المعارضة السورية… فائض الثقة في المجتمع الدولي

غرقت المعارضة السورية الممسكة بالملف السياسي والعسكري، على تنوعها وتعددها واختلافها، في وحل النفاق الدولي والعربي والإسلامي، وفي وحل أوهامها أيضًا؛ فعقد أعضاؤها آمالهم على تصريحات وشعارات سمعوها من هنا وهناك، كمن يستعين بطواحين الهواء، فمع مجيء بعثة الجامعة العربية، راحوا يصورون دبابات ومدافع النظام السوري، وهي تتغلغل في الشوارع بين الأحياء المدنية، واصطحبوا أعضاءها إلى المدن المدمرة، كما أحضروا لهم أشلاء ضحايا ذُبحوا وقُطّعوا بسكاكين عصابات الأسد ومدافعه، آملين أن تحث هذه الحقائق الدامغة، الجامعةَ العربية بدولها، على إنقاذ المدنيين من القتل اليومي، لكن الجامعة العربية ممثلة بدولها، ضحكت عليهم، وباعتهم وعودًا مزركشة بجمل إنشائية، تشي بأن نهاية نظام الأسد باتت قاب قوسين أو أدنى، وكي تستر الدول العربية والإسلامية خواء تصريحاتها وزيفه، بادرت تتسابق فيما بينها، على إرسال الخيام وعلب الأغذية إلى السوريين المحاصرين والمهجرين والمتروكين في عراء البرد القارس، من دون أن تسفر جميع تصريحاتهم ووعودهم، عن أي إنجاز، يذكر طوال سبع سنوات، سوى تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، هذا التجميد الذي أزاح، في الحقيقة، عن كاهل ملوك وحكام العرب والمسلمين عبءَ المسؤولية عن المأساة الحاصلة للسوريين.

كذلك اتبعت المعارضة السورية النهج والأداء ذاتهما مع بعثة الأمم المتحدة، معتقدة أن الدول المتقدمة لم تعد تسمح بقمع الشعوب، وأن العالم، بين ليلة وضحاها -لأجل عيونها وعيون السوريين- صار حمامة سلام، يستحيل أن يترك السوريين يذبحون على يد السفاح، لمجرد أنهم طالبوا بالحرية، ولا سيّما أن هذه الدول ما فتئت تحض الشعوب المغلوبة على أمرها للنضال من أجل انتزاع حريتها، وعليه أيضًا وثق أعضاء المعارضة السورية، بما سمي “مجموعة أصدقاء سورية” وما صدر عنها من وعود وتصريحات، وكذلك استبشروا خيرًا بجلسات مجلس الأمن، وحين خاب أملهم عقب استخدام الفيتو الروسي والصيني، انتظروا عقد الجلسة الثانية، وهم يتطلعون إلى تصريحات المسؤولين الأوروبيين الحاسمة والصارمة في مدلولها اللغوي، حول ضرورة رحيل الأسد، والفارغة من فاعليتها العملية، وعلى الرغم من تكرار خيبة أملهم في الجلسة الثانية، لم يغيروا من أساليب أدائهم الاتكالي، المبني على سياسات الغير، في لحظة كانت فيها بيوت وأحياء السوريين تُدك بالطيران والمدفعية، بل ترقبوا موعد انعقاد الجلسة الثالثة، ثم الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، وها هم على موعد مع الجلسة الثامنة، ليصغوا إلى بشار الجعفري وهو يتهمهم بالإرهاب، ويدلي بمحاضراته الأخلاقية على أعضاء مجلس الأمن، ويصول ويجول في أروقته، بينما موت السوريين يتفشى كالوباء، وخرابهم يعمّ، وتهجيرهم يتضاعف على يد نظامه.   ترى ألا يبرهن كل هذا، بشكلٍ قاطعٍ، على أن كل تلك الفبركات بدءًا من بعثة الجامعة العربية إلى سورية، ومجموعة ما سمّي أصدقاء سورية، وجلسات مجلس الأمن، ومؤتمر أستانا.. وغيرها من العناوين والاجتماعات واللقاءات التي عقدت بخصوص المسألة السورية، ليست إلا خديعة للسوريين، وأنها لم تقم، ولم تُعقد، إلا بهدف الوصول إلى هذه الكارثة التي وصلت إليها الحالة السورية. في حين استمر طيف واسع من أفراد المعارضة السورية، والإعلاميين، يطبلون ويزمرون لتلك الجلسات والمؤتمرات، ويتسابقون لتحليل الوعود والتقارير والخطابات الصادرة عن الجامعة العربية ودولها، وعن الدول الصديقة، وعن تصريحات مندوبي الدول في مجلس الأمن، وكانت بمجملها، من منطلق أمانيهم وأوهامهم، مسمارًا أخيرًا سيدق في نعش النظام السوري، لكن المفارقة أن المسامير راحت تُدق في نعوش المدنيين السوريين، إلى حد وصل فيه عدد الضحايا في عدة مناطق، أضعاف عدد النعوش المتوفرة، ومن منطلق غيرة الدول العربية والإسلامية على حرمة وكرامة الميت، سارعت تمدهم وتدعمهم بالنعوش، وهي تدرك أن هذا السوري، في زحمة الموت، ما عاد يحتاج إلى النعوش، خصوصًا أن آلاف الضحايا باتوا يُتركون في الشوارع والأزقة لتتناهشها الكلاب والحيوانات المسعورة من دون أن يستطيع أحد الدنو منهم، وفي أحيان كثيرة كانت تدفن جثثهم تحت ركام البيوت.

بلغت المهزلة أن دولة قاتلة للسوريين، ومحتلة لأراضيهم، مثل روسيا، منحت نفسها لقب الدولة الراعية للسلام في سورية، وتمكنت من سوق أطراف من القيادات السورية المعارضة، بفرعيها السياسي والعسكري، إلى أستانا، آملين أن تجلب لهم الدولة المحتلة نصرًا ما، حتى صار أستانا مفرخًا لأستانات جديدة، أستانا اثنين، ثلاثة، وأربعة.. فأيّ سذاجة هذه، وأي جهل هذا الذي يصبغ عقول أعضاء المعارضة السورية، وأي غباء سياسي، بل أي نفاق هو؟ فبينما أفلحوا في منح ثقتهم للقاصي والداني، وفي انجرارهم خلف أذيال الغير، وفي التناحر والصراع فيما بينهم لتبوء مناصب قيادية في المعارضة، لم يفلحوا أبدًا في المهمة التي رشحوا أنفسهم إليها، إلى لعبة السياسة. بل كانوا عبئًا على الثورة، وفي أحيان كثيرة، سمًّا في فؤادها.