على ماذا اتفق الروس والأميركيون إذن

بعد أشهر من المفاوضات استطاع الأميركيون والروس أن يخيطوا اتفاقًا في سورية، ضيقًا على الثورة، لكنه على قياس مصالحهم. تريد الأولى القضاء على (داعش)، وتريد الأخيرة استعادة بعض من هيبتها السوفياتية البائدة، عبر البوابة السورية إلى ما يتجاوزها. ولم تكد تمضي أيام على الاتفاق، حتى ترددت أصداؤه في أوكرانيا عبر إعلان الانفصاليين في لوهانسك ودونتسك هدنة من جانب واحد؛ ويعني ذلك، بما يعنيه، أن سورية هي البداية لتفاهم أوسع، يرجى منه أن يشمل أوكرانيا خلال الأشهر الباقية من إدارة أوباما، لكن دون أن يعني ذلك -أيضًا- أن موسكو وواشنطن قد اتفقتا على سلة شاملة.

لقد وصف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الاتفاق بنقطة تحول محتملة، إلا أن ما يُنتظر منها لا يعدو كونه تعاونًا تكتيكيًا وليس استراتيجيًا، فالمصالح الدولية لموسكو وواشنطن لا تزال متضاربة ومتناقضة، ويعبر عن ذلك اعتراف الجانبين بغياب الثقة؛ وضمن هذه الأجواء، يبدو أن أوباما عازم على المضي قدمًا بتعهده أن يضع سورية وأوكرانيا على بداية سكة الحل، لكن في المقابل، لا يبدو أنه يأبه كثيرًا للثمن، وهو -هنا- حلفاؤه من الأطراف الإقليمية الداعمة للثورة السورية.

ويبدو واضحًا أن الموقف الأميركي -بحسب ما كشفه المعلن من الاتفاق- قد انزاح كثيرًا باتجاه رؤية النظام وروسيا للحل، فقد تبنت واشنطن، فعلاً لا قولًا، مبدؤه القائل بتقديم محاربة الإرهاب على الحل السياسي. وإن كان النظام يعني بالإرهاب معارضيه كافة، إلا أن ضرب (جبهة فتح الشام – النصرة سابقًا)، سيكون لصالحه عسكريًا على الأرض، بحقيقة أنه سيجعل معارضيه أكثر هشاشة وعرضة لتفتيتهم وعزلهم لاحقًا.

من البديهي أن اتفاقًا بهذا الشكل، علاوة على ما خفي من بنوده السرية، سيثير مخاوف الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة، وإن أعلنت سياسيًا عن دعمها للاتفاق؛ صحيح أن تطبيع العلاقة بين موسكو وأنقرة قد مكن الأخيرة من التدخل في سورية؛ وبالتالي، فإنه قد هدأ هواجسها المتعلقة بتشكيل إقليم كردي على طول حدودها مع جارتها الجنوبية، إلا أنها -في المقابل- استثمرت كثيرًا في فصائل كـأحرار الشام وغيرها، ولن تقبل -بأي شكل- أن يتآكل نفوذها عبر استهداف تلك الفصائل على خلفية موقفها من فك الارتباط مع “جبهة فتح الشام”. وبالنسبة للسعودية، المعنية أكثر من غيرها باحتواء نفوذ إيران في المنطقة، فإنها لن تطمئن إلى اتفاق يقوي الأسد على حساب معارضيه، ودون أفق سياسي واضح يضمن رحيله.

لكن ماذا عن آليات وإجراءات تنفيذ الاتفاق نفسه، حين يصرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية، مارك تونر، بأنه لا يعتقد أن تشكيل مركز التنفيذ المشترك، بين موسكو وواشنطن، سيكون خلال أسابيع قليلة بعد تثبيت الهدنة. إن إمكانية أن يتطلب تفعيل المركز آنف الذكر أشهرًا ربما، كما أن يكون إنشاؤه موضع تشكيك من مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، هو شان يطرح من الأسئلة أكثر ما يلقي بالأجوبة، فكيف، أو هل، سيتم تنسيق الضربات خلال تلك الفترة؟ وهل سيسمح الروس لجبهة فتح الشام بامتلاك الوقت الكافي لتستغل الهدنة فتتسلح، أو تلجأ إلى مناورات قد تفتح الباب لتعقيد الأوضاع، بما هو أبعد من مجرد تغيير اسمها؟ وإن كان من المتوقع أن يتدخل الروس لمنع أمر كهذا أو غيره، ألا يكون الاتفاق مليئًا بثغرات تنذر بانهياره بين راعييه الرئيسين؟

إن ضبابية الاتفاق وسرية بنوده، ستلقي بظلالها على حلفاء الجانبين في سورية، أي أنها ستبقي الأطراف الإقليمية في الرياض والدوحة وطهران؛ وحتى أنقرة منهمكة بالاستعداد للحظة انهيار الهدنة، بدل العمل على التوصل إلى حل سياسي؛ ومن البديهي أن ذلك سيعني الاستمرار في تكديس السلاح، وانتظار اللحظة التي سيشعر بها أي طرف أن مصالحه على المحك، سواء كان ذلك متعلقا بالتمادي بإضعاف المعارضة، أم بلوغ نقطة بحث الانتقال السياسي جديًا، وبما لا يرضي إيران ولا النظام.

وفي النهاية، فإن استشراف الأسابيع والأشهر المقبلة بمزيد من الأسئلة، يبقى أكثر منطقية من إغراء تناول الاتفاق نفسه. ولعل السؤال الأهم هو: كيف سيتم استهداف فتح الشام، أهي ضربات جراحية، أم حرب كتلك التي تُشن ضد داعش؟

إن كان الخيار هو الثاني، فكيف سيتم ذلك، إن استمرت الفصائل برفضها ضرب فتح الشام، وفك الارتباط معها؟ وأيضًا من سيمسك الأرض حينها؟ ثم من يضمن أن النظام، الذي لا يزال مُصرًّا على التصريح برغبته باستعادة الأرض السورية كاملة، لن يدفع نحو انهيار الهدنة بعد أن يتم إضعاف معارضيه؟

وإن كان الجواب هو الخيار الأول، فهل يمكن أن تقبل روسيا بمجرد ضربات محدودة ضد “جبهة فتح الشام”؟ أم أن للاتفاق جانبًا آخر، كان قد هدد لافروف بكشفه، بما قد يوحي أنه سياسي، ولا يرضي حلفاء المعارضة الإقليميين؟

وإلى أن تلقى تلك الأسئلة أجوبة، ويتم الإيفاء بما هو خلفها من مصالح، يبقى هذا الاتفاق المريب مجرد محاولة أخرى، وإن كان قد وصفها كيري بالأخيرة.

2 ردود

التعليقات مغلقة