مقالات الرأي

درعا وحدود أمن الطاغية والمحتل

يُغفل بعض المتابعين لتطورات العدوان الروسي – الأسدي على الجنوب السوري، بعضَ الاعتبارات الأمنية لـ “إسرائيل”، تجاه محاولات موسكو إعادة ربط أمن “إسرائيل”، بوجود النظام على المناطق الحدودية المتاخمة للجولان السوري المحتل؛ إذ يجري التركيز على العوامل السياسية والعسكرية المُحرّكة لعملية موسكو العسكرية في درعا، بترتيب مع واشنطن وتل أبيب، مع أن الفرضية الأساسية هنا أن الأمن الإسرائيلي لا يكتمل، في المنطقة الشمالية “هضبة الجولان”، إلا بإعادة نمو مخالب النظام في دمشق على جسد الجغرافية السورية، ويعزز ذلك مطالبُ الوزير لافروف بأن “النظام وحده قادر على ضمان الأمن في الجنوب، وهو المخول بالقيام بهذه الخطوة، من خلال إعادة بسط السيطرة”.

لن تسمح أي صورة من صور التسوية التي تحاول موسكو فرضها في درعا بأن تُبقي الأمن الإسرائيلي غير واضح الترتيب، وإن أي تسوية قادمة يجب أن توفر عمقًا فائق الأهمية للأمن الإسرائيلي الذي تحاول تل أبيب فرضه، من خلال ضربات محددة للقواعد الإيرانية وميليشيا (حزب الله) في سورية، في مطلب يوفر إبعاد هذه القوات مسافة 80 كم عن الحدود، غير أن هذه القوات باتت على مقربة واضحة من عمليات درعا، وتخوض معاركها إلى جانب قوات النظام، لتحقيق حدود الأمن المطلق لـ “إسرائيل” في الجنوب السوري، وهنا تذوب الاعتراضات على التواجد، طالما أنه يُحقق تلك الرغبة.

إذا كان العدوان الواسع على درعا قد ألقى بظلال كثيفة من الشكوك، حول الصياغات السياسية التي تحاول موسكو فرضها، من خلال خدع هدن وقف إطلاق النار، حيث أثبتت مؤشرات الساعات الأخيرة محاولات موسكو فرض حالة استسلام كامل على الجنوب السوري، كبادرة لا تقف عند حدود فلسطين المحتلة فقط بل عند حدود مستقبل مغتصب قصر المهاجرين وقاتل السوريين؛ فإن اندلاع المعركة في درعا لإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل العام 2011، بحرب عدوانية إجهاضية وإحباطية لآمال السوريين، سينقل ميدان المواجهة والحسم مع الشعب لسوري، لتحقيق الأمن المطلق للمحتل.

تتمتع سيناريوهات تسوية موسكو في درعا، بأهمية أمنيّة عالية، بالاستراتيجية الإسرائيلية وبالمخاطر العسكرية على أمن الاحتلال، غير بعيد من هذه المخاطر التي ضجرت منها دول الجوار التي تتشارك الهموم الأمنية المشتركة مع موسكو وواشنطن وتل أبيب ونظام الأسد، حول دوره في تأمين حالة أمنية تُرضي جميع المنزعجين من تخلخل مهمة النظام في درعا قبل سبعة أعوام. وتأتي أهمية درعا وخطورتها، في المنطقة الجنوبية في سورية، من كونها تتحكم في بوابة العبور نحو هضبة الجولان السوري المحتل، وبالتالي الخطورة على “إسرائيل”. بعبارة أخرى: تحدثت المصادر الروسية والإسرائيلية والأميركية والغربية، عن عقم بدائل حماية “أمن إسرائيل”، دون وجود بشار الأسد كضمانة أساسية ومهمة، تبعد شبح التهديد بتفكير استعادة الجولان وتحرير الأراضي المحتلة.

مهمة موسكو في درعا تعلو أهميتها عن بقية المناطق التي ساعدت فيها سفاح سورية في بسط سيطرته، بتنفيذ أعلى قدر من الجرائم، للوصول في نهاية الأمر إلى الجنوب السوري وبقية الملفات لاحقًا، هي تحصيل حاصل، كما تُبيّن مخططات موسكو وطهران على الأرض، فحسب معادلة ابن خال بشار الأسد (رامي مخلوف) الأمنية، يستطيع الاحتلال اليوم التمتع بحدود الأمن المطلق، إذا لم يتزعزع أمن النظام. يضاف إلى مخلوف أن بوتين ووزيره لافروف تحدثا، في أكثر من مناسبة، حول هذا الأمر، ولم يتطرقا، بتاريخ العلاقة سوفيتية كانت أم روسية، إلى ما يشير إلى إسناد عسكري للنظام لطرد الاحتلال.

أخيرًا، في ضوء عرض موسكو الثقيل والقوي في إسناد الأسد وتل أبيب، لتحقيق الأمن المطلق، ولبيان أهمية النظام لـ “أمن إسرائيل”، حيث تطلّب الأمر من موسكو تنفيذ سياسة حرق وتدمير المدن السورية تباعًا، وفرض حالة استسلام لمُحقق الأمن المطلق لـ “إسرائيل” في الجولان؛ تظهر الصورة مفزعة في الشمال السوري (إدلب)، حيث تتوعد موسكو السوريين بأن خط عمق الأمن المطلق في الجنوب السوري يمتد من الجولان إلى حلب، وهو ما يُغري واشنطن والمجتمع الدولي بإدارة الظهر لحرب الإبادة في درعا اليوم، بمقتضى الجرائم التي نفذتها موسكو وطهران والأسد في بقية المناطق، لتحقيق هدف إخضاع السوريين لإرادة الطاغية والمحتل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق