أدب وفنون

حكايةُ مدينة: «حلب- صعود كُبرى مراكز سورية التجارية وسقوطها» لفيليب مانسيل

لقد تناثر الحلبيّون في أصقاع الأرض، حملوا أيامهم وذكرياتهم وخفيف أمتعتهم، منهم من اتجّه جنوبًا وغربًا، إلى الساحل السوري أو دمشق أو بيروت، ومنهم من اتّجه شمالًا نحو تركيا، وبالطّبع ثمّة من ركب البحرَ نحو أوروبا. أمّا من لم يستطع الخروج فقد ظلَّ عالقًا في الأحياء الشرقية والجنوبية الشرقيّة؛ تحت وابلٍ من النيران التي لا تميّز بين بشرٍ أو حجر. غادر الحلبيّون حلب، إلاَّ أنّها لم تغادرهم كما يقول المؤرّخ البريطاني فيليب مانسيل، في كتابه الصادر في العام الفائت، وجاء بعنوان: «حلب- صعود كُبرى مراكز سورية التجارية وسقوطها»

يستهلُّ مانسيل روايته لحكاية المدينة منذ دخول العثمانيين إليها، قبل خمسة قرونٍ من اليوم، وذلك بعد معركة مرج دابق، ويوضح مانسيل كيف حظِيت حلب باهتمام خاص من قبل السلطنة العثمانية، نظرًا لقربها الجغرافي بالدرجة الأولى، فقد كانت حلب أكثر مدينةٍ عربيةٍ حظيت بزيارات متكرّرة للسلاطين العثمانيين، وبالأخصّ السلطان سليمان القانوني. وقد كانت ولايةُ حلب من بين أكثر ولايات السلطنة استقرارًا؛ إذا ما استثنينا التهديد الذي شهِده مطلع القرن السابع عشر، في فترة ولاية علي باشا جانبولاد أوغلو، على المدينة، وهو زعيمٌ كردي عُرِفَ عنه تعاونه مع شاه عباس صفوي الأول، ويُعدُّ سلف آل جنبلاط الذين سكنوا جبل الدروز الغربي.

يقول مانسيل: إنّ الواقع الذي دُفِعت إليه المدينة -خلال السنوات الست الفائتة- يجعل من الصعب علينا أن نصدّق الآن، أنَّ هذه المدينة القديمة كانت يومًا ما رمزًا للعيش المشترك بين أبناء الديانات الإبراهيمية الثلاث. يروي مانسيل كيف احتدم الجدال بين أعضاء مجلس المدينة، في إحدى زيارات السلطان سليمان القانوني لها (1566-1494)، وذلك حول ما إذا كان يجب طرد اليهود من المدينة. كان ردُّ السلطان سليم بأنْ حَضَّ مستشاريه، من أعضاء مجلس المدينة، على التفكير بمدينتهم، على أنّها سفينة تحمل “كميّةً من الزهور الجميلة ذات الألوان المتنوعة”. واتّفق المجلس بالإجماع على ضرورة احترام التنوع وحمايته.

كانت التجارة، وليس إرادة العثمانيين فحسب، هي التي جعلت من حلب مدينة عالميَّة، فقد كان من شأن وقوعها في نهاية طريق الحرير أن تكون وجهةً طبيعيةً للتّجار. حتّى إنَّ التجار الإنجليز توافدوا إلى المدينة وفقًا لما يشير إليه المؤلّف الذي يقتبس جملةً من مسرحية “ماكبث” لويليام شكسبير، وذلك على لسان إحدى الساحرات التي تقول “لقد ذهب زوجها إلى حلب يا مولاي، على متنِ السفينة تايغر”. (ماكبث- الفصل الأول -المشهد الثالث). كذلك يأتي شكسبير على ذِكرِ حلب على لسانِ عُطيل في مسرحيته التي تحمل اسمَ عُطيل نفسه.

يقول مانسيل: إنَّ حلب أقدم من لندن (التي تبدو شابّةً قياسًا إلى عُمرِ حلب) وكذلك تبدو باريس (عمرها حوالي 2300 سنة). كذلك، فإنَّ حلب تتفوّق عراقةً على منافساتِها من المدن كدمشق وجبيل وأريحا، باعتبارها أقدم مدينة مأهولة بالسكان على وجه الأرض. في القرن السادس عشر كانت حلب تُعدُّ العاصمة التجارية الكبرى للعالم. وقد هرعت المراكز الأوروبية، بدءًا من البندقية، إلى فتح قنصلياتها، في المدينة التي زوّدت العالم بالتوابل والخيول.

ويستغرب مانسيل كيف يتجاهل العالم الحديث تدميرَ هذه المدينة العريقة التي تواجه الإبادة المحتملة، بعد أن فقدت كثيرًا من كنوزها، واحترق كثيرٌ من أسواقها التي يبلغ طولها 12 كيلومترًا، ودُمِّرَ واحدٌ من أبرز معالمها، وهي مئذنة جامعها الأموي العظيم في مارس/ آذار 2013. “إنَّ السؤال الذي يشغل الحلبيين اليوم، هو كيف يمكن النجاة من الموت والبقاء على قيد الحياة”. ذلك ما ينقله مانسيل على لسان الروائي السوري خالد خليفة، في إحدى الحوارات التي أجراها. كذلك ينقل مانسيل مقطعًا شعريًا للشاعر السوري الحلبي فؤاد فؤاد، يرثي حاضر المدينة وأمسها القريب.

يفردُ الكتاب مساحةً واسعةً لمناقشة كتابات المسافرين والرّحالة الغربيين: الأطباء والمستكشفين والصحفيين والشعراء وضباط البحرية والعلماء والجواسيس وتجّار الآثار والمبشرين. ويُنقلُ عن شوفالييه دي أرفيوكس، القنصل الفرنسي الذي زار مُعظَمَ أنحاء الأراضي العثمانية، في أواخر القرن السادس عشر، وتحدَّثَ معظمَ لغاتها –تقريبًا- إنَّ شعب حلب “كان الأهم في هذه الإمبراطورية الشاسعة”. أمّا جون فولر الذي زار المدينة في عام 1820، فقد لاحظ أنَّ: “التربة الخصبة، والمناخ الكَيِّس وأشعة الشمس الساطعة، قد تمنحُ الكثير من السعادة الشخصيّة، حتى في تلك البلدان التي لا وجود فيها للهيئات القضائية، ولتقليد الاعتراض على مذكّرةٍ نيابيّة”. وبالطبع فإنَّ قولَ فولر هذا، وعلى غرار كثيرٍ ممّا يسرده مانسيل، تبدو عليه النّبرة الاستشراقية، في تناول المشرق.

من بين أبرز الملاحظات التي يستعرضها الكتاب، نطالع ملاحظات جيرترود بيل (1868-1926) وهي باحثة ومستكشفة وعالمة آثار بريطانية، عملت مستشارة للمندوب السامي البريطاني في العراق، بيرسي كوكس، في عشرينيّات القرن العشرين، ولعبت بيل دورًا بالغ الأهمية في العراق، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، فقد مكّنتها سعة علاقاتها ومعارفها وخبراتها في الشأن العراقي، من تقديم أهم الاستشارات للمندوب السامي البريطاني في هندسة مستقبل العراق، ويعرفها العراقيون القدماء بلقب “الخاتون”؛ بينما يعدّها البعض جاسوسة بريطانية. قامت بيل بزيارة حلب عدة مرات في بداية القرن العشرين، حيث كتبت: “لم أعرف أبدًا أيَّ مدينةٍ شرقية، إلاَّ وكانت تمتلك شخصية فريدةً أكثر من أيّ مدينةٍ أوروبية، ويتجلّى ذلك بشكلٍ رئيسيّ في حالة المدن السورية”.

تشيرُ معظم المذكرات الشخصية التي يعرض لها الكتاب، إلى أنَّ المدينة كانت موطنًا لعدد كبير من المسيحيين. “في الوقت الذي كانت فيه معظمُ المدن الأوروبية تقريبًا تستبعد الأقليات الدينية، أو تمارس التمييز بحقّها، احتوت حلب كغيرها من المدن العثمانية على المسلمين والمسيحيين واليهود”. وقد ساعدها موقعها الداخلي، على عكس العديد من المدن العثمانية الكبرى الأخرى؛ إذ إنَّ حلب لم تكُن في مرمى الهجمات القادمة من البحار، وبالتالي لم تكن ساحة معركة للقوى المتنافسة. ولم يشهَد تاريخ المدينة توتّرات طائفية آنذاك. لقد ساعدت الجغرافيا حلب للحفاظ على “الرشّاقة والسلام” اللذين تأثّر بهما كلّ من زارها.

أمّا اليوم، فقد أصبحت هذه الجغرافية نفسها بمنزلة لعنةٍ على المدينة التي دخلت واحدةً من أشدِّ المراحل حِلكةً في تاريخها المديد؛ إذ يعرِضُ مانسيل التاريخ الحديث، منذ الأسد الأب، وحتى صعود الدكتاتورية السلاليّة من خلال توريث الأسد الابن، وما حلَّ بالمدينة من خرابٍ ودمار، طال أهمّ مواقعها التاريخية. وكمؤرخ ضليع في تاريخ المشرق العثماني، يقدّم مانسيل للقارئ الغربيّ، وجهة نظر فريدة من نوعها، حول ثقافات المشرق المتوسطي، ويُظهِرُ سهولة تدمير آلاف السنين من الحضارة. في أحد المقاطع المذهِلة، ينقل عن أحد الشخصيات السورية قوله لمانسيل، في ما يشبه النبوءة إبّان الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975: “إنَّ حرب لبنان هي حفلة الخطوبة، الزفاف سيكون في سوريا”. وقد أثبت التاريخ صِحَّة تلك النبوءة كما يقول مانسيل.

يدعو مانسيل قرّاءه إلى التأمّلِ في سؤال مثيرٍ للإعجاب: إذا كان بالإمكان تدمير مكانٍ بهذا الغنى وبتلك السرعة، على يدِ التعصُّب الأعمى، وسط تجاهل العالم، فهل يُمكن أن تكون المدن التي يعيشون فيها أكثر هشاشة مما يعتقدون؟ إنّ التاريخ لا يسير على نحوٍ مستقيم، بل إنَّه يأخذ مسارًا دائريًا وارتجاعيًا، في بعض الأحيان، ذلك ما يخلص إليه مانسيل، وذلك ما تقوله قصّةُ المدينة المنكوبة، سواء على لسان مانسيل، أو عبر ما ينقله على ألسنة أهلِها.

مقالات ذات صلة

إغلاق