مقالات الرأي

كي لا تذهب المسألة الشيعية مذهب المسألة اليهودية

لم يكن يهود سورية والعراق والمغرب وتونس ومصر قبل أربعينات القرن العشرين صهيونيين، بل كانوا عربًا، يعيشون في أوطان لهم، فحي الأمين في دمشق، (حي اليهود) سابقًا، له ما يماثله في أكثر من مدينة عربية. والسؤال الأهم، الذي حجبته ضوضاء الصراع العربي – الصهيوني الصاخبة، ولم تتسع الأيديولوجيتان: القومية والإسلامية؛ لأن يكون سؤلًا مفكرًا فيه، هو: لماذا هاجر هؤلاء اليهود العرب إلى دولة إسرائيل الناشئة، وأصبحوا صهيونيين معادين عداءً مطلقًا للعروبة؟!

من الواضح، أن حزمة من الظواهر تقف وراء تحول اليهود العرب إلى صهيونيين عنصريين، من أبرزها:

أولًا، ضعف وهشاشة “الاجتماعات الوطنية” في البلدان العربية كافة، والتي لم تستطع إدماج اليهود في الأنسجة الوطنية لتلك المجتمعات، وبالتالي؛ جعلهم مواطنين في دول قانون.

ثانيًا، هيمنة الطابعين: العنصري والديني على سياسات دولة إسرائيل الناشئة، فضلًا عن مضمونها العدواني تجاه محيطها العربي والإسلامي، الذي أسهم في اقتلاع اليهود من “مجتمعاتهم” الأصلية.

ثالثًا، تضخم الطابع المعتقدي للأيديولوجيتين: القومية العربية والإسلامية، الذي حجب عنهما التفكير في حل عربي للمسألة اليهودية، يبتعد عن دوغمائية العرق والأصل وجذرهما الأسطوري، وعن النزعتين: الشعبوية والسلاحوية.

وكي لا تنزلق الطوائف الشيعية في بلدان المشرق العربي إلى الذهاب على خطا اليهود العرب في النصف الأول من القرن الماضي، يجب التحوّط لشروط التاريخ المستجدة، التي تتخّلق بفعل المتغيرات الجيو – سياسية والسوسيولوجية العميقة، والخطِرة في المشرق العربي، والمتمثلة -تمثلًا رئيسًا- بالدور التخريبي الذي تمارسه السياسات الإمبريالية والعنصرية الإيرانية على الأنسجة “الوطنية” المشرقية، من طريق اقتلاع الطوائف الشيعية من أطرها الوطنية، وذلك بتغذيتها للتطرُّفين: السنّي والشيعي معًا.

تنبني آليات اشتغال السياسات الإيرانية في الإقليم على منع تشكل “وطنيات مشرقية” ودول وطنية؛ لأنها تجهد لإبقاء المشرق العربي مجالًا حيويًا دائمًا لعنصريتها وعدوانيتها، وتطمح لدور إقليمي على حساب تهميش “الشعوب” العربية، والحرص على إبقائها شيعًا ومللًا متناحرة، لذا؛ فإن التصدي للمشروع الإمبريالي الإيراني، لا يتم بالعسكرة والتجييش واستنفار عصبيات سنّية في مواجهة عصبيات شيعية، بل يتم، أساسًا، بتوفير جملة من الشروط السياسية والثقافية والمجتمعية، التي تؤدي إلى فك ارتباط الشيعة العرب بالسياسات العنصرية الإيرانية، والمدخل إلى ذلك، يكون بالتمييز بين الشيعة العرب وبين الأحزاب والمليشيات الشيعية المتماهية مع السياسات العدوانية الإيرانية، والعمل على إنضاج مشروعات وطنية، تفضي إلى عزل الشيعة -كطوائف- عن تلك التعبيرات الميليشياوية ما دون الوطنية، وكذلك العمل على إقصاء التنظيمات والفصائل العصبوية السنية، التي حطّمت روح الشعور “بالمسؤولية القومية” لدى القوم الأكثري، وهمّشت دوره المكتّل في سيرورة التشكّلات الوطنية.

وغني عن القول: أن تسييس القومية وتسييس الدين، شيعيًا أو سنيًا، كانا العاملين الحاسمين في انهيار “الاجتماعات الوطنية” في كل من لبنان وسورية والعراق واليمن.

فقد آن الأوان بعد هذا الخراب كله، الذي أفصحت عنه تجارب القوميين في اغتصاب السلطات، وكذلك النتائج التي آلت إليها تجارب الإسلام السياسي الشيعية والسنية، وأفضت إلى تحطيم الاقتصاد والاجتماع والسياسة، كتجارب (حزب الدعوة العراقي، حزب الله اللبناني، الحشد الشعبي العراقي، حماس، الإسلاميون السودانيون، داعش، جبهة النصرة، تجارب الإخوان المسلمين في أكثر من بلد عربي…)، لوضع حد “لرقص هذه التجارب المسعور حول ذوات ميتة، تحاول عبثًا بعثها من رمادها”، وإقامة الحد على تسييس القومية والدين، وتصفية الشيعية والسنية السياسيتين، كمقدمات لازمة لحل المسألة الشيعية حلًا وطنيًا، ومنع انزلاقها على مسار المسألة اليهودية سياسيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق