ما الذي بقي خافيًا من اتفاق كيري- لافروف؟

يبدأ الروس سحب بعض قواتهم الاستراتيجية من السواحل السورية، وأهمها حاملة الطائرات كوزنيتسوف، ويعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن المهمة التي جاءت من أجلها باتت شبه منجزة، فيما يعلن الأميركيون، ومن بينهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بوب كوركر، أن الحرب التي تعصف بسورية تُعدّ بحكم المنتهية بعد السيطرة على حلب، وأن مصير البلاد الآن هو بيد روسيا وليس الولايات المتحدة، وأن موسكو وضعت خطة للسلام في سورية لمناقشتها في أستانا.

لم يوضح الرئيس الروسي طبيعة المهمة التي حشد لها أمكانت عسكرية هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن وزير الخارجية الأميركية، جون كيرى، قال في تصريحات متزامنة إن روسيا بدأت عمليتها العسكرية في سورية من أجل منع مسلحي تنظيم (داعش) الإرهابي من الاستيلاء على السلطة، ونجحت في ذلك، مضيفًا -بحسب وكالة “سبوتنيك “- أن روسيا رأت أنه من الضروري، أن تدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد، وأن تمنع خطر احتلال المتطرفين سورية، وحققت نجاحًا كبيرًا في مكافحة الإرهابيين، وتمكنت من تغيير الوضع فى سورية.

تكامل في التصريحات والمواقف

لا يبدو هذا التكامل في التصريحات بين المسؤولين الروس والأميركيين جديدًا، فهو مستمر منذ اتفاق التفاهم  بينهما الذي أعلنه وزيرا خارجية البلدين، بداية أيلول/ سبتمبر الماضي؛ إذ أشار لافروف آنذاك إلى أن البلدين قد وضعا أهم عناوينه  خلال لقاء كيري مع الرئيس الروسي، قبل ذاك التاريخ بنحو شهرين، والعنوان الأبرز لهذا الاتفاق، وإن بدا أنه محاربة الإرهاب، إلا أن تفاصيله حملت عناصر تنفيذية أوضح، وهي أن سورية باتت تُحكم بوصاية روسيا ثمن دخولها البلاد لمحاربة هاجس الولايات المتحدة الأكبر، وهو التشدد الإسلامي، أو ما تسميه الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل والنظام السوري، حيث قال الوزير لافروف: “اتفقنا على نتائج محددة، سنعمل بها مع الحكومة السورية، كذلك سيعمل الأميركيون أيضًا بها مع المعارضة،  بينما سيستكمل الخبراء من الجانبين مناقشة القضايا الفنية المتعلقة بمحاربة الإرهاب”.

تنفيذ اتفاق كيري ـ لافروف بدأ عمليًا بحراك دبلوماسي مكثف، روسي خصوصًا، على الساحة الإقليمية حيث حملت رسائله جولة الموفد الرئاسي بوغدانوف التي شملت طهران وعمان والرياض والدوحة، والتقى فيها بشخصيات معارضة من خارج الائتلاف، كمعاذ الخطيب، بينما أبلغ مبعوث الرئاسة الأميركية، راتني، وفدًا من المعارضة السورية بوجوب فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، وقال لهم -بحسب مصادر الائتلاف- بأن بلاده تحول دون سحق المعارضة برمتها في حلب من الروس، وهذا ما جرى تأكيده أخيرًا على لسان كيري، الذي أبلغ مسؤولين أوروبيين  التقاهم في باريس، بحسب صحيفة “القبس″، أن الرئيس أوباما، قرر الذهاب الى الحرب لمقاتلة “داعش” فحسب، وليس لدى الأميركيين أي غطاء قانوني لضرب الأسد، ملقيًا باللوم على المعارضة السورية؛ لفشل وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه سابقًا مع روسيا، ومشيرًا الى أنّ مطالبتها بتنفيذ القرارات الأمميّة والاتفاقات الدولية – التي صاغها الأميركيون والروس، وتتضمن وقف القصف وإدخال المساعدات الإنسانية، بمنزلة شروط مسبّقة للتفاوض، وأنّ عليها التخلي عن ذلك.

قوة تنفيذ الاتفاق على الأرض

وفي الجانب العسكري، كان من بين التحضيرات لتنفيذ الاتفاق، أن دفعت روسيا بمزيد من قدراتها الاستراتيجية و طائراتها القاذفة، من طراز “تو-22 إم 3 ” التي تعد الأضخم في العالم، والهدف كان حلب، بينما حشد الإيرانيون بموازاة ذلك قوات كبيرة، وقال قاسم سليماني:  إن معركة الموصل انتهت! وإن القوات ستتجه إلى حلب للسيطرة عليها نهائيًا، وقد مهدت إيران لمشاركتها العلنية بأن لها مصالح في حلب، من خلال تأكيد رئيس الأركان الإيراني اللواء محمد باقري، أن إيران قامت بصناعة صواريخ في مدينة حلب السورية، استُخدِمت لضرب أهداف ومواقع اسرائيلية في حرب تموز عام  2006 .

جرى تدمير معظم الأحياء الشرقية من حلب، وتهجير أهلها، فيما لم تكن الهدن التي لوحوا بها، أو الحل السياسي أو بيانات جنيف وفيينا وقرارات “مجلس الأمن”، سوى مسلسل من النفاق والخداع، كان هدفه كسب الوقت واستنزاف الثورة، وإطباق الحصار على الشعب السوري، قادت حلقاته البوتينية المتوحشة، بالاتفاق مع الولايات المتحدة، و”الخمينية الفارسية ” بالتماهي مع إسرائيل، وهذا ما سلّط الضوء على بنود غير معلنة في اتفاق كيري- لافروف، الذي جرى تبادل الأدوار بينهما في مسألة رفض واشطن الإعلان عن وثائقه، وإصرار موسكو على كشفها.

إعلان موسكو جزء من الاتفاق

ربما أكثر مفاصل اتفاق كيري- لافروف وضوحًا، هو “إعلان موسكو”، وما تمخض عنه من اتفاق وقف إطلاق النار في حلب الذي وقعه في أنقرة ضامنًا تنفيذه روسيا وتركيا، فوزير الخارجية الروسي كان أعلن أن الحكومة السورية لا تمانع في دخول القوات التركية مدينة جرابلس، ووصف موقفها بأنه براغماتي وصحيح. فيما استتبع ذلك بقرار من مجلس الأمن كان لافتًا عدم تبني اتفاق أنقرة، والاكتفاء بدعمه فحسب، في حين أعلن المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا عدم مشاركته في مفاوضات استانة المقبلة، والاكتفاء بدعم ذلك الجهد.

موقف مجلس الأمن، وكذلك الأمم المتحدة، جاء منسجمًا مع موقف الولايات المتحدة منذ الاتفاق على تهجير أهالي حلب، فهي أرادت ترحيل القضية السورية من “الأمم المتحدة” إلى حال إقليمية، تقودها تابعتها روسيا، صاحبة ” الفيتو” المتوحش، وصواريخها العابرة للقارات وطائراتها الحربية، وهذا أحد بنود اتفاق كيري- لافروف، فالذي يعنيه عدم تبني اتفاق وقف إطلاق النار، وعدم المشاركة الأممية في مفاوضات أستانا، هو التملص من مرجعيات جنيف1 التي تؤكد الانتقال السياسي، من خلال هيئة حكم تمتلك صلاحيات تنفيذية كاملة، وهو ما كان مجلس الأمن الدولي اعتمده في القرار 2254، وبالتالي؛ خلق مرجعيات جديدة، يحكمها اختلال التوازن على الأرض الذي أحدثه تدخل روسيا العسكري لمصلحة إيران والنظام.

إعلان موسكو واتفاق كيري- لافروف جعلا أساس عملهما أولوية محاربة الإرهاب، وتجاوزا “مجلس الأمن” ومجموعة دول اصدقاء سورية التي أقرت بيان فيينا؛ استنادًا إلى مرجعية جنيف، بحيث برّر المتحدث باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي، ذلك بقوله: إن وجود مجموعة الدعم الدولية لا يحول دون بذل جهد إضافي خارج هيكلها، بغية الإسهام في تسوية المحنة التي تعاني منها سورية، سواء جاء ذلك من الدول الأعضاء في المجموعة أو غيرها.

فُرضت على “مجلس الأمن الدولي” أولوية الولايات المتحدة وروسيا في محاربة الإرهاب، ولم يتبن قرارًا بطيّ صفحة الحرب، بل اكتفى بدعم مشروع القرار الروسي حول اتفاق وقف اطلاق النار، ومفاوضات أستانة، من خلال قراره الأخير رقم  2336، فروسيا التي هي طرف في الصراع، ومنعت سقوط النظام سترعى هذه المرة، بدعم من “مجلس الأمن”،  المفاوضات بين النظام والمعارضة؛ ما يعني إيجاد مرجعية  جديدة، وإنهاء مرجعية جنيف 1، وقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان لها أن “جميع محاولات تبديل العمل التفاوضي الصعب، مع المعارضة السورية على الأرض، بمؤتمرات في العواصم الغربية المريحة، بمشاركة ممثلين عما يسمى بالهيئات العليا للمفاوضات، هي طريق غير مجدية، وتقود إلى مأزق”، وعلى هذا جاء إعلان موسكو، تنفيذًا لرؤية الرئيس فلاديمير بوتين بأن تكون هناك مفاوضات سورية ـ سورية، برعاية روسيا، في عاصمة كازاخستان أستانا، وعلى هذا؛ فإنه من غير المعروف من هي المعارضة التي ستشارك في هذه المفاوضات، سوى تلك التي تأتي من قاعدة حميميم وبالطائرة نفسها التي تحمل على متنها وفد النظام، أم تلك التي تصيغها روسيا من خلال ما يُعرف بمنصة موسكو.

أستانا مصلحة روسية

يبدو أنها مصلحة لروسيا قبل أن تكون للسوريين؛ فبعد مجازرها وتدميرها المناطق السكنية في البلاد، ورسم مناطق نفوذها من خلال قواعدها العسكرية، ودعمها المشروع الطائفي الإيراني، أرادت أن تكون دعوتها للتسوية بمنزلة غسيل أخلاق، وأن تُظهر نفسها بأنها تبحث عن حلول سياسية، وقد أدركت أنه لن يكون هناك حسم عسكري، فهي تخشى من استنزاف قواتها وإذلالها في حرب عصابات. لكن فكرة الحسم تلك، مازالت تحكم سلوك ميليشيا إيران والنظام، لكن هؤلاء أدركوا -أيضًا- أنهم لن ينجحوا، إلا بوجود الروس بطائراتهم وصواريخهم وثقلهم على الأرض.

الحل العسكري الموجه ضد النظام مرفوض، وهذا ما يؤكده كيري الذي يقول في محادثة هاتفية مع لافروف: على الجميع “أن يعلم أن لا حل عسكريًا في سورية، وأن مسألة التسوية أمر مستحيل بدون إيران وروسيا، واستبعاد هاتين الدولتين من العملية التفاوضية يعني خلق مشكلات جديدة”. تتضح الرعاية الأميركية للحل الروسي الذي يستند -أساسًا- إلى التوحش الإيراني الميليشيا وي الطائفي الذي تؤكد تصريحات كيري بأنه جزء من الاتفاق الأميركي – الروسي، وتترجم بنود وثائقه الخمس السرية على الأرض بالتدرج، ويهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي في شرق المتوسط العربي، بالقتل أو التهجير، لدوافع التوازن الطائفي، وبالتالي؛ استمرار الاقتتال، في ظل مواصلة إيران اجتياح سورية وحماية النظام فيها، بعد سيطرتها على العراق، تحت غطاء تهدئة “إعلان موسكو ” التفاوضي، وهو أحد بنود اتفاق كيري لافروف التي لم تعلن.