كلمة جيرون

انتهت المسلحة فلتبدأ غيرها

في درعا، أُعلنت نهاية الثورة المسلحة، وعلى الرغم من الجرح السوري الكبير، والخسائر الفادحة، البشرية والمادية والنفسية، فإن سقوط درعا -عسكريًا- قد يحمل معه جانبًا إيجابيًا، يخص كل السوريين، ويخص مستقبلهم على وجه الخصوص.

صحيح أن درعا ليست المنطقة الوحيدة التي تضم فصائل مسلّحة معارضة، لكن يمكن الجزم بأن لن يتوفر، لأي جزء من أجزاء سورية الأخرى التي تعجّ بالفصائل المسلّحة، ما توفّر لدرعا التي ضمّت عشرات آلاف المقاتلين، جميعهم من أبناء المنطقة، ولديهم قدرات تسليحية تؤخذ بعين الاعتبار، وامتلكت بيئة أهلية حاضنة للثورة ومعادية للنظام، كما حظيت باعتبارات استراتيجية عسكرية متعددة، تتعلق بدول الجوار: الأردن و”إسرائيل”.

وعلى الرغم من كل هذه الاعتبارات، سقطت درعا عسكريًا، وكما كان متوقعًا، لم يصمد المقاتلون؛ بسبب الخلل الكبير في ميزان القوة العسكرية، وبسبب طبيعة الروس العنيفة والعنيدة، وطبيعة النظام الدموية، وأيضًا بسبب الأميركي، الذي أوحى للمعارضة بأنه يشتري، ثم باع بأرخص الأثمان.

قبل درعا، سقطت حلب عسكريًا، وتلتها الغوطة، وسرعان ما ستسقط إدلب وغيرها، فمخازن الصواريخ الروسية مدفوعة الثمن مليئة تنتظر التفريغ، والحقد الإيراني مستمر وينتظر التنفيس، وانتقام النظام السوري مستمر ويتوق إلى “تأديب” البشر، على “ثورتهم” ضد طائفيته وتمييزه وفساده ولا وطنيته.

كان سقوط الثورة المسلحة أمرًا متوقعًا، فقد وقفت كل من روسيا وإيران إلى جانب النظام، بكل طاقاتهما العسكرية، فيما تخلّى عن أصحاب المعارضة المسلحة أصدقاؤهم، ومنعوا عنهم كل سلاح فعّال، وماطلوهم وسوّفوا لهم، وخدعوهم وكذبوا عليهم، ومنعوا توحّد من كان يسعى لذلك، ومنّوهم بالمال والأحلام، وحرصوا على أن يسقط الحكيم منهم، وهيّؤوا كل الظروف ليتحول الكثير منهم إلى ميليشيات مناطقية عشائرية شخصية قصيرة البصر والبصيرة.

إذًا، في درعا أُعلنت نهاية الثورة المسلحة، وربما تمضي غير مأسوف عليها؛ فما من ثائر سوري خرج من أجل حمل السلاح والحرب، ولا من أجل التدمير والموت، كذلك لم يخرج ثائر سوري من أجل أن يَقتل أو يُقتل، ولا في سبيل الجهاد، ولم تكن الحرب خيارهم، بل تحوّلت الثورة إلى مسلحة، نتيجة عنف النظام وداعميه، وحقده الكامن ولا إنسانيته.

انتهت مرحلة الثورة المسلحة، لكن الثورة ذاتها لم تنته، ففي بلد يحكمه نظام شمولي عسكري، استسهل تدمير المدن، واسترخص قتل الشعب، وشنّ حربًا كارثية داخلية، وتعاون مع مارقي الأرض، وأدخل المحتل، وبث الطائفية، وخرّب التعايش المجتمعي، وارتكب المجازر، ودمّر المدارس والمشافي، واستخدم البراميل والأفران والكيميائي لقتل البشر، وتخلى عن وطنيته، في مثل هذا البلد، لا يمكن أن تنتهي ثورة.

مرة أخرى… الثورة فكرة لا تموت ولا تسقط، والحرية والكرامة مُثل عليا لا تفنى، وللثورة طيف واسع من الوسائل، أضعفها التسليح، وأقواها الإرادة، التي لم ولن يفتقدها السوريون للوصول إلى بلدٍ بلا ديكتاتور، خال من القتلة والمجرمين، وإلى حكم لا طائفي مدني ديمقراطي تعددي وتداولي، وتقع على عاتق النخب السورية، غير السياسية التي أثبتت فشلها الذريع، مسؤولية توجيه البشر إلى النضال المدني والسلمي والسياسي والفكري، حتى لو استغرق الأمر وقتًا، فالثورة مستمرة، وسقوط النظام حتمي، ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق