انهيار الاتحاد السوفياتي بين عشيّةٍ وضحاها  لا يفترض أن الديمقراطية الغربية ستدوم إلى الأبد

يمكن أن ينهار النظام الليبرالي بصورة مفاجئة تمامًا كالاتحاد السوفياتي. إذا كنّا نريد أن ننقذه، فعلينا أن نتعلم مما حدث في روسيا

00

فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في تشرين الأول/ أكتوبر 2016. تصوير: صور غيتي

في أسفل القلعة التي تعود إلى القرون الوسطى في قازان، حوَّل نهران متجمدان واسعان المشهد إلى البياض. بعد ظهر يوم السبت، تجد هناك عددًا قليلًا من السكان المحليين الأقوياء، يمشون متثاقلين خلال الرواسب الجليدية لالتقاط صورٍ شخصية مقابل المسجد، وأضواء عيد الميلاد والتماثيل التي تعود إلى الحقبة السوفياتية.

كان هذا منذ 25 عامًا، حين كنت في روسيا لآخر مرة، محاولًا -فاشلًا- إحياء اليسار خلال فوضى الأيام الأولى من إصلاحات بوريس يلتسين الاقتصادية. بعد نصف العمر أعود إلى هنا لأخاطب غرفةً كاملة من الناس، الذين يرغبون في الحديث عن استبدال نظام مقبل أفضل بالرأسمالية، وفجأة بات لدينا شيء مشترك؛ فالآن يدرك كلانا أنّ النظام -الذي ظهر على أنه دائم- يتحطم.

 

منذ أن كنت هنا، والجميع تقريبًا، كل من قرر أن يأتي ويسمعني معنيًا في الفنون المعاصرة أو الفلسفة، الصحفيون الذين يريدون إجراء مقابلةٍ معي، ناقدًا علنيًّا لسياسة بوتين في سورية وأوكرانيا. أكتب أساسًا للمجلات الثقافية. هذه، إن لم تكن بالضبط موسيقى الروك أند رول الجديدة، فهي المساحات الفكرية الأكثر أمانًا، التي يمكن أن ينشأ فيها الفكر النقدي.

 

منذ أن سرق بوتين انتخابات عام 2011، وقمع الحركة الاحتجاجية اللاحقة، تراجع الشباب الذين شاركوا فيها نحو صمتٍ غاضب، إنها ليست بالضبط حالةً جديدة بالنسبة إلى المثقفين الروس، هنا، اعتُقل لينين في عام 1887، بسبب قيادته احتجاجًا طلابيًا، وقضى معظم السنوات الثلاثين التالية في المنفى، أو متخفيًا. بعدها قمع البلاشفة حرية التعبير والمعارضة السياسية لمدة 70 عامًا أخرى، والآن تبذلُ القلّةُ الرأسماليَّةُ في روسيا قصارى جهدها لقمعها. في مواجهة هذا، لماذا يصرُّ الفنانون الروس والفلاسفة والصحفيون على اعتقادهم بالتغيير؟ باختصار، لأنهم شهدوا الانهيار الأخلاقي والمادي لشيء كان يبدو أبديًّا: الاتحاد السوفيتي.

 

أليكسي يورشاك، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة بيركلي -كاليفورنيا، وصف الحدث في كتاب يتحدث عنوانه عن نفسه: “كان كل شيء إلى الأبد، حتى لم يتبقَّ منه أثر”. كان يورشاك مفتونًا بحقيقة أنه في حين لم يتوقع أحد السقوط، وعندما حدث، أدرك كثير من الناس أنهم، في قلوبهم، كانوا يتوقّعون كل ذلك من زمن طويل. في عهد البيريسترويكا، في ظل غورباتشوف، تعرّض كثير من الناس لـ “فجوة في الوعي” مفاجئة، حيث بزغ إدراك بأن السقوط وشيك، ولكن حتّى ذلك الحين تصرّفَ معظمُ الناس، وتحدّثوا وحتى فكروا كما لو كان النظام السوفياتي دائم، وعلى الرغم من سخريتهم إزاء وحشيته، ذهبوا في المسيرات، وشاركوا في الاجتماعات، وقاموا بالطقوس التي تطالب بها الدولة، ومنذ فوز ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2016، أصبح من الممكن الاعتقاد أن انهيارًا مماثلًا سيحدث في الغرب، في ما يخص العولمة والقيم الليبرالية.

 

أوجه التشابه واضحةٌ، نحن أيضا قد عشنا لمدة ثلاثين عامًا في ظل نظامٍ اقتصادي أعلن عن استدامته، حيث كانت العولمة عملية طبيعية لا يمكن وقفها، واقتصاديات السوق الحرة ببساطة، هي الحالة الطبيعية للأشياء. ولكن عندما فرضت الدولة التي خطّطت للعولمة واستفادت منها، صوَّتَ ضدها كثيرون. عليك أن تفكر في إمكانية أنها ستنتهي، وفجأة. إذا كان الأمر كذلك، فعليك أيضًا التفكير في إمكانية أنه -إذا كنت ليبراليًّا، وديمقراطيًا إنسانيًا- فقد يكون الأمر أكثر صدمةً: بأنَّ قومية الأوليغارشية (القلّة) هي النموذج الافتراضي للاقتصادات الفاشلة.

 

عندما أطلق يلتسين العنان للعوز والانهيار في وقتٍ مبكرٍ من التسعينات، شاهدت المجتمع الروسي ينحدر نحو الفوضى، حيث عقدنا اجتماعنا في المنشآت المهجورة للأكاديمية الستالينية، وسط كتب الأفكار السوفياتية المهملة، وتماثيل لينين، ومحاضر اللجان المركزية التي لم تعد موجودة، كان هناك عنفٌ في الشوارع، وسرقة في مجالس إدارة احتكارات الموارد الروسية، حيث الملكية لأي من أثرياء السلطة الذي يمكن أن يمارس القوة الأكبر.

 

مقارنةً مع فوضى التسعينيات، فقد شعرت البوتينية (نسبة إلى بوتين) بمثل هذه الاستعادة، لقد استعاد بوتين النمو والنظام والعزة القومية، على حساب العزلة الدبلوماسية وقمع الحقوق الديمقراطية. الآن في جميع أنحاء العالم، هناك بوتينات مصغرة (نسبة إلى بوتين): رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الرئيس الفرنسي الفاشي المحتمل مارين لوبان. إذا انحدر الغرب إلى القومية الاقتصادية -كما يشتهون- فالجميع تحت سن الخمسين سيتكبّد عناء النوع نفسه من الصدمة العقائدية التي مر بها الروس في أواخر الثمانينيات.

 

في الاقتصاد والعلوم السياسية، ودراسة العلاقات الدولية كان هناك، لنحو ثلاثة عقود، افتراضٌ عامٌّ أن الإطار الحالي دائم، كما كان هو الحال في الأوساط الأكاديمية السوفياتية، إذ تبين أنّ العولمة شيءٌ موقّت فحسب، وقابلٌ للعكس، فالكتب المدرسية التي بجّلتها ذات يوم سترمى مهجورةً. ولكنَّ هناك فرقًا واحدًا كبيرًا، حارب المنشقون في أواخر الحقبة السوفياتية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل المفهوم العام لـ “الغرب”، أما بالنسبة إلينا، إذا انتصرت الشعبوية المُعادية للأجانب؛ فلن يكون هناك “غرب” نتطلع إليه، وإذا بدأت المجتمعات الليبرالية الديمقراطية في السير في طريق هنغاريا أوربان؛ فلن تكون هناك قوةٌ خارجية لمساعدتنا.

 

سيكون أملنا الكبير هو أنفسنا. وهناك ما يكفي منا لوقف هذا الانهيار الكبير الثاني نحو الأوليغارشية والقومية. نحن متشابكون ومتعلّمون وواعون و-حتى الآن- متوازنون نفسيًّا، ولأننا نترابط ونقاوم، يمكننا أن نتعلم كثيرًا من أولئك الذين ما زالوا يقاومون، بهدوء، في روسيا، وقد يرتدي جيل الشباب من نقاد بوتين معطفًا من السخرية، من الضجر والتجريد، ولكنهم يملكون اعتقادًا صلبًا جدًا في التغيير.

 

 

 

اسم المقالة الأصليThe Soviet Union collapsed overnight. Don’t assume western democracy will last forever
الكاتببول ماسون، Paul Mason
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian

5-12-2016

رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2016/dec/05/soviet-union-collapsed-overnight-western-democracy-liberal-order-ussr-russia
المترجمأحمد عيشة