قضايا المجتمع

من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات

فور انقلاب سامي الحناوي على الانقلابي حسني الزعيم، في آب/ أغسطس 1949، أصدرت حكومة هاشم الأتاسي قانونًا جديدًا للانتخاب، ودعت الهيئات الناخبة يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، شاركت المرأة السوريّة لأول مرّة في الاقتراع، وجاءت نتائجها بتصدر حزب الشعب النتائج، وعقدت الجمعية أول اجتماعاتها في 12 كانون الأول/ ديسمبر، وانتخبت رشدي كيخيا، عميد حزب الشعب، رئيسًا لها، وهاشم الأتاسي رئيسًا للجمهوريّة؛ إذ إنّ قادة الانقلاب من العسكر اكتفوا بتوجيه الجيش عن طريق وزارة الدفاع. هنا؛ شكلت الجمعية لجنة صياغة الدستور في 28 كانون الأول/ ديسمبر، وتمثلت فيها القوى السياسية المختلفة، وغير السياسية، في سورية، وأولى العقبات التي جابهت الجمعية، الرغبة في الوحدة مع العراق من رئيس الدولة، وكذلك حزب الشعب، وعدد من السياسيين المستقلين، فضلًا عن قادة الجيش، لكن قبل إقرار الوحدة، انقلب أديب الشيشكلي؛ مانعًا أي إجراء وحدوي مع العراق، غير أنه، وعلى عكس الانقلابات السابقة، اكتفى في البداية بالسلطة العسكريّة، ولم يتدخل في عمل السلطة السياسية، غير أن الحكومة كانت قد استقالت، فكُلّف خالد العظم برئاسة حكومة جديدة، وفي ظل هذه الأوضاع -تلك- ولد دستور 1950، حيث اطلعت لجنة إعداد الدستور على خمسة عشر دستورًا أوروبيًا وآسيويًا؛ للوصول إلى “أرقى المعايير الممكنة”، كما صرح بذلك ناظم القدسي.

انتهت اللجنة من عملها في 15 نيسان/ أبريل، وبدأت الجمعية مناقشة المسوّدة في الدورة الصيفية في 22 تموز، وكانت المسودة تتألف من 177 مادة، خلال المناقشات، طويت 11 مادة، وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفًا من 166 مادة. أكثر الموضوعات التي احتدم عليها النقاش كانت موضوع: إعلان هل الإسلام دين الدولة؟ أو أن دين رئيس الدولة الإسلام؟ وانتهى الأمر -بعد طول نقاش- إلى المحافظة على صيغة دستور 1930، بكون دين رئيس الدولة الإسلام، والقضية الثانية التي احتدم عليها النقاش، كانت وضع حد أعلى للملكية الزراعية في الدولة؛ للتخفيف من سطوة العائلات الإقطاعية، وحُسم الأمر لترك سقف الملكية مفتوحًا، بفارق صوتين عند التصويت، أما الموضوع الثالث؛ فكان حول إدراج مادة تنصّ على وقوف الجيش على الحياد، دون التدخل في الحياة السياسية السوريّة؛ الأمر الذي لم يتم إقراره، والموضوع الرابع كان عدّ الجمعية التأسيسية مجلسًا للنواب بعد إقرار الدستور، وهو ما تم فعلاً، على الرغم من معارضة الحزب الوطني.

لقد حسم دستور 1950 مسألة استقلال القضاء، وحافظ ذلك الدستور الذي كان يُعرف -أيضًا- باسم “دستور الاستقلال” على بنية النظام الجمهوري الموعود، وطبيعته البرلمانية، وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية، وسحب حق نقض القوانين والمراسيم منه، وأمهله عشرة أيام فقط للتوقيع عليها، غير أنه حافظ على اختصاصه بالتصديق على المعاهدات الدولية، وتعيين البعثات الدبلوماسية في الخارج، وقبول البعثات الأجنبية، ومنح العفو الخاص، وتمثيل الدولة، ودعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد برئاسته، وتوجيه الخطابات للسوريين، وزاد على صلاحيات البرلمان؛ بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة، ولو موقتًا، كما أوجب على الحكومة الاستقالة في بداية كل فصل تشريعي، وعزّز من سلطة القضاء، والنص على استقلاله، باستحداث المحكمة الدستورية العليا، أما مواد الحقوق العامة في دستور 1950، فقد وُسِّعت وصينت؛ حتى بلغت 28 مادة، تختصّ وحدها بالحقوق والحريات العامة، ومنها حصانة المنازل، وحرية الرأي والصحافة والاجتماع والتظاهر، والمحاكمة العادلة، ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة لفترة طويلة، وحفظ حق الملكية، والمشاركة في الحياة الاقتصادية، وتأطير الملكية العامة للدولة، وحماية حقوق الفلاحين والعمال، على وجه الخصوص، وكون العمل حقًا لكل مواطن يجب على الدولة أن تسعى لتأمينه، فضلًا عن رعاية المواطنين المرضى والعجزة والمعوقين، وحماية حقوق الطوائف الدينية باتباع شرائعها، من جهة، وفي التعليم من جهة ثانية، كما نصّ الدستور على كون التعليم حقًا لكل مواطن، إلزاميًا ومجانيًا، وأوجب على الدولة إلغاء الأمية خلا ل عشر سنوات، كما أوجب توطين البدو خلال عشر سنوات أيضًا.

أُقرّ الدستور -رسميًا- في 5 أيلول/ سبتمبر 1950، وقد تميز بديباجته المحكمة عن الدساتير السورية السابقة واللاحقة؛ حيث صيغت في أحوال حساسة مع احتدام الحرب الباردة، ونمو فكر القومية العربية؛ فقد جاء في ديباجته: “نعلن أن شعبنا الذي هو جزء من الأمة العربية، بتاريخه وحاضره ومستقبله، يتطلع إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة، وسيعمل جاهدًا على تحقيق هذه الأمنية المقدسة في ظل الاستقلال والحرية”، وجاء في المادة الأولى منه: “المادة الأولى: سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية، ذات سيادة تامة. وهي وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها. والشعب السوري جزء من الأمة العربية.” لكن، وبعد الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي -عام 1952- عطّل العمل بالدستور، بخلاف انقلابه الأول الذي حافظ فيه على السلطة السياسية سالمة، ثم أصدر دستورًا جديدًا، تميّز بوصفه أول دستور رئاسي للبلاد، شبيه بالنظام المعمول به في الولايات المتحدة؛ إذ نصّ على إلغاء منصب رئيس الوزراء، وكون الوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية، خلافًا لما كان سائدًا في السابق من أنّ الوزراء مسؤولين أمام مجلس النواب، أما فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامّة، والتعددية السياسيّة والاقتصاديّة، ودور الفقه الإسلامي في التشريع، وكون البلاد جزءًا من الأمة العربيّة، فقد حافظ دستور الشيشكلي على نصوص دستور 1950. وبموجب دستور الشيشكلي الذي طبق من 10 تموز/ يوليو 1953؛ وحتى 26 شباط/ فبراير 1954، أي: ستة أشهر لا غير، ينتخب الرئيس من الشعب، ويعدّ رئيسًا للوزارة، والرئيس هو الذي يعين الوزراء، بدلًا من البرلمان، مع سحب صلاحيتي انتخاب الرئيس، ومنح الثقة للحكومة من البرلمان، وفي المقابل حصّن الدستور البرلمان من الحل، وجعله محتكرًا للتشريع، ورقيبًا على الحكومة. وعمومًا وازن بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية، وحافظ على الفصل بين السلطات، وتميز بديباجته المختصرة بثلاثة أسطر، أكدت على الهوية العربية للشعب في سورية: ” نحن شعب سورية العربي، شعورًا منا بالحاجة إلى نظام للحكم، يستمد طبيعته من واقعنا وأهدافنا، ويقيم بناء سيادتنا السياسية على أساس من الوحدة والمنعة، ويضمن لنا في مجتمعنا الأمن والعدالة، وفي معاشنا الرغد والكرامة، وفي وطننا الحرية والسيادة، وما وراء حدودنا العمل؛ لاستكمال حرية الأمة العربية، وتحقيق وحدتها ومجدها. نعلن أننا قد ارتضينا لأنفسنا هذا الدستور”.

باختصار شديد نقول: إن دستور 1953، أو دستور الشيشكلي لم يأخذ حقه من الدراسة والاهتمام، على الرغم من أنه يتميز عن الدساتير الانقلابية التي توالت على سورية بعد ذلك، فعلى الرغم من أنه وسع سلطات رئيس الجمهورية، إلا أنه قيده في أكثر من مادة دستورية، فهو دستور حاول المزج بين نظام نيابي وآخر رئاسي.

بعد خلع الشيشكلي في 25 شباط/ فبراير 1954، أعيد العمل بدستور 1950، والبرلمان الذي كان قائمًا، والرئيس هاشم الأتاسي، ريثما تجرى انتخابات رئاسية جديدة. ثم جرت الانتخابات النيابية، وجاء شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية من جديد؛ إلى أن قامت الوحدة مع مصر؛ حيث عُطّل العمل بدستور 1950، بين عامي 1958 و1961، خلال الفترة التي كانت فيها البلاد جزءًا من “الجمهورية العربية المتحدة”، إذ استُبدل بدستور موقّت، كان معمولًا به في مصر منذ عام 1956، وبعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة أعيد العمل بدستور 1950 المذكور، بعد تعديلات بسيطة أُدخلت عليه كالاسم الرسمي للجمهورية، حيث عُدل اسم الجمهورية من “الجمهورية السورية” إلى “الجمهورية العربية السورية”، واستُفتي عليه واعتُمد حتى انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، حيث عُلّق العمل بدستور 1950، ولم يعاد العمل به مجددًا؛ فقد كانت أولى قرارات ما سمي بـ “مجلس قيادة الثورة”، برئاسة لؤي الأتاسي، تعطيل العمل بالدستور، وفرض حالة الطوارئ، ثم أصدر المجلس المذكور -عام 1964- دستورًا موقتًا للبلاد في عهد الرئيس أمين الحافظ، ثم عادت السلطة الانقلابية الثانية 1966، وأصدرت دستورًا موقتًا آخر، في 1 أيار/ مايو 1969، في عهد الرئيس نور الدين الأتاسي، وأما آخر دستور موقت؛ فقد صدر في ظل السلطة الانقلابية الثالثة 1970، في عهد حافظ الأسد في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1971، واستمرّ معمولًا به حتى إصدار دستور 13 آذار/ مارس 1973، الذي سُمي دستورًا دائمًا، وصدر بمرسوم جمهوري، ونصّب حزب البعث محتكرًا للحياة السياسية، من خلال كونه الحزب القائد للدولة والمجتمع، كما نصّت المادة الثامنة منه. وأوضح الدستور أن رئيس الجمهورية ترشحه القيادة القطرية لحزب البعث، عن طريق مجلس الشعب؛ للاستفتاء دون وجود أي مرشح آخر، وأغلب مواد الدستور المتعلقة بالحريات العامة لم تنفذ، فعلى الرغم من وجود نصوص صريحة بتحريم التعذيب، إلا أنه، وفي ظل سريانه، أدينت السلطة السورية بارتكاب التعذيب، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان المحرّمة دستوريًا أيضًا، كالنفي والإبعاد والاعتقال التعسفي والتنصت، كما أن هذا الدستور، ومنذ أن أقرّ طُبّق، تزامنًا مع قانون الطوارئ في سورية، المعلن منذ 1963، وقد أُصدرت قوانين استثنائية عديدة، أهمها خمسة قوانين، منعت تطبيق الحريات العامة الواردة في الدستور، وجعلتها معطلة.

قانون الطوارئ لعام 1962، وطُبق بدءًا من 8 آذار 1963، والذي يحظر التظاهر، ويتيح الاعتقال التعسفي والتنصت، على الرغم من أنها جميعًا حقوق دستورية؛ حتى أن الممارسات التعسفية تجاوزت بكثير قانون الطوارئ، وانفلتت من كل الضوابط.

قانون حماية الثورة الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم 6 لعام 1965.

قانون المحاكمات العسكرية رقم 109 لعام 1968، والذي شرّع تقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية.

قانون إحداث محاكم أمن الدولة الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968.

قانون إعدام كل منتسب أو ينتسب للإخوان المسلمين، رقم 49 لعام 1980، على خلفية أحداث الثمانينيات.

أما صلاحيات رئيس الجمهورية في دستور 1973، فهي واسعة وشبه مطلقة، وشكلت أساسًا لصلاحياته في الدستور الحالي 2012، فهو رئيس السلطة التنفيذيّة، وله سلطة إصدار التشريع منفردًا، أو حجب تمرير تشريع أقره البرلمان، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو الذي يعيّن رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وسواها من الصلاحيات، كتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين، واستفتاء الشعب في قضايا تعد مقررة؛ حتى لو كانت مخالفة للدستور، فضلًا عن كونه منتخبًا لمدة سبع سنوات مفتوحة الإعادة والتكرار، وحُددت بدورتين في دستور 2012، مع عدم احتساب الدورتين اللتين قضاهما بشار الأسد في سدة رئاسة الجمهوري،. وكان دستور 1973، قد عُدل مرتين، المرة الأولى عام 1981، لتغيير شكل علم البلاد من علم اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، تاركًا لرئيس الجمهورية بقانون تحديد العلم، والمرة الثانية في تموز 2000؛ لتخفيض عمر المرشح للرئاسة، من أربعين عامًا إلى 34 عامًا؛ لتمكين بشار الأسد من الترشح للمنصب خلفًا لوالده. وعلى الرغم من كون دستور 1973، قد وصف بأنه أسوأ دستور سوري، إلا أنه أطول الدساتير عمرًا؛ إذ بقي 39 عامًا يغطي نظامًا شموليًا، يتيح لرئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة الأخرى، بما فيها تلك الخارجة عن سلطته نظريًا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق