى شخصية سياسية استراتيجية جديدة مختلفة ومغايرة، لا سيما بعد مغامرة سلفه جورج دبليو بوش، الناجحة عسكريًا والفاشلة جدًا سياسيًا، في بعض دول الشرق الأوسط والعراق تحديدًا، مُدشّنا بذلك عهد ضعف الرشد السياسي لدى الكثيرين من حكام الغرب المتقدم بعد ذلك.

لكن انكفاء إدارة أوباما، في دورتها الثانية، عن أهم وأخطر القضايا الساخنة في العالم وفي منطقتنا، بشكل خاص، يمكن تفسيره على المستوى السيكولوجي والشخصي الخاص –كما أزعم– دون الإشارة إلى أسباب موضوعية أخرى، بعدم المطابقة في شخصه كرئيس، بين موقف ونظرة الأستاذ الجامعي والأكاديمي المترفع، ومتطلبات شخصية السياسي الأميركي البراغماتي الناجح.

لذلك أزعم أيضًا أن هذا الانكفاء للدور الأميركي القيادي في العالم، في عهده، كان أحد العوامل الرئيسة التي ساعدت على انتخاب المرشح الشعبوي اليميني دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وهو لم يأتِ من بيت سياسي عريق أو دور سياسي سابق، ولا من شركة صناعية أو إنتاجية كبيرة وعريقة، وإنما بالأصل هو صاحب سلسلة عقارات، إضافة إلى اهتمامه بإنشاء الكازينوهات وافتتاحها، وهو لم يتدرج قطّ في سياق تقاليد ومراتب سياسية ديمقراطية عريقة حتى داخل مؤسسة الحزب الجمهوري الذي ترشح باسمه، على الرغم من معارضة الكثيرين من الأعضاء له.

لذلك، لا أغالي إذا قلت إن دونالد ترامب يفتقد فعلًا الرشدَ السياسي المطلوب، بل ربما يُعاني من اضطراب شخصي ما، لا يليق برئيس مُنتخب، ولا أدل على ذلك من تصريحاته اليومية المتناقضة، على حسابه الخاص على (تويتر)، على الرغم من موقعه الرسمي بصفته رئيسًا لأميركا، بل ربما للعالم، هذا عدا فضائح عديدة أخرى تلاحقه، ولعل أهمها وأخطرها على مستقبله -بصفته رئيسًا- التحقيقاتُ الجارية مع بعض كبار معاونيه بشأن التدخل الروسي المفترض لصالحه، أثناء فترة حملته الانتخابية، وكان آخرها اعترافات ابنه (ترامب الابن) حول لقائه بمحامية روسية أثناء فترة الترشح.

أيضًا، من خلال هذا الفهم، يمكن القول إن روسيا الاتحادية التي كانت ثاني أقوى قطب عالمي في فترة الحرب الباردة، صارت اليوم دولة كبيرة قوية عسكريًا؛ بفضل ما ورثته من مكونات القوة العسكرية السوفيتية، لكنها ضعيفة اقتصاديًا كونها ما زالت تترنح، من حيث الإدارة وطريقة الحكم، بين آليات دولة الاستبداد الشمولية الموروثة ليس من عهد السوفييت فحسب، وإنما أيضًا منذ عهد القياصرة، وبين متطلبات ليبرالية الاقتصاد الرأسمالي الحر الذي تتحكم فيه مافيات مالية كبيرة في غالبيتها بقايا رجالات العهد السوفيتي السابق التي اغتنت ونهبت، ولا سيما في فترة تفككه وانهياره، ثم بدأت في فترة الانتقال اللاحقة بتبييض أموالها، لتلعب دورًا اقتصاديًا وسياسيًا جديدًا. وهذا ما جسدته سلطة يلتسين سابقًا، ثم مرشحه الرئيس الحالي بوتين الذي كان رجل استخبارات قديم منذ أيام العهد السوفيتي السابق، لم يتدرج حتى في السلك الديبلوماسي للعهد السوفيتي؛ لذلك تتسم عهوده في إدارة الحكم بمحاولته إعادة ضبط المجتمع الروسي وتوحيده، من خلال إحياء دولة مؤسسات أمنية قوية تديرها مافياويات اقتصادية كبيرة، وإحياء الدور والثقل الدوليين لروسيا، عبر التدخلات العسكرية المباشرة من دون أفق سياسي واضح، فقد صار واضحًا أنه زعيم روسي تملؤه أوهام العصر الإمبراطوري القديم للقياصرة الروس، لكن من دون أي قاعدة اقتصادية قوية أو حامل دولي كبير، أو نظرية سياسية قوية وجاذبة، كما هي الحال أيام العهد السوفيتي؛ لذلك فالدولة الروسية، في عهد فلاديمير بوتين، تُلخّص حالة “فائض النقص”، وتفتقر جدًا إلى الرشد السياسي.

ما زال العالم -على ما يبدو- في حالة سيولة وتشكّل، منذ حقبة تسعينيات القرن العشرين، أو كأنه يعود إلى مرحلة ما قبل سن الرشد السياسي، عشية الحرب العالمية الأولى فالثانية، حيث التنافس المحموم والتنازع لاقتسام جيوسياسي جديد لبعض مناطق النزاع في العالم، ومنطقتنا العربية عمومًا، وسورية خصوصًا، هي أهم أهداف هذا التنافس المحموم اليوم.