مقالات الرأي

معركة درعا… المعارضة والاستفادة من التجارب والأخطاء

الإجابة على سؤال كهذا أمرٌ سهلٌ، رغم أنه يبعث على القلق والألم الشديدين؛ إذ لا يمكن تحديد ماهية تلك المعارضة، ولا تعيين الكيانات المعارضة، لسبب بسيط هو أن الثورة والمعارضة السوريتين لم تتحددا بعد، رغم كل التضحيات والعذابات والأثمان الباهظة التي دُفعت في السنوات السبع الماضية، ولأن الكيانات السائدة، السياسية والعسكرية والمدنية، لم تنضج بعد إلى الدرجة المناسبة، وليس لديها تجربة سابقة، ولأنها مبعثرة ومختلفة ومتباينة الأهواء، بالمعنى التنظيمي أو بالمعنى السياسي، ناهيك عن أنها، في أغلب الأحوال، تابعة أو لا تملك من أمرها شيئًا، بحكم ضعف تمثيلها في مجتمعات السوريين، أو نتيجة اعتمادها، ماليًا وتسليحيًا، وتاليًا سياسيًا، على هذه الدولة أو تلك، أكثر من اعتمادها على شعبها.

هكذا، مع كل الأسف، شهدنا أن المعارضة السورية، سواء أكانت كيانات أم شخصيات، لم تقم بإجراء مراجعة مسؤولة، نقدية وجدية وعميقة، للمسارات التي سلكتها الثورة السورية، أو التي أخذت إليها، إلا فيما ندر، وإن حدث ذلك فبعد فوات الأوان، وبطريقة مترددة أو مضطربة، في أغلب الأحوال.

في البدايات، أُخذت الثورة نحو العسكرة، التي باتت الشكل الوحيد لها، بعد اختفاء أو تبديد بُعدها الشعبي، وخرجت حينئذ ادعاءات تقول إن ساعة الصفر قد أزفت، وإنها أضحت قاب قوسين أو أدنى، وذلك في صيف 2012، أي بعد سيطرة بعض الفصائل العسكرية على أجزاء من حلب ودرعا وحمص وإدلب وريف دمشق، بيد أن أحدًا، في غمرة الحماس والتسرع، لم يسأل نفسه عن حقيقة المستوى التنظيمي لهذه الفصائل، أو استراتيجيتها العسكرية لتحقيق الغلبة على النظام، ولا عن خلفيات هذه الفصائل، وطريقة إدارتها لأحوالها وللعلاقات فيما بينها. لم يسأل أحد نفسه عن تابعية هذه الفصائل واعتماديتها على هذه الدولة أو تلك، ولا عن خلفياتها أو ادعاءاتها السياسية التي بدت وكأنها تأخذ ثورة السوريين إلى غير المقاصد النبيلة والوطنية التي انطلقت من أجلها، والمشكلة أن كل ذلك كان يحصل، والنظام يقتل يوميًا المئات، مع مصرع 4000 – 5000 من السورين شهريًا، في تلك الفترة، ومع نزوح عشرات الألوف كل شهر، وتدمير أحياء كاملة، وكأن ذلك كله أمرًا ليس له أي قيمة، أو لا يعني شيئًا للمعارضة، سواء في ما يخص قوة النظام، أو في ما يخص سكوت القوى الدولية والإقليمية عن جرائمه.

فيما بعد، وبعد قصف الكيمياوي (آب/ أغسطس 2003) تبيّن بشكل واضح، مع الصفقة الأميركية – الروسية، أن النظام الدولي والإقليمي لن يسمح بمعاقبة نظام الأسد، ولن يسمح بكف يده عن قتل السوريين، وتشريدهم، وتدمير عمرانهم، وأنه معني فقط، بتحجيم النظام، وتقليم أظفاره، وخلع أنيابه الكيمياوية، وهو ما حصل، ناهيك أن ذلك ترافق مع تمييع بيان جنيف، وترك الأمر للتفسيرات الروسية، التي جعلت من البيان المذكور، ومن كل الجولات التفاوضية في جنيف، مجرد لعب، أو تقطيعًا للوقت، ليس إلا، الأمر الذي أسفر، فيما بعد، عن فتح مسار تفاوضي جديد في أستانا، جرت المعارضة أو بعضها إليه.

في الغضون، أي مع مسار أستانا التفاوضي، لم يسأل أحد في المعارضة عن التحول التركي الحاصل، الذي أفضى إلى تخليق مسار تفاوضي جديد، ثم إلى مؤتمر سوتشي (مطلع هذا العام). لم يسأل أحد في المعارضة عن معنى التحالف أو التنسيق المشترك بين تركيا من جهة، وروسيا وإيران الحليفين الأساسيين للنظام، في سورية، وكأن ذلك مجرد تفصيل عابر أو ثانوي لا يجب التوقف عنده، أو استنباط الدروس منه. لم يسأل أحد نفسه عند السؤال عن معنى سقوط حلب، بسبب تشرذم الفصائل العسكرية، واحتراباتها البينية، أو عن سبب انصياع تلك الفصائل لتركيا، بتركها مواقعها في حلب وذهابها إلى عملية “درع الفرات”، الذي أدى إلى كل المسلسلات التي أدت إلى انهيار كل المناطق التي كانت “محررة”، أو خارج سيطرة النظام.

لا يتوقف الأمر عند طريقة عمل الفصائل العسكرية، المتهورة وغير المدروسة، والتي تتبع إملاءات خارجية، ولا عند خطاباتها التي شكلت افتراقًا عن المقاصد الأساسية للثورة السورية المتمثلة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وإنما يشمل ذلك أيضًا احترابات هذه الفصائل فيما بينها، وضمن ذلك في حلب والغوطة وإدلب والقلمون ودرعا، على الرغم من الأحاديث المتكررة عن قيام غرف عمليات، وتوحيد عشرات الفصائل في فصيل.

الفكرة أن كل العمل العسكري، على النحو الذي تم به، تمخض عن كارثة على الشعب السوري والسوريين، بسبب عدم نضجه، وخضوعه للمزاجيات، وبسبب ضعف خبرة القائمين عليه، وتشرذمهم واقتتالهم فيما بينهم، وبحكم اعتمادية الفصائل على أطراف خارجية، لم يكن يهمها سوى مصالحها الخاصة، وسوى توظيف الساحة السورية لتعزيز مكانتها الدولية والإقليمية.

ما يحصل في درعا هو استمرار لما حصل في حمص وحلب والقلمون وإدلب وريف دمشق والغوطة، وللأسف، فإن المعارضة لا تتعاطى بمسؤولية مع ما يجري، ولا تقدم كشف الحساب المطلوب منها لشعبها. كان الله في عون السوريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق