مقالات الرأي

تعليق الآمال على دول داعمة للديكتاتوريات

طوال سبع سنين، لم تتوقف المؤامرات على الثورة السورية؛ إذ كان يتم إعدادها في المحافل الدولية، ومن ضمن تلك المؤامرات اتفاقية “خفض التصعيد”، التي شارك في صياغتها كل من روسيا وإيران وتركيا، ممهورة بتوقيع وموافقة أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات. وها هي المعطيات على أرض الواقع تشير إلى أن الغاية الرئيسة من تلك الاتفاقية لم تكن إلا خدمة تنظيم الأسد؛ حيث أمكن له من خلالها استئناف جرائمه، وتقطيع الأوصال السورية، جغرافيًا وسياسيًا وميدانيًا وبشريًا، حتى يتسنى له ولحلفائه الاستفراد بكل منطقة على حدة، كما حدث في حلب والغوطة وغيرها من المدن السورية.

والآن، بينما يتم الإعداد لمؤامرة جديدة، عنوانها تشكيل دستور سوري جديد، نرى تنظيم الأسد وقد أمعن في إحراق درعا، بالتعاون مع المحتل الإيراني والمحتل الروسي، صاحب فكرة الدستور.

طبعًا، ليست المجزرة التي حصلت في درعا، هي المجزرة الوحيدة والأولى، حتى يُبدي رئيس المفاوضات نصر الحريري، وأعضاء وفده، دهشتهم واستغرابها من تخلي الدول الضامنة لمناطق خفض التصعيد عن التزاماتها ووعودها لهم التي على أثرها قبلوا الانخراط في التوقيع على تلك الاتفاقية من جانب، ومهزلة الدستور من جانب ثان.

لعلنا نلمح في دهشة نصر الحريري، وأعضاء وفده، ما يشي بخيبة أملهم من الثقة التي أولوها للدول وللأطراف الداعمة لاتفاقية خفض التصعيد، ولمشروع الدستور، متوقعين منها أن تمارس ضغوطًا جدية على تنظيم الأسد، ترغمه على تعديل سلوكه، والانصياع لبنود سترد في دستور مزمع إعداده من قبل دول هي بالأساس حليفة له، وهو الذي دمّر المدن والأحياء، وقتل مئات الآلاف، وقصف المدارس والمشافي والمساجد والكنائس، وشرد وهجر ملايين السوريين، لمجرد سماعه أصواتًا تخالف صوته. في حين امتنع عن محاسبة ضابط واحد أو رئيس فرع في تنظيمه الفاشي، طوال هذه السنين، ليقول للسوريين، وللعالم أجمع، إنه غير مستعد للتنازل ولو عن أصغر تركيبة في بنية تنظيمه الإجرامي. وعلى ذلك؛ راح يدمر، ويحرق، ويحوك المؤامرات، ويخترع التنظيمات الإرهابية التي ساهمت مع ميليشياته في تدمير بنية الحياة السورية، بل ذهب أبعد من ذلك، بجلبه المحتلّ الروسي والإيراني والأميركي والتركي إلى سورية، ليبقى هو متربعًا على كرسيه، ولتظل أجهزته الأمنية تعمل فتكًا بالشعب السوري.

وطالما أن الحال كذلك، وأن هذا التنظيم لم يُظهر أي نية في التخلي عن سلطته، أو عن سلوكه الإجرامي، حتى وهو في أضعف لحظاته السياسية والعسكرية؛ فكيف له الآن، بعد أن قضى تقريبًا على معظم القوة الثورية التي حطمت تماثيل رموزه ومزقت صورهم، وبعد أن استعاد سلطته على المناطق التي انتزعها من الفصائل العسكرية، أن يستجيب لمطالب السوريين بناءً على بنود ستدرج في دستور جديد؟! وبالتالي كيف يمكن الوثوق بدستور تشتغل عليه دول لم تتوقف لحظة واحدة عن قتل السوريين؟ هذا إذا ما أغفلنا دور الدول الداعمة نظريًا للمعارضة السورية، في دعمها لمهزلة الدستور، وهي التي لم تستطع، طوال سبع سنين، أن تُدخل للسوريين علبة دواء واحدة، دون موافقة تنظيم الأسد.

كذلك فإن المعارضة، بشقيها العسكري والسياسي، وهي في أحسن حالاتها، لم تستطع إرغام تنظيم الأسد على الاستجابة لأي من مطالبها، فكيف لها، وقد فشلت فشلًا ذريعًا على أرض الواقع، وعلى كافة الصعد، أن تحقق انتصارًا عليه من خلال بنود ستخط على ورق؟! ويكاد لا يخفى على أحد تصريحات الدول والأطراف المساهمة في مهزلة الدستور، التي يؤكدون فيها صراحة، وفي كل مناسبة، أن موقع الرئاسة في الدستور المزمع تشكيله خط أحمر؟!

على فرض أنه تم إدراج مواد في الدستور، تنص على انتخابات حرة، وإطلاق الحريات العامة، وتفكيك الأجهزة الأمينة، و، و.. فهل هذا سيبدل شيئًا على أرض الواقع، طالما أن تنظيم الأسد على رأس السلطة؟!

لقد جرّب السوريون النتائج المتأتية من التعديلات الدستورية، وذاقوا منها الويلات، وخصوصًا تلك الجلسة التي عقدها مجلس الشعب عام 2000 التي أقر فيها بالإجماع تعديل سنّ الرئاسة، ليتوافق مع عمر السفاح بشار الأسد. وحينما علَت الأصوات المطالبة برفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات في بدايات الثورة السورية؛ تظاهر تنظيم الأسد باستجابته لهذا المطلب، غير أنه، وهو يقوم برفع حالة الطوارئ، كان يدرج مادة جديدة في الدستور، تنص على تشكيل “محكمة الإرهاب”، هذه المحكمة التي جلبت للسوريين خرابًا ودمارًا أشد وأعم من جميع السنوات التي كان يعمل فيها بقانون الطوارئ.

وهل هناك من دليل أدلّ على استخفاف واستهتار سفاح سورية بكل الدساتير السماوية والأرضية، من تأديته لليمين الدستوري أكثر من مرة، مقسمًا على أن يحافظ على سيادة الوطن وحريته واستقلاله، بينما على أرض الواقع، راح يُدمّر ويحرق هذا الوطن بأهله وناسه، ويرهنه لقوة استعمارية، فأي دستور هذا الذي سيلجم سفاحًا مثله. وأيّ رهان على دول تدعمه، وتقتل السوريين؟ أما آن أوان الاستفاقة بعد كل ما جرى، والكف عن دهشة خيبة الآمال؟

مقالات ذات صلة

إغلاق