زلة لسان لافروف وتعويم المنصات

كان من الممكن أن يُفهم، من حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن إصلاح دستوري، أنه زلة لسان، لكن تكرار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا التعبيرَ ذاته أزال اللبس عن كلام رئيس الدبلوماسية الروسية.

وزير الخارجية الروسي يرى أن المعارضة: لم تعد بعيدة عن المبادئ التي أعلنتها الحكومة في دمشق”. تصريحات الدبلوماسيين المتناغمة تعكس ما يُرسَم في أمكنة أخرى غير جنيف التي باتت أقرب إلى منصة إعلامية، هدفها التذكير بأن القضية السورية ما زالت حاضرة في أجندة المجتمع الدولي.

تدحرج كارثة السوريين من قضية سياسية كبرى، إلى مجرد قضية إنسانية، (وهو أكبر إنجاز يسجل للأمم المتحدة ومبعوثها دي مستورا) قابَله اختزال لافروف سلال جنيف الأربع إلى سلتين رئيستين: هما الإصلاح الدستوري ومحاربة الإرهاب، كما قال. ومن الممكن أن يسجل له هو الآخر نجاحه في نصب فخ، من خلال ما عُرف بمشروع الدستور الروسي للبلاد، من خلال تسريب مصادر روسية، قبل بضعة أشهر، عناوينه العريضة عبر الصحافة اللبنانية المقربة من النظام؛ الأمر الذي قابلته المعارضة آنذاك برفض مطلق، مبررة أن السوريين هم المخولون بوضع دستور بلادهم وليس الروس أو غيرهم، في حين تمسك النظام بدستوره، بحيث بات الحديث معه عن وضع دستور جديد للبلاد يتجه إلى البديل الذي وضعته روسيا، وهذا ما يرجح أن يكون هو الأرضية التي استند إليها لافروف، في طرح فكرة إصلاح الدستور القائم .

المبعوث الأممي الذي جمع (الهيئة العليا للمفاوضات مع منصتي القاهرة وموسكو) ممثلي “المنصات الثلاث”، بحسب التسمية الروسية، على غداء عمل في جنيف، قال: إن من السابق لأوانه الحديث عن دمج أطياف المعارضة المشاركة في مفاوضات جنيف في وفد موحد. لكنه أكد أن الأمم المتحدة تلاحظ تقدمًا نحو صياغة مواقف موحدة للمعارضة، وهو ما ترغب به.

دي مستورا ربط هذا التغير في موقف الهيئة العليا للمفاوضات بلقاءاتها منصتي القاهرة وموسكو، وقد قال لافروف تعليقًا عليه إن “الهيئة العليا للمفاوضات كانت تنظر في السابق إلى أن إجراء محادثات مع المنصتين لا يليق بها”. ربط دي ميستورا مشروع روسيا والولايات المتحدة في مناقشة التسوية السورية بشكل جدي، بحسب قوله، حيث أضاف أنه تم التوصل لأول مرة إلى تلاقي مواقف أطياف المعارضة السورية التي تتحرك الآن نحو صياغة موقف موحد من مسائل الدستور. علاوة على ذلك، “يتحركون نحو مواقف موحدة من المبادئ الـ 12 الأساسية المتعلقة بمستقبل سورية، وتقبلها كذلك الحكومة السورية”، ومن بينها السيادة ووحدة الأراضي وسلامتها، وحماية مؤسسات الدولة.

من اللافت أن وفد الهيئة العليا للمفاوضات ما زال يتحدث عن انتقال سياسي، الذي أقر في بيان جنيف 1 في 2012، في وقت لم تعد تذكر جنيف إلا من خلال جولات المفاوضات التي أصبح عددها مع الجولة الحالية سبع جولات، بدأت بشروط أبرزها تنحي رأس النظام، ومرت بسلال دي ميستورا الأربع، وانتهت الآن بسلتي لافروف اللتين جمعت فيهما روسيا، على مدى السنوات الست الماضية، نتاجَ الاستثمارات التي وظفتها لمنع سقوط النظام.

سلّتا لافروف لا تحظيان بقبول الثورة بكل تأكيد، بالرغم من أنهما تلقيا رواجًا في سوق المجتمع الدولي الذي ظل ساكتًا على الجرائم التي ارتكبتها روسيا وإيران والنظام بحق الشعب السوري، لكن ترويج لافروف لسلتيه لم يأت من فراغ، فمحاربة الإرهاب التي وضعها المجتمع الدولي ممثلًا بالولايات المتحدة، خصوصًا في أولوياته، تبعتها في هذا الموقف أخيرًا فرنسا التي وضعت حدًا لجميع المراهنات على موقفها الذي كان يعد الأكثر قربًا من المطالب التي خرج من أجلها الشعب السوري.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، في العاصمة الفرنسية باريس، الخميس الماضي: لقد غيرنا الرؤية الفرنسية بشأن سورية، فهدفنا الجوهري هو استئصال المجموعات الإرهابية أيًّا كانت”، وأضاف أنّ “رحيل الأسد لم يعد شرطًا ضروريًا بالنسبة لفرنسا”، مشيرًا إلى أهمية علاقات بلاده مع روسيا، وذكر أنّ لقاءه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في فرساي مؤخرًا، كان “لقاءً مهمًّا”.

ليس مستغربًا، في ظل تطورات القضية السورية، أن يتم الحديث عن إصلاح دستوري مع ما يعنيه من بقاء بشار الأسد في الحكم وإصلاح سلوكه بعض الشيء، فاتفاقُ الجنوب الذي أعلنته كلٌّ من الولايات المتحدة وروسيا والأردن، بمشاركة نشطة من قبل “إسرائيل”، بحسب وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قال إن خبراء من البلدان الثلاث يعملون إلى جانب خبراء إسرائيليين في فيينا هذه الأيام على وضع أجندة تنفيذيه له، كان (ذلك الاتفاق) خطوةً حاسمة في إعطاء شرعية للنظام.

كان حريًا بقيادة الثورة، بشقيها السياسي والعسكري، تلقف المستجدات التي طرأت على تعامل المجتمع الدولي مع قضية الشعب السوري، منذ اتفاق (كيري-لافروف) الذي أعلن في التاسع من أيلول/سبتمبر الماضي، وحدد عنوانَين رئيسين يحكمان رؤيتهما للثورة السورية، وهما محاربة الإرهاب، وضمان أمن “إسرائيل”. ولم يكشف من وثائق الاتفاق الخمس آنذاك سوى وثيقة محاربة الإرهاب التي دعت إلى فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، وأعطت الضوء الأخضر لاحتلال الروس مدينة حلب. في حين تتكشف الآن بعض مفرداته بزلة لسان لافروف.