قضايا المجتمع

سورية ما تزال تُحكم بالمادة 8 من دستور 1973

بُني النظام السياسي في سورية، منذ عام 1963، على مبدأ قيادة حزب “البعث العربي الاشتراكي” للدولة والمجتمع، وقد كرّس حافظ الأسد ذلك عمليًّا في دستور عام 1973؛ إذ خُصّصت المادة الثامنة منه لحزب البعث، ونصت حرفيًا على أنّ: “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية”. وفي الواقع، كان حزب البعث يقود المجتمع والدولة والجبهة؛ لتوحيد طاقات جماهير الشعب لخدمة حزب البعث والمتنفذين فيه. ولم يكتفِ بذلك حافظ الأسد، وإنما أصدر عام 1979 القانون رقم 53، وهو قانون خاص بأمن الحزب، ونصّ في المادة الأولى منه على أن “حزب البعث هو قائد المجتمع والدولة”.

وكان من الطبيعي، وفقًا للمادة الثامنة، ولقانون أمن البعث، أن يكون رئيس الجمهورية بعثيًّا، ورئيس الحكومة بعثيًّا، ورئيس مجلس الشعب بعثيًّا، وأن يكون ضباط الجيش والأمن والشرطة والمحافظين ورؤساء النقابات المهنية والمنظمات الشعبية وعميدو الكليات في الجامعات ومديرو المدارس بعثيين، إضافة إلى أن معظم القضاة والوزراء وأعضاء مجلس الشعب والمديرين العامّين في مؤسسات الدولة وشركاتها من البعثيين، وهكذا وصولًا إلى المخاتير… إلخ، واستمر الأمر على هذا المنوال أكثر من أربعين عامًا، وعلى الرغم من المطالبات المستمرة بضرورة إلغاء هذه المادة، وإطلاق حرية العمل السياسي في البلاد، إلا أن هذه المطالبات لم تلقَ آذانًا صاغية من النظام الحاكم في سورية.

ومع اندلاع الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية في جميع المدن السورية ضد نظام الأسد، وأملًا في وضع حدّ لها، أعلن النظام استعداده للاستجابة لمطالب الجماهير الثائرة، في ما يخص الإصلاح السياسي ورفع حالة الطوارئ، وأعلن أنه مستعد لإلغاء المادة الثامنة من الدستور. وبعد مضي نحو عام أجرى نظام الأسد استفتاءً على دستور جديد، ألغى فيه المادة الثامنة من الدستور، واستعاض عنها بالنص الآتي: (1- يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطيًّا عبر الاقتراع. 2-  تسهم الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية في الحياة السياسية الوطنية، وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية. 3- ينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين الأحزاب السياسية. 4- لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو تنظيم أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون. 5- لا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة سياسية أو حزبية أو انتخابية). مع العلم أن الفقرة الثانية من المادة، في مشروع الدستور، كانت تنصّ على عبارات “مشاركة الأحزاب السياسية”، ولكن عند التصويت عليه أُلغيت كلمة “مشاركة” ووُضعت مكانها كلمة “تسهم”، أي أن النظام لا يقبل أيّ مشاركة له في السلطة من الأحزاب السياسية، وإنما بالمساهمة فقط وفق الإطار الذي يحدده النظام.

وظنت الجماهير الثائرة أن النظام قد ألغى فعلًا احتكارَ البعث للسلطة في سورية، لكن سرعان ما خاب ظنهم مع مضي الوقت، عندما اكتشفوا أن النص الجديد للمادة الثامنة في الدستور الجديد جاء غامضًا، فعبارة “تسهم الأحزاب السياسية في النصّ الجديد” لا معنى لها، ولا تعني بأي حال من الأحوال أن النظام السياسي في سورية سيُبنى فعلًا على التعددية السياسية، فضلًا عن المواد التي جاءت بعدها، ولا سيّما المواد المتعلقة بالصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية، و قد أفرغت -تمامًا- النصَّ الجديد للمادة الثامنة من مضمونه.

وتساءل كثيرٌ من السوريين عن أي تعددية سياسية تحدّث النصّ الجديد للمادة الثامنة من الدستور، إذا لم يكن بإمكان الأحزاب السياسية التي قد تحصل على أغلبية المقاعد في مجلس الشعب تشكيل حكومة أو حتى تسمية رئيس الحكومة والوزراء!  وأيُّ معنى للتعددية السياسية إذا لم يكن بمقدور أعضاء مجلس الشعب محاسبة الحكومة أو إقالتها؟ وإذا كان رئيس الجمهورية هو الذي يرسم السياسة العامة للدولة، وهو الذي يسمي رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم ويقيلهم ويحيلهم إلى المحاكمة، وهو الذي يعيّن الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وهو الذي يعتمد رؤساء البعثات الدبلوماسية، وهو الذي يرأس السلطة القضائية ويضمن استقلالها، وهو الذي يعين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، وهو الذي يحّل مجلس الشعب، وهو الذي يعلن الحرب والتعبئة العامة وحالة الطوارئ، وهو الذي يشرّع ويسنّ القوانين إلى جانب مجلس الشعب، وهو أمرٌ لا مثيل له في العالم.

وكان من المفترض، وفقًا لنص المادة الثامنة الجديد، أن يُلغى قانون أمن حزب البعث رقم 53 الصادر في 1979، وينص في مادته الأولى على أن “حزب البعث هو الحزب القائد للمجتمع والدولة”، وأن يمتنع حزب البعث عن عقد اجتماعاته في وزارات ومؤسسات الدولة، وأن يسلّم المكاتب والغرف التي يشغلها في مؤسسات الدولة كافة إلى تلك المؤسسات، وأن يعيد المباني التي اغتصبها كافة إلى أصحابها، وأن يمتنع عن أيّ نشاط سياسي في الجيش والأمن، لكن على أرض الواقع لم يتغير شيء؛ فقد ظلّ حزب البعث يتصدر المشهد العام في كلّ مفاصل الحياة السورية، فحتى مؤسسة الطيران السورية التي يُفترض أنها مؤسسة وطنية للسوريين، لم تسلم من هيمنة البعثيين في هذه الأوضاع العصيبة، إذ عمد وزير النقل أخيرًا، بعد إصلاح إحدى الطائرات وإعادة تشغيلها، إلى وضع شعار البعث على مقدمة الطائرة. وما زال ما يسمّى أمين فرع الحزب، في كل محافظة، يفرض هيمنته على جميع الفاعليات الرسمية، ويُعامل على أنه رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة، أي أنه أعلى شأنًا من المحافظ، فضلًا عن أن القيادة القطرية ما زالت تفرض حضور ممثل عنها في مؤتمرات وانتخابات النقابات والمنظمات الشعبية تحت طائلة بطلان صحة إيّ إجراء أو قرار يُتخذ من دون موافقتها، ومنذ أيام أرسلت القيادة القطرية إلى نقيب المحامين في سورية، تطلب منه التعميمَ على أعضاء مجالس الفروع  وأعضاء المؤتمر العام بعدم السفر خارج البلاد، إلا بعد الحصول على موافقة القيادة القطرية. فأذعن نقيب المحامين لأوامر القيادة القطرية، وأصدر قرارًا بذلك وعمّمه على فروع النقابة في المحافظات، وحمل القرار الرقم 365 في 22 آذار/ مارس 2017. ويضاف إلى كل ذلك استمرار أذرع حزب البعث (الطلائع، واتحاد شبيبة الثورة، والاتحاد النسائي، والاتحاد الوطني لطلبة سورية..) بالهيمنة على النشاط المدرسي والطلابي والنسائي في عموم سورية.

كلّ ذلك يؤكد أن سورية ما زالت محكومةً بالمادة الثامنة التي وضعها الأسد الأب في دستور 1973، وألغاها الأسد الابن شكليًّا من دستور 2012، بينما بقي نصها في قانون أمن حزب البعث رقم 53 لعام 1979 ساري المفعول، وسنفرد له مادة خاصة به في الأيام المقبلة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق