مقالات الرأي

حرب العالمين على حوران

تُنهي الحرب الشاملة التي تُشنّ منذ نحو أسبوعين، على الجنوب السوري، أيَّ فرصة تتصل بالذهاب إلى تسوية سياسية للقضية السورية، وإنّ إمكان إحداث اختراق في الراهن الدموي يبدو ضعيفًا للغاية، نتيجة غياب مؤثرات خارجية غربية، على تطورات الوضع السوري؛ ما يعني استمرار التزام الحلّ الأمني الذي انتهجه النظام الأسدي، في مواجهة الانتفاضة الشعبية السورية، قبل نحو ثمانية أعوام، وما يزال هو الاستراتيجية التي يجري تنفيذها، بالشراكة مع موسكو وطهران. وهو ما يقوّض كل الجهود الدولية في هذا السياق، إن تبّقى لها أيّ أثر اليوم.

لم تُفض مسارات أستانا واتفاقات خفض التصعيد، سوى إلى تقويض احتمالات وقف القتل اليومي، والمضي أكثر نحو تسوية عسكرية، بمزيد من الاستهداف المنظم للمدنيين، وتدمير عشوائي للبلدات والقرى، كان من نتائجها المباشرة تهجير ما ينوف على 300 ألف مدني فرّوا من القصف الهمجي، والعمل على إرغام الفصائل العسكرية على الاستسلام، بدلًا من أي تسوية يمكن أن تقود إليها المفاوضات مع الروس. سقوط اتفاقات خفض التصعيد، في المناطق السورية المختلفة، كان في الحقيقة أمرًا واقعًا، لم تلتزم روسيا وإيران به، وبالطبع قوات النظام الأسدي، وبالتالي لم يكن قائمًا على أرضية صلبة قابلة للاستمرار، خاصة أن الأطراف الضامنة كانت شريكًا في اختراق وقف التصعيد.

لكن الطرف الأميركي، الذي يجب عليه حماية الاتفاق، كونه جاء في سياق الحاجة الأميركية – الإسرائيلية إلى تجميد الوضع الأمني والعسكري في الجنوب السوري، كما أنه حاجة أردنية، لم يُبدِ حرصًا حقيقيًا على تنفيذ الاتفاق. وكانت الولايات المتحدة دائمة النصح للفصائل المعارضة، بعدم خرق الاتفاق من طرفها، لأنها لن تكون قادرة على التدخل في حال سقوط الهدنة الهشة. كان هذا ملمحًا أساسيًا واضحًا، ومؤشرًا على طبيعة الدور الأميركي، واحتمالات تطور موقفها من عدمه، في الحرب التي تشنّها القوى المعادية للشعب السوري.

لا يهمّ كلًا من واشنطن وتل أبيب، أن يستقر الوضع في الجنوب، بموجب اتفاق خفض التصعيد أو غيره؛ إذ لم تكن هناك في الأصل مخاوف من انتقال عمليات عسكرية عبر الحدود، إلى المناطق التي تحتلها “إسرائيل”، أو إلى الأردن. غرفة العمليات المشتركة في الجنوب كانت فعّالة في رسم خطوط المواجهات بين النظام وفصائل الجنوب، والحضور الأميركي كان قياديًا ومؤثرًا، ويمثل مصالح إسرائيلية وأميركية في آن واحد، ولم يكن هذا خافيًا على أحد، وكأن حوران التي كانت على الدوام شوكةً في حلق “إسرائيل”، واحتملت وصبرت على ويلات الحروب في المنطقة، يراد لها أيضًا أن تدفع ثمن الموقف، وثمن نصرة الحق الفلسطيني، وهي فرصة كي تُعاقب. لقد تراجع الجميع اليوم، ولم يبق أحد مع الجنوب المستهدف!

تمحورت قراءتنا حول أن الهدف يتمثل في إبعاد التواجد الإيراني من المنطقة. تشكل إيران خطرًا كبيرًا في العقيدة الاسرائيلية لجهة الجنوب اللبناني، أما بالنسبة إلى الجنوب السوري، فإن وجود (النصرة) و(داعش)، كان مصدر تعزيز للعمليات العسكرية، لكل الأطراف المعنية باستمرار العمليات العسكرية ضد المعارضة السورية، والهدف هنا استعادة السيطرة على المناطق التي طُرد منها النظام على مدار السنوات الماضية، وكانت إدارتها، من قبل الفصائل واللجان المدنية، تحظى بحالة شبه مستقرة، على خلاف الفوضى والاقتتال في مناطق الشمال السوري برمته.

إيران تشارك بقوة في الحرب القذرة، ومن الواضح، في ظل مشاركة الميليشيات المدعومة من إيران، أن ما تريده الولايات المتحدة و”إسرائيل”، هو منطقة منزوعة السلاح بالكامل. وإن العمليات العسكرية المتواصلة سوف تحقق هذا الغرض، بل ستجعل المنطقة أقلّ سكانًا، والقرى المتاخمة لاتفاق الهدنة خالية من أصحابها. ليس مهمًا بالنسبة إليهما من يقوم بذلك، إيران أو سواها، والحديث المتواتر، عن دور الأسد الضامن في استقرار المنطقة، هو مجرد تغطية لتراجع واشنطن عن التزاماتها في منع اجتياح المنطقة الجنوبية. بلا شك النظام الأسدي يحظى بأفضلية لدى “إسرائيل”، لكنها ليست بحاجة إليه اليوم لضمان أمنها وحدودها، بالصورة الت نعتقد.

لدى الكيان الاسرائيلي القدرة والوسائل، للقيام بذلك، اعتمادًا على الدعم الأميركي الكامل، غير المحدود، بغض النظر عن الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولديها المواقف الأوروبية الثابتة حيال أي تهديد قد تتعرض له تل أبيب، كما أن لديها الشريك الروسي، الذي تجمعها به اتفاقية استراتيجية للتعاون الأمني والعسكري، خاصة ما يتعلق بسورية وتطورات الوضع فيها. وبلا شك، فإن نظامًا مهلهلًا هشًا وضعيفًا، يتحدث عن المواجهة والممانعة، يفيد “إسرائيل” في المضي قدمًا في سياساتها العدوانية الإرهابية، ضد الفلسطينيين وفي المناطق المحتلة، بدعوى حماية الأمن الإسرائيلي في مواجهة التحديات المصيرية، كما تزعم.

من الطبيعي أن تفشل كل الجهود، على قلتها وضعفها، وهي جهود مناشدة وتمنيات، في أن تقود ليس إلى وقف العدوان العسكري الشامل على الجنوب السوري، بتواطؤ جميع الاطراف الدولية والإقليمية، فحسب، بل إلى تخفيف حدّة استهداف المدنيين، والتوقف عن ذلك، وفقًا للقاونين الدولية.

ما يريدونه هو أن تحقق الحملة العسكرية أهدافها بسرعة، أن تنقل الوضع في المنطقة إلى سيطرة أسدية – روسية مباشرة، وإنهاء أي وجود مسلح أو مدني لقوى الثورة السورية في الجنوب. وهي الخطوة التالية لما بعد ريف دمشق، التي تم فيها تأمين مركز سلطة النظام. واستمرار الهجمات الروسية المنظمة ضد السوريين مستمر بموافقة أميركية لا غبار عليها، منذ حكم أوباما. والحديث عن خلافات بين موسكو وواشنطن لا يعدو كونه خلافات في توزع المصالح والأدوار والقوى العاملة في أطرهما، مثال الميليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية و(حزب الله)، إضافة إلى دور تركيا وإيران، وهو ما سوف يتم تناوله في القمة الروسية – الأميركية المقبلة، في اعتقادنا، خاصة في ظل معطيين أساسيين هما نجاح أردوغان الحاسم في الانتخابات التركية، وتوجه إيران نحو استعادة الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة أو الحيلولة دون تطور الوضع بين طهران وواشنطن بجهود أوروبية، وإن يكن ترامب لا يعير أهمية لأي مواقف وجهود دولية، خارج المزاج الترامبوي.

الوضع في حوران، بعد توقيع اتفاق الأمر الواقع، مرشح للتصعيد، واستئناف حملة القتل والتدمير، طالما أن الهدف هو الاستسلام التام، وطيّ صفحة الثورة السورية في مهد انطلاقتها. من هنا يمكننا قراءة استمرار أزمة اللاجئين المدنيين، وإغلاق الحدود، وشح المساعدات الإنسانية، وفشل مجلس الأمن في اتخاذ خطوات إنسانية في هذا السياق.

احتلال حوران مجددًا، يجب أن يعيد الثورة السورية إلى صورتها الأولى، رغم الانكسار الشديد، والفوضى التي قادت الى ذلك. لقد تكالبت عليها أممُ العالم قاطبة، لأنها انتفاضة تحرر من الاستبداد، فشنّت حرب العالَمين عليها. لكن التضحيات سوف تبقى جذوة مستعرة لثورة السوريين من قلب جنوبها: حوران الأمل والألم.

مقالات ذات صلة

إغلاق