مقالات الرأي

العدالة بين القضاء والتاريخ

فيكتور جارا اسمٌ مجهولٌ للغالبية في العالم العربي، ومن في حكمه من دول الجنوب التي تعاني من أنواع متنوعة ومتشابكة من الاستبداد والتسلّط. هذا المغني التشيلي سيُصبح رمزًا لن يُنسى لكل من تعرض ويتعرض وسيتعرض لعسف الاستبداد، في أي بقعة من الكرة الأرضية. لقد كان جارا، الشيوعي الانتماء، من أهم مناصري الرئيس المنتخب سالفادور الليندي الذي انقلب عليه العسكر وقتلوه، في أيلول/ سبتمبر من سنة 1973، بقيادة الجنرال الدموي أوغيستو بينوشيه الذي عيّنه الليندي نفسه قائدًا للجيش، قبل شهر من انقلابه عليه.

جرى احتجاز جارا في الملعب الرياضي في العاصمة سانتياغو. هذا الملعب تحوّل مع الانقلاب إلى مركز اعتقال ضخم، جرت فيه عمليات تعذيب منهجي، وتصفية عدد كبير من المعتقلين. وقد كتب جارا في المعتقل قصيدة مغناة، ندد فيها بالدكتاتورية المنقلبة على الشرعية، مقارنًا إياها بصراحة تامة بالفاشية الإيطالية لصاحبها بينيتو موسوليني في إيطاليا (1922 – 1943). وسرعان ما تمّ عزله عن بقية المعتقلين، وتمّ تحطيم أصابع يديه التي يعزف بها على الغيتار، بفؤوس البنادق من قبل مجموعة من العسكر، وذلك أمام جمع المعتقلين. وبعد أيام قليلة، تمّ إعدامه بعشرات الطلقات، ورُميت جثته ليسرقها أحد الجنود ممن تعرّف إليه، ويسلمها إلى زوجته، ولتدفن بشكل سري، في 18 أيلول/ سبتمبر من السنة نفسها.

بعد فترة طويلة من عودة الحياة الديمقراطية إلى البلاد (1990)، قامت الدولة التشيلية سنة 2009، وكانت على رأسها الاشتراكية ميشيل باشليه، بتنظيم جنازة وطنية حافلة له بحضور الرئيسة وأكثر من 5 آلاف شخص، غنوا طوال المسير في شوارع سانتياغو العاصمة أشهر أغانيه بصوت واحد.

في سنة 2013، انطلقت جلسات محاكمة العسكريين المسؤولين عن تعذيبه وموته. وبعد خمس سنوات من مرافعات طويلة، ومواجهات بين المجرمين والشهود؛ صدر الحكم منذ أيام على تسعة منهم بالسجن لمدد تراوح بين 5 و18 سنة. احتاج المجتمع التشيلي إذًا، كما القضاء الوطني المستقل، إلى أكثر من 45 عامًا للحسم في قضية مقتل ثاني أشهر ضحية للانقلاب الفاشي بعد الرئيس الليندي نفسه.

رمزية قضية جارا ومآلاتها الأخيرة تمنح الباحثين عن العدالة والمسائلة جرعةَ أمل كبيرة. وعلى الرغم من استمرار الكثير من الحكام، وخصوصًا العرب منهم، بارتكاب الانتهاكات من اعتقال تعسفي إلى تعذيب وصولًا إلى التصفية، بحق الناس العاديين، كما الرموز الفنية والعلمية والسياسية التي حاربت الديكتاتوريات وما تزال، فإن التجارب التاريخية أثبتت إمكانية محاسبة المسؤولين عنها، ولو بعد عقود. وبالتالي، فالقول بأن العدالة هي طبق يؤكل باردًا، فيه من الدِّقة الكثير.

بعد مرور فترة زمنية طويلة، من الصعب غالبًا أن يكون العقاب، إن ثبت الجرم، مترجمًا إلى سنين في السجن، وذلك إما لوفاة المتهم أو لتقدمه الشديد بالعمر؛ ما يدفع غالبًا القضاة إلى الرأفة إلا فيما ندر. بالمقابل، فإن مجرد قيام المحاكمات، واستعراض الأدلة واستعادة التاريخ واستعراض الأحداث التي أحاطت بالانتهاكات، لفيه الكثير من العدالة رغم الألم ورغم الانتظار. كما أن التغطية الإعلامية التي ترافق عادة مثل هذه المحاكمات لهي كفيلة بإدانة المتهمين وتصوير عارهم أو خذلانهم أو ندمهم أو تحديهم، وفي هذا كله، جزءٌ من العدالة أيضًا.

لقد أقرّ الجنرال شارل ديغول، بعد انتصار الجمهورية الفرنسية الحرة سنة 1945 على جمهورية الماريشال بيتان المتعاونة مع ألمانيا النازية، عفوًا، ليُنقذ عشرات الألوف من المتعاونين. فكثير من الرسميين الفرنسيين في الإدارة كما في الشرطة، تعاونوا مع المحتل النازي دفعًا لوحشيته وحفاظًا على مصالحهم. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة التي لم تعفُ عن المجرمين، ولكنها عفَت عن الجبناء المتخاذلين المتعاونين، فإن هؤلاء بقوا يحملون صفة المتعاون حتى آخر يوم في حياتهم، بفضل وعي المجتمع ودور الاعلام في تسليط الضوء على تاريخهم الأغبر.

في إسبانيا ما بعد الجنرال فرانكو، قررت الأحزاب طيّ صفحة الماضي والصفح عن جرائم الديكتاتورية، ولقد استمر العمل بهذا لعقود. وفي أيامنا هذه، يسعى المجتمع المدني الإسباني لنبش الملفات ووضع النقاط على الحروف، ولو بشكل رمزي. وسينجح بالتأكيد في مسعاه هذا، وسيعطي درسًا جديًا للمنتظرين عدلًا بعيدًا من الانتقام. كما يسعى المجتمع المدني إلى نقل رفات الديكتاتور من مقبرة شهداء الوطن إلى قبر عادي. إنها لفتة رمزية “يبصق” من خلالها الإسبان على ذكرى فرانكو.

إن لم يقم القضاء بدوره في محاكمة من أساء لأبناء شعبه، ومن خان الأمانة، ومن تعاون مع المحتل أو مع المستبد؛ فإن التاريخ يتكفل بذلك، عاجلًا أو آجلًا. وإن استساغ المتعاونون طعم الرياء الممزوج بالفائدة المباشرة ماليًا أو وظيفيًا، فإنهم في حياتهم، وحتى بعد موتهم الطبيعي، سيحملون كما أولادهم عارهم المديد. فانتصار المستبد أو المحتل ممكن على المسألة الأخلاقية، كما على الحقوق، إلا أنّ كُتب التاريخ لن تمنحه براءة الذاكرة.

فيكتور جارا ما زال يُغني فينا ومعنا ملتزمًا بحريته وبرسالته.

مقالات ذات صلة

إغلاق