مقالات الرأي

سورية وطبول الحرب العالمية

يقول صموئيل هنتجتون، في موضوع القوة الانفرادية العالمية: “تغيرت العلاقات الدولية على أساس أن السياسة العالمية تدور حول القوة والصراع”، فصنّاع السياسة العالمية اليوم يضعون نصب أعينهم ثلاث نقاط محددة، تتجاهل على أساسها حقوق شعوب المنطقة وحرياتها، من حيث:

– إحكام الهيمنة المطلقة على احتياطي البترول والغاز العالمي، ريثما تنجز مراكز أبحاثها إنتاج بدائل الطاقة العالمية.

– استعادة السيطرة على الشرق الأوسط، بعد أن اجتاحته موجات التغيير السياسي التي تنبئ بتغيرات سياسية واقتصادية عالمية بعد ثورات الربيع العالمي.

– وإعادة بناء قواعد وقوانين جديدة لمنظومة العولمة، خاصة بعد الفورة الروسية من خلال سورية.

وما حقيقة الحرب غير المعلنة التي تدور على الأرض السورية اليوم، إلا تلك المحاولة لحل الأزمة العالمية المستعصية منذ سنوات، حيث تحاول جميع الأطراف العالمية والإقليمية، خاصة الكبرى منها، تجنب مباشريتها والعمل على إداراتها عبر أذرع محلية مستثمرة مظالمها مرة، كثورات الربيع العربي، ونزعاتها الفئوية مرة أخرى متمثلة بالحوثية والميليشيوية أو السياسية الأقلوية كالكردية ضيقة الرؤيا! مواجهة كبرى كهذه، إن حدثت، لا يمكن تحمل تبعتها الاقتصادية ولا كلفتها البشرية، فهل ستتعقل السياسة الدولية وتقف عند هذا الحد؟ أم تخوض غمار حرب لا ينجو منها أحد إذا بقيت على حلولها الجيوبوليتكية المجتزئة للمنطقة والعالم؟

يأتي هذا في سياق إعلان الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، وما تلاه من انسحاب للشركات العالمية من استثماراتها فيها تباعًا، في مقابل تصريحات “سليمانية” إيرانية و”حسن نصرانية” برفضها الانسحاب من سورية، رغم الضربات العسكرية الجوية الإسرائيلية المتوالية لها، مجهولة المصدر حسب زعمهم، في الأراضي السورية، خاصة من المنطقة الجنوبية، التي تعتزم الولايات المتحدة ودول أوروبية فاعلة، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا، حضور لقاءات جنيف نهاية الشهر المقبل للبحث في الملف السوري، وما رافقها من تهديدات وتحذيرات أميركية، بعدم القيام بأعمال عسكرية في المنطقة الجنوبية المشمولة باتفاقات “خفض التصعيد” الثلاثية (أميركا، روسيا، الأردن) في عمان الصيف الفائت، فهل تُفجّر إيران فتيل حرب عالمية كبرى في المنطقة، أم أن لدى نظام العولمة إلى اليوم القدرة على اتخاذ سياسات قادرة على جعل إيران تمتثل لمطالب وزارة الخارجية الأميركية الاثنتي عشرة الشهر الماضي؟

نظام العولمة الذي أتى على خلفية إنهاء نزاع عالمي، كاد يودي به، بين قطبية نظامين عالميين رأسمالي – اشتراكي، ليؤسس لقطبية منفردة، عبر شراكات عالمية اقتصادية تجتاح الحدود القومية للدول كبيرها وصغيرها. النظام ذاته اليوم، أي العولمة، يعيد ترتيب منظومته الداخلية ليؤسس لشراكات مختلفة متغيرة، حسب مصلحة الشركات الكبرى عابرة القارات، وأهمها “كارتيلات” البترول والطاقة العالمية، ومصانع الأسلحة وتجارة المخدرات، وعلى ذلك؛ تتغير قواعد الاشتباك والاتفاق والنزاع العالمي مرحليًا واستراتيجيًا. ففي عام 2008 هزّت العالمَ موجة مالية ضخمة سُميت حينئذٍ حربًا عالمية ثالثة مالية، لكن مرونة العلاقات المالية البينية، وامتصاص دول الخليج العربي للأزمة؛ من خلال ضخها مالًا إضافيًا من احتياطها الضخم؛ خفف الأزمة وسعى لتجاوزها بأقل التكاليف الممكنة، لكنها تركت أسئلة مبهمة لتوقعات قادمة تفرزها تلك المنظومة في تناقضاتها الدولية اليوم. والتي لم يتوان هنري كيسنجر، أحد أباطرة النظام العالمي الجديد ومؤسسيه، في حديث له مع (الديلي سكيب) في 12 تموز/ يوليو 2016، يدق ناقوس حرب عالمية ثالثة على الأبواب!

في الجانب الآخر، تكثفت الأزمة العالمية في المواقف المتباينة حول ثورات الربيع العربي عامة، وفي سورية بشكل أكثر خصوصية، فحيث خسرت روسيا موقعها المهم في استثمارات البترول الليبي بعد أن فقدتها في العراق عام 2003، سعت بكل ثقلها السياسي بداية، ثم الحربي، لتعطيل أي عملية للتغير السياسي في سورية يُخرجها مما يسمى المياه الدافئة في محيط البحر المتوسط، ويستبعدها من معادلة الشرق الأوسط كليًا، ويحجم وجودها في معادلة الطاقة العالمية، في حال نجاح الثورة السورية، حيث تحاول قطع الطريق على دول الخليج العربي الباحثة عن طريق لمرور خطوط الغاز والبترول البرية عبر الأراضي السورية إلى أوروبا؛ ما يخفف احتكار الغاز الروسي في ذلك.

حظ السوريين كان الأوفر والأكثر سوءًا في هذه المتغيرات، فبينما اجتاحت حمى العولمة معظم “مثقفيها” و”سياسييها”، فنظروا لها رغبويًا، من زاويتها الثقافية الكونية والتقنية فحسب، أغمضوا العين الأخرى عن ابتلاعها للحدود السيادية للدول، وعن حروبها المبطنة للمزيد من تركيز الهيمنة الاقتصادية. ليقع السوريون ومشروعهم الوطني في تناقض فاضح، بين قدرتهم على إنجاز ثورتهم الوطنية بمساندة مراكز القرار العالمي، وبين متطلبات صانعيه من “دولتهم الوطنية القادمة”، وصراع الأمم على خلفية استقطاباتها غير المعلنة.

يقول أينشتاين: لا يمكننا حل مشكلة باستخدام العقلية نفسها التي أنشأتها، وحيث إن معالجة مسألة كبرى كالعولمة تحتاج إلى أبحاث ودراسات شتى قبل البت بها، فعلى الرغم من التطور التقني الكبير العالمي وترسيخ الكثير من حقوق الإنسان واتساع مساحة حرية الفكر والتعبير، فإن ذهنية الاحتكار والهيمنة المطلقة ذاتها التي بنت النظام العالمي الجديد هي التي تقع في أزمة اليوم، فلا يمكن لمنظومة منفردة، سواء كانت الناتو أو البريكس الناشئة، أن تقبل بهيمنة مطلقة لإحداها دون الأخرى، مع محاولة دائمة للعبة ليّ الأذرع دون كسرها، هي الذهنية ذاتها التي تعالج المسألة السورية بالمفاهيم ذاتها، وتكاد تجهز على حلم السوريون في ثورتهم الوطنية؛ ما سمح لتوسع رقعة القتل والتهجير المنهجي، وليس فقط بل تكاد تشعل حرب عالمية ثالثة، بأذرع إقليمية تسعى لتثبيت وجودها العسكري والسياسي فيها.

هل تقرر رغبوية التملك ونزعة الهيمنة المطلقة هذه رسمَ خطوط حمر أولية، في الاكتفاء بتقاسم النفوذ على حساب الدم السوري؟ مكتفية بحصة ضخمة وإن كانت مجتزئة من نظام الشراكات الجديد تؤسس له المسألة السورية وثورة شعبها، أم تأخذها رعونة الحسابات غير المسؤولة، وتضغط على “الزر النووي”، الخطر الأكبر، بعد أن اتفقت كل الأطراف العالمية ذات يوم، في إيطاليا قبل ربع قرن من الآن، على عدم استخدامه، حين لخص موجزه غورباتشوف، آخر رئيس في الاتحاد السوفيتي السابق قبل انهياره وتشظي منظومة حلف وارسو والسوفييت معها: “العالم يسير في مركب يُسمح للجميع باللعب عليه، لكن لا يُسمح لأحد بثقبه”، فهل تصبح المسألة السورية وثورة شعبها، ومن خلفها دول الخليج العربي، نقطة تحول كبرى في مسار تغيير قواعد منظومة العولمة العالمية تجاه تقاسم النفوذ والهيمنة والتخلي عن إطلاقها طوعًا؟ ومن أين للسوريين من طاقة بعد قابلة على امتصاص التناقضات العالمية الجديدة، وتباين شراكتها النفعية مرحليًا واستراتيجيًا بنظام “عولمة جديد”، وهم المشردون في كل بقاع الأرض، والمنكوبة معظم مدنهم، والمنتقلون من حالة ثورة إلى ساحة حرب إقليمية ودولية عبرهم؟ وهل يمكن لدول الخليج العربي مرة أخرى أن تستوعب أتون حربٍ، توشك أن تقع، محافظة على استقرار دولها؟ أم ستكون سورية زر الضغط على زناد حرب “معولمة” كبرى؟ سؤال برسم الأيام وما ستفرزه بخصوص الوجود الإيراني في سورية، وشكل المواجهة المرتقبة فيها وعليها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق